_يقول الأستاذ عباس محمود العقاد :
أحببت في حياتي مرتين ، أحببت سارة وهذا ليس إسمها الحقيقي وإنما هو إسمها المستعار أطلقته عليها في قصتي المعروفة بهذا الإسم ، وأحببت ماري زيادة الأديبة المعروفة باسم " مي " ، كانت الأولى " سارة " مثالاً للإنوثة الدافقة الناعمة الرقيقة ، لا يُشغل رأسها إلا الإهتمام بجمالها وأنوثتها ولكنها كانت إلى ذلك مثقفة ، وكانت الثانية وهي " مي " مثقفة قوية الحُجة تناقش وتهتم بتحرير المرأة وإعطائها حقوقها السياسية وكانت جليسة علم وفن وأدب وزميلة في حياة الفكر أي أن إهتمامها كان موزعاً بين الأدب والأنوثة ( كلتاهما جميلة ) ولكن الجمال في مي كالحصن الذي يحيط به الخندق أما الجمال في سارة فكالبستان الذي يحيط به جدولٌ من الماء النمير ، هو جزء من البستان وهو للعبور أكثر مما يكون للصد والنفور ! عرِف العقاد مي عن بعد من مقالاتها في الصحف وتأليفها للكتب وعرفها عن كثب في صالونها الأدبي الذي كان يؤمه كبار الأدباء والمفكرين مساء كل ثلاثاء ، وكان هو أصغر رواد هذا الصالون سناً حين كان يؤمه منذ سنة 1915م وكانت سنه لا تزيد على 27 سنة وكانت مي لا تتجاوز 21 سنة ولكن كلاهما كان نجماً ساطعاً في شباب الأدباء وجيله المثقف الحديث . . نماذج من الرسائل بينهما :
حدث أن سافر عباس إلى أسوان على إثر مرض إنتابه فبعثت إليه برسالة تسأل عن صحته وتبلغه فيها تحيات أدباء الصالون الأدبي وتمنياتهم له بالصحة فرد عليها برسالة طمأنها فيها عن صحته وكان يصف لها طبيعة أسوان الجميلة وقصر " الملا " والرياض حوله والروابي الأثرية التي يعلو بعضها فوق بعض وحياض الأزهار والأنوار والجنادل المعترضة في جوف النهر وومياه النيل تنساب بينها إنسياباً وكم كانت تلهمه هذه نظم قصائده وأشعاره ، وعندما أقام العقاد في أسوان مدة بعيدة عن القاهرة بعثت الأنسة مي رسالة إليه بدأتها بقول المعري : عللاني فإن بيض الأماني فنيت والظلام ليس بفاني ، إن تناسيتما وداد الناس فاجعلاني من بعض من تذكراني .. ثم تحدثت إليه عن صالونها الأدبي ومحاضراتها في النادي الشرقي عن " فضل مصر عن الشرق " وكانت دائماً تتوق إلى سماع آرائه ، وكان جبران خليل جبران قد أصدر كتابه " المواكب سنة 1919م فكتب العقاد مقالاً في جريدة الأهالي نقد فيه هذا الكتاب وكشف فيه أخطاء لغوية وإنحراف في الفطرة والطبيعة والخيال السليم ! فأرسلت إليه مي زيادة رسالة تقول فيها بعد الديباجة والتحيات : " لاحظت قسوتك على جبران وإن كنت أوافقك على بعض ما قلت وأعارضك في البعض الآخر ولا تتسع رسالتي لأن أناقشك في ما أعارض عليه وأترك ذلك إلى لقاء قريب " وقد أرسل إليها العقاد رداً يقول فيه " وصلني خطابك الرقيق .. أعرف أن لجبران مكانة في نفسك وعلى كلٍ عندما نلتقي سنناقش ذلك. . " ، وحدث أن سافرت مي صيف عام 1925م إلى إيطاليا وبينما العقاد كان جالساً في مكتبه هبطت عليه رسالة طويلة من الآنسة مي تصف فيها رحلتها إلى روما والينابيع والآثار الخالدة هناك وتحدثه عن أهم شيء في نظره وهو المكتبات وأخبرته أنها أحضرت له كتب وصور التي تهمه فحفزه ذلك كله إلى الشوق إليها والتعبير الصريح عما يضمره لها من حب روحي صادق كما كتب في ديوانه : أنتِ في روما وفي مصر أنا بعدت شقتنا لولا النجاء ..أرقب البدر إذا الليل سجا فلنا فيه على البعد لقاء ..وأرود الشعر في مثل الكرى فإذا فيه من الطيف عزاء ... وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه فيتحدثان بلسان بطل الرواية وبطلتها ويسهبان ما احتملت الكناية والإسهاب ، وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة لا يزالان يحومان في نطاق واحد ويتجاذبان حول محور واحد ولكنهما يحذران التقارب ، وكانت مي تبادله الحب وإن تكن تكتمه كتمان المجاهدة تفلح مرة وتخيب مرة مع الكناية والإشارة والرمز مع من يفهمه حتى كأنهما يتحدثان بشفرة يعرفانهما وحدهما دون الناس !
ويقول طاهر الجبلاوي صديق الأستاذ العقاد أنه سأله عن السبب في عدم زواجه ؟ قال : أنه لا يكره الزواج ولا يأباه فهو سمة الحياة والطريق الطبيعي لقيام أسرة ولكنه طُبع على ألا يشاركه أحد حياته التي يراها عسيرة عليه وعلى من تريد أن تشاركه طُبع أن يتحمل آلامه وحده وما أكثرها من آلام .. طُبع أن يغامر في الحياة وحده وما أكثرها من مغامرات ! ثم قال : إنني لا أريد أن أُعذب امرأة معي ولا أريد أن تعذبني امرأة معها ..!"
* المصدر / من كتاب العقاد والتجديد في الشعر تأليف العوضي الوكيل.
أحببت في حياتي مرتين ، أحببت سارة وهذا ليس إسمها الحقيقي وإنما هو إسمها المستعار أطلقته عليها في قصتي المعروفة بهذا الإسم ، وأحببت ماري زيادة الأديبة المعروفة باسم " مي " ، كانت الأولى " سارة " مثالاً للإنوثة الدافقة الناعمة الرقيقة ، لا يُشغل رأسها إلا الإهتمام بجمالها وأنوثتها ولكنها كانت إلى ذلك مثقفة ، وكانت الثانية وهي " مي " مثقفة قوية الحُجة تناقش وتهتم بتحرير المرأة وإعطائها حقوقها السياسية وكانت جليسة علم وفن وأدب وزميلة في حياة الفكر أي أن إهتمامها كان موزعاً بين الأدب والأنوثة ( كلتاهما جميلة ) ولكن الجمال في مي كالحصن الذي يحيط به الخندق أما الجمال في سارة فكالبستان الذي يحيط به جدولٌ من الماء النمير ، هو جزء من البستان وهو للعبور أكثر مما يكون للصد والنفور ! عرِف العقاد مي عن بعد من مقالاتها في الصحف وتأليفها للكتب وعرفها عن كثب في صالونها الأدبي الذي كان يؤمه كبار الأدباء والمفكرين مساء كل ثلاثاء ، وكان هو أصغر رواد هذا الصالون سناً حين كان يؤمه منذ سنة 1915م وكانت سنه لا تزيد على 27 سنة وكانت مي لا تتجاوز 21 سنة ولكن كلاهما كان نجماً ساطعاً في شباب الأدباء وجيله المثقف الحديث . . نماذج من الرسائل بينهما :
حدث أن سافر عباس إلى أسوان على إثر مرض إنتابه فبعثت إليه برسالة تسأل عن صحته وتبلغه فيها تحيات أدباء الصالون الأدبي وتمنياتهم له بالصحة فرد عليها برسالة طمأنها فيها عن صحته وكان يصف لها طبيعة أسوان الجميلة وقصر " الملا " والرياض حوله والروابي الأثرية التي يعلو بعضها فوق بعض وحياض الأزهار والأنوار والجنادل المعترضة في جوف النهر وومياه النيل تنساب بينها إنسياباً وكم كانت تلهمه هذه نظم قصائده وأشعاره ، وعندما أقام العقاد في أسوان مدة بعيدة عن القاهرة بعثت الأنسة مي رسالة إليه بدأتها بقول المعري : عللاني فإن بيض الأماني فنيت والظلام ليس بفاني ، إن تناسيتما وداد الناس فاجعلاني من بعض من تذكراني .. ثم تحدثت إليه عن صالونها الأدبي ومحاضراتها في النادي الشرقي عن " فضل مصر عن الشرق " وكانت دائماً تتوق إلى سماع آرائه ، وكان جبران خليل جبران قد أصدر كتابه " المواكب سنة 1919م فكتب العقاد مقالاً في جريدة الأهالي نقد فيه هذا الكتاب وكشف فيه أخطاء لغوية وإنحراف في الفطرة والطبيعة والخيال السليم ! فأرسلت إليه مي زيادة رسالة تقول فيها بعد الديباجة والتحيات : " لاحظت قسوتك على جبران وإن كنت أوافقك على بعض ما قلت وأعارضك في البعض الآخر ولا تتسع رسالتي لأن أناقشك في ما أعارض عليه وأترك ذلك إلى لقاء قريب " وقد أرسل إليها العقاد رداً يقول فيه " وصلني خطابك الرقيق .. أعرف أن لجبران مكانة في نفسك وعلى كلٍ عندما نلتقي سنناقش ذلك. . " ، وحدث أن سافرت مي صيف عام 1925م إلى إيطاليا وبينما العقاد كان جالساً في مكتبه هبطت عليه رسالة طويلة من الآنسة مي تصف فيها رحلتها إلى روما والينابيع والآثار الخالدة هناك وتحدثه عن أهم شيء في نظره وهو المكتبات وأخبرته أنها أحضرت له كتب وصور التي تهمه فحفزه ذلك كله إلى الشوق إليها والتعبير الصريح عما يضمره لها من حب روحي صادق كما كتب في ديوانه : أنتِ في روما وفي مصر أنا بعدت شقتنا لولا النجاء ..أرقب البدر إذا الليل سجا فلنا فيه على البعد لقاء ..وأرود الشعر في مثل الكرى فإذا فيه من الطيف عزاء ... وربما تواعدا إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه فيتحدثان بلسان بطل الرواية وبطلتها ويسهبان ما احتملت الكناية والإسهاب ، وكانا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة لا يزالان يحومان في نطاق واحد ويتجاذبان حول محور واحد ولكنهما يحذران التقارب ، وكانت مي تبادله الحب وإن تكن تكتمه كتمان المجاهدة تفلح مرة وتخيب مرة مع الكناية والإشارة والرمز مع من يفهمه حتى كأنهما يتحدثان بشفرة يعرفانهما وحدهما دون الناس !
ويقول طاهر الجبلاوي صديق الأستاذ العقاد أنه سأله عن السبب في عدم زواجه ؟ قال : أنه لا يكره الزواج ولا يأباه فهو سمة الحياة والطريق الطبيعي لقيام أسرة ولكنه طُبع على ألا يشاركه أحد حياته التي يراها عسيرة عليه وعلى من تريد أن تشاركه طُبع أن يتحمل آلامه وحده وما أكثرها من آلام .. طُبع أن يغامر في الحياة وحده وما أكثرها من مغامرات ! ثم قال : إنني لا أريد أن أُعذب امرأة معي ولا أريد أن تعذبني امرأة معها ..!"
* المصدر / من كتاب العقاد والتجديد في الشعر تأليف العوضي الوكيل.