العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - حين يُقصى الباحث ويُغتال التراث: أكاديمية المملكة المغربية ومأساة “موسوعة الملحون”

في مجال التراث المغربي، وتحديداً شعر الملحون، لا يُغتفر أن يُقصى الباحث عن المحافل الوطنية الرسمية التي يفترض أنها أُنشئت لحماية التراث وخدمته، لا لتوزيع السلطة العلمية على أساس الولاءات والمصالح الضيقة. ومع ذلك، فقد كان هذا بالضبط ما تعرضت له شخصياً، بسبب جرأتي في النقد ومواجهة الأخطاء الأكاديمية، وبسبب رغبتي في صيانة الحقيقة العلمية بعيداً عن المجاملات والمواضيع المقدسة.
لقد كنت معروفاً لدى أكاديمية المملكة المغربية قبل أي نقد، وكانت تتواصل معي وتستدعين، بل وقد شاركت في ورشات رسمية، كما يظهر في وثائق رسمية تعود لسنة 2018. ولكن بمجرد أن مسستُ ما اعتُبر لاحقاً كتابهم “المقدس” موسوعة الملحون، ووضحت أخطاءها المنهجية، وخرافاتها، والنصوص غير المحققة، تحول تقديري إلى إقصاء، واهتمامهم إلى تجاهل، وتواصلهم إلى صمت. إن هذه المعاملة تكشف أن المشكلة لم تكن في الباحث، بل في النقد نفسه حين يقترب من مناطق يظنونها مقدسة.
فقد بادرتُ، بتاريخ 5 يونيو 2024، إلى مراسلة الأكاديمية رسمياً، معبراً عن استعدادي للمساهمة في تصحيح وتحقيق دواوين الملحون، واضعاً خبرتي ومعرفتي بقواعد الشعر ومعجمه رهن إشارة المؤسسة، إيماناً مني بأن خدمة التراث تتطلب الشراكة والتعاون، لا الإقصاء والتجاهل. لكن هذا العرض العلمي النزيه قوبل بالتجاهل، فيما بقيت الأعمال الأكاديمية الرسمية كما هي، فاسدة علمياً ومنهجياً، مليئة بالأخطاء والنسب المختلّة والخرافات، وتُقدَّم وكأنها مرجع نهائي لا يناقش.
هذه الدواوين، في واقعها الحالي، لا تصلح إلا لتزيين الرفوف، أما محتواها فهو فاسد، فاسد، ناهيك عن المقدمات المليئة بالأكاذيب والادعاءات غير المثبتة، مما يُشكّل إساءة مزدوجة: للملحون، وللباحثين والدارسين الذين يُفترض أن يستفيدوا من مرجع موثوق. إن نشر هذه الدواوين على أنها “موسوعة” لم يكن مجرد خطأ علمي، بل محاولة لإضفاء شرعية وهمية على محتوى ضعيف وفاسد، واستخدام المؤسسة كغطاء لإسكات الصوت المستقل.
اللافت في الأمر أن الأكاديمية كانت تعرفني جيداً، وتعرف سيرتي ومساري قبل أي نقد، وكانت تتواصل معي وتستدعين، بل وقد دعيت للمشاركة في ورشات رسمية. ومع ذلك، ما إن مسستُ “مقدسهم” بالنقد والتحقيق، حتى تحوّل تقديري إلى إقصاء، واهتمامهم إلى تجاهل، وتحويل التعاون إلى عزل ممنهج. هذا الإقصاء لم يكن جهلًا بشخصي أو بعملي، بل كان عقاباً صريحاً على الجرأة العلمية، وعلى مساءلة إنتاج رسمي روج له كمرجع نهائي، فيما هو في الحقيقة يشوه التراث ويضلّل الباحثين.
اليوم، وبعد سقوط الأقنعة، يمكن القول بوضوح أن هذه الممارسات لم تُنتج إلا الخسارة. لقد خسر أصحابها فرصة تأسيس أعمال علمية كانت ستخلّد أسمائهم، وضيّعوا على الباحثين رصيداً معرفياً ثميناً كان يمكن أن يكون نبراساً لمسار البحث الجاد والمسؤول في شعر الملحون. ما حدث لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل إقصاء ممنهج، وإجهاض متعمد لمشاريع بحثية قبل أن ترى النور، وتخريب لمسار التحقيق العلمي، في حقل لا يحتمل المزاجية أو العبث.
والمفارقة الأدهى أن هذه الممارسات قُدّمت تحت شعار “الغيرة على التراث”، بينما الحقيقة أنها كانت غيرة على المواقع، والدور، والمصالح الشخصية، لا على الملحون أو الباحثين أو مستقبل هذا الفن. إن منع المعرفة، وحصار الباحثين، وإقصاء الأصوات المستقلة، هو خيانة صريحة للعلم، قبل أن يكون إساءة للأشخاص. فالتراث لا يُصان بالإغلاق، ولا يُحمى بالوصاية، بل يُخدم بالتحقيق، والانفتاح، واحتضان النقد البناء، وإتاحة المجال لكل من يشتغل بصدق وأمانة.
وأقولها بوضوح: أنتم تمتلكون حُجّة السلطة، وأنا أمتلك سلطة الحُجّة، والزمان هو الحكم العادل الذي سيكتب الحقيقة، وسيكشف من خدم الملحون فعلاً، ومن استعمله واجهة مؤسساتية ليُفرغه من روحه، ويضلّل الباحثين، ويضيع على هذا الفن فرصة تأسيس علمي رصين كان في أمسّ الحاجة إليه.
إن التاريخ، مهما طال، لا ينسى، ولا يرحم. وسيظل شاهدًا على كل من اختار الإقصاء بدل الشراكة، والهدم بدل البناء، وعلى كل من فضل حفظ الهيبة الوهمية على خدمة الحقيقة والتراث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى