محمود البريكان شاعر استثنائي في الحركة الشعرية العراقية. وقد اكتسب هذا الاستثناء من مصادر عديدة. لعل أبرزها طبيعة حياته التي تميّزت بالتفرد، بحيث نُسجت عليها الحكايات، وسطرت الأخبار والأحداث صغيرها وكبيرها. وكان لوقعها بين الجماعات المقرّبين منه، والبعيدين عنه، بمثابة الصورة ذات المحمولات المتجددة، والمقتصرة على مركز واحد تُنبئ عنه حالة العزلة التي أحاط نفسه بها. وهي عزلة لم تكن لدواعي فيها مفارقة متعمدة، وإنما جاءت عفوية خاضعة لجدلية وجوده (اللاوجود في الخارج، الوجود في الداخل) الإنساني والشعري، ما أسبغ عليه نوعا من الغرابة، التي تحوّلت من فرط التداول إلى أسطورة إنسان، وبالتالي انسحبت على أسطورية شعره. ليس من باب اقتراب شعره من متن الأساطير، بقدر ما كان شعره يجانب تلك الغرابة الوجودية، من خلال طرحه للأسئلة وإثارة حراكها، أي أنه حوّل باقتدار الهم الشخصي السايكولوجي إلى همٍ شعري، يستحسنه الجميع، ويعمل على تداوله ابتداء من متن العزلة، إلى متن الأسئلة الشعرية. بمعنى لم يبق الظاهرة البريكانية، إن جاز التعبير، سجينة ذات البريكان، بل وضعها موضع الشيوع، سواء في المناسبات أو من دونها، ضمن المجالس الخاصة، أو حيت تُثار حوارات الشعر. فالشاعر امتلك قدرة البث على الرغم من محدودية وجوده المكاني، وندرة حركته، بما أدى إلى استثناء علاقاته الاجتماعية، فهو لا يلتقي إلا بالمحدود من الأصدقاء، ولا يلتقي إلا بموعد محدد. السؤال هل فرض عليه الشعر مثل هذه الممارسة؟ أم أن ثمة ظاهرة خفية انطوت عليها حياته لم يبح بها؟ أو أن صدمة اجتماعية أو سياسية آلت به إلى التوقف عن الاستمرار وفق علاقات اعتيادية، يحس بأنها نمطية قاتلة؟ أرى أنها جميعاً اجتمعت في صياغة الظاهرة. فالوضع السياسي والاجتماعي المضطرب والمهول، كذلك انعكاسات ذلك على ذات الإنسان، حرص الشاعر على أن يكون ضمن ماكنة التجديد والحفاظ على هوية الشعر. كل هذا دفعه ـ كما أرى ـ باتجاه خلق مناخ خاص ينتج من خلاله الشعر. السؤال هنا ما نوع الشعر الذي طرحه؟ وهل تميّز عن أقرانه؛ مجايليه سابقاً ومعاصريه؟ وهل استطاع أن يبلوّر شخصيته الشعرية وكيف؟ الجواب: نعم استطاع.. ولعلل اختيار العزلة، واحدة من الأسباب التي أسبغت على تاريخه الشعري مثل هذا التداول والاهتمام النقدي، على الرغم من محدودية الكم، لكنه أظهراهتماماً مركزاً، ساهمت فيه نخبة طيبة من النقّاد من أمثال عبد الرحمن طهمازي، حسن ناظم، علي حاكم صالح، ناظم عودة، سعيد الغانمي، حيدر سعيد وغيرهم. وقد اجتمع الاهتمام على دراسة علاقة شعره بنمط حياته أولاً، ثم تأثير العزلة على حراكه الشعري، وقد آثروا على أن تكون الندرة في شعره مقياساً لطبيعة هذا الشعر، وهم بذلك لم يجانبوا مركز الاهتمام، لاسيّما الاستثنائي في حياته وبالتالي في شعره.
البريكان أنموذج خاص لصياغة شاعر عاش من أجل الشعر، والشعر فقط، وما يؤكد لنا هذا؛ أنه آثر العزلة وأمامه مباهج الحياة وقدرته على توفير نمط حياة تمنحه نوعا من الاستقرار النسبي، كما هي حياة الشعراء. لكن الشاعر كما هم (السياب، رشدي العامل، سركَون بولص، الأب يوسف سعيد، جان دمو، كاظم جهاد، عقيل علي) على سبيل المثال لا الحصر؛ كانت لهم اختيارات، تبلورت خصائصها في عطائهم الشعري، مع اختلاف بعضهم عن بعض. ما نريد قوله هنا أن حياتهم المختارة أسبغت على شعرهم خصائص ذاتية. والبريكان كان أكثر استقراراً في عزلته لمداولة فلسفة الوجود في شعره. لقد وفّرت له عزلته مناخاً استطاع من خلاله تداول الأسئلة الفلسفية الملّحة على صعيد وجوده كإنسان له مستلزمات الوجود، وشاعر يتطلب وجوده صورا متجددة في هذه الحياة. ولعله لحظة ضاقت من حوله الزوايا، وتحدد المكان حسّياً، وقوّضت حالات الحركة من دون رقيب، كانت العزلة من نتائجها. سبقتها حالة الابتعاد الجزئي، الرامي لخلق عالم كلي الوجود، عالم خالق لمناخ الشعر، الداخل إلى عالم الشعر من أوسع الزوايا، المتشبث بالاتساع، الحاكم لمنافذ هيمنة الضيّق والمحدود في حياته الشعرية. فكان له ما أراد، فهيمن الشعر على وجوده المحدود مكاناً، والمتسع حسّاً، بما أسبغ على وجوده الشخصي والشعري استثناء كما ذكرنا. وكانت لشعره نكهة الأدب الوجودي، المكبل بالأسئلة الفلسفية دونما تعقيد نظري جدالي، بل طرح فلسفة الوجود في شعره بتلقائية واضحة. يستجيب لحسّه الذي راكم الصوّر لوجود خارج مداهم لعزلته كما ذكر:
الذئاب ستهجم لكن متى؟
أول الليل؟
منتصف الليل؟
عند الهزيع الأخير؟
أوان احمرار الشفق؟
أفق من ذئاب
أفق من حشود ظلامية غامضة
يتحرك، يدنو، يضيق قليلاً.. قليلا
وثانية يختفي
في وضوح النهار
هذا الغموض في ما يواجه الشاعر، سحب الشعر عنده إلى مناطق أكثر حراجة، عاكساً غربته في الوجود، مؤكداً غموض معالمه، وإن اتضحت، فهي كما هي هجمة الذئاب. ولعله لم يجانب الحقيقة المرّة التي عاشها ويعيشها في عزلته، بل لخصها في بضع أبيات، كانت أكثر بلاغة في بلوّرة الرؤى:
أنا بانتظار الزائر الآتي
أنا بانتظار الغامض الموعود
أنا بانتظار اللحظة الزرقاء كالأبد الأبيد
أنا بانتظار اللحظة العظمى
ولا ندري هل كان يدرك النهاية؟ لحظة نُفذت الجريمة بحقه، وكان السبب أنه نسي أن لا يفتح لأي طارق من دون موعد محدد، فقد أخذته تلقائيته الشعرية وقادته إلى الغموض الذي انتظره، فرحل قسراً، بوحشية بالغة الدقة!
أسئلة البريكان الموجبة
الشاعر محمود البريكان تشكيلة معرفية وشعرية تتفرد في ذاتها، لتوفر شخصيته الشعرية والاجتماعية، مستندة إلى خصائص ذاتية. وهذا ما تؤشر لها عزلته، سواء ضمن مسيرته الحياتية، أو في أخرياتها. والدافع إلى مثل هذه الممارسة الوجودية، كونه وفّر لنفسه ثقافة ومعرفة مختلفة، ومارس حياة اجتماعية لا تنفصل عن تاريخ البلد، سوى في استقبالها بفرط الحساسية الشعرية التي يمتلكها. ثم واجه ما خلقته كل هذه المكوّنات مجموع الأسئلة الوجودية، التي لخصتها وكررتها قصائده ذات البُعد والرؤى الفلسفية عبر طرح أسئلة المعرفة عن الكوّن والعلاقات الإنسانية، والحرية خارج منظومتها السياسية المواجَهة بالإحباط، والنكسات الدائمة لمشروع الإنسان، ثم الشعور بالاغتراب. ولعل الشعور بالفقدان واحد من أهم المؤثرات في شخصه وبالتالي في شعره. فهو يعتبر قصائده، أو ممارسته لكتابة الشعر، نوعا من التعويض عن هذا الفقدان، الذي يسحب معه كل مستلزمات الوجود الإنساني التي يراها الشاعر من منظور يختلف عن أقرانه. فمثلاً السياب كإنسان وشاعر عانى من الفقدان والغربة الكثير، لكن شعره ترجم هذه الظاهرة من خلال حسّ يختلف عما عكسه شعر البريكان كوّنه ترجم ذلك برؤى فلسفية تتعلق بأسئلة الوجود. لقد انعكست مفردات حياته المحدودة مكاناً والواسعة حسّاً، عبر توالي الأسئلة الوجودية. فهو يصف العالم بالعورة، لأنه ـ سادر في الظلمة ـ على حد ما ذكر علي حاكم صالح في (الشعرية المفقودة ) ـ لذا فشعره ينصّب في نوع من الإيمان بجبرية الصورة العقيمة، التي تلّف العالم كما يذكر (الأجنة الصغيرة/ الأجنة الشاحبة الصفر/ التي ترفض أن تشاهد النور، ولا تريد أن تولد) هذه النظرة الموصولة بعقم الحياة، لم تكن عفوية في حياة الشاعر، بقدر ما صاغتها مجموعة الرؤى المصاغة من الحياة. إن نظرته تتعمق جرّاء تعمق عزلته المختارة، التي خلقت له عوالم من التأمل عبر ممارسة صعبة لمثقف مثله، ولنموذج اجتماعي، كانت له علاقات عريضة، سواء مع جيله، أو مع المثقفين والشعراء والسياسيين، لاسيّما داخل بيئة تميّزت بخصائص ذاتية في صياغة مثقفها وأديبها، هي بيئة البصرة. من هنا كانت رؤاه أكثر غموضاً حد عكس ما يشبه الرفض حين يقول:
وما من ملاذ أخير
نفتني المنافي، أحاول أن أقهر الموت عبر القصائد
أدحر بالشعر هذا الظلام الذي يتمدد داخل روحي
أحاول أن أجعل الفقد أجمل حين أصوغ المراثي.
أحاول أن أتثبت من درجات الوضوح. وأن أتثبت
بالزائرات. أحاول أن أتعرّف ما لا يباح وأن
أتقصى حدود العوالم
هذه الدعوة، هي الأكثر انفتاحاً وانغلاقاً في الوقت ذاته. لأنها تكشف عن النوايا، وتغلق التعبير الواضح من الاقتراب من الآخر. إن سلاح الشاعر هنا كلامه المُصاغ شعراً، وكل ما هو خارج هذه المنظومة المعرفية الإنتاجية لا تعنيه. يُريد للشعر أن يأخذ بزمام الحياة، حتى في عزلته عن الوجود المادي الجمعي. فالشعر عنده أكثر قدرة على المواجهة (أدحر الموت بالقصائد) شريطة أن يكون لساناً صادقاً. إن الدعوة في أن يكون الشعر رائدا للموقف من الوجود، يتشبث به الشاعر، محاولاً أن لا ينفكّ عن عقاله، بسبب تداخله مع عمق وجوده المادي، الذي آثر العزلة، معوّضاً بذلك عن الغربة في الحياة مع الجميع. إن العزلة كما ذكرنا ليست مستخلصة من العلل والأمراض الاجتماعية والسياسية، بقدر ما هي عزلة معرفية صاغتها دربة البناء الذاتي معرفياً، واستقام عودها على يد الشعر. لذا فموقفه في ما توصل إليه من صياغة لحياته، يُعد قيمة وجودية واعية، ذات محمولات رؤيويه تتأبط الفلسفة كنمط يُصاغ فيه الشعر كما يذكر في إحدى قصائده.
كاتب عراقي
البريكان أنموذج خاص لصياغة شاعر عاش من أجل الشعر، والشعر فقط، وما يؤكد لنا هذا؛ أنه آثر العزلة وأمامه مباهج الحياة وقدرته على توفير نمط حياة تمنحه نوعا من الاستقرار النسبي، كما هي حياة الشعراء. لكن الشاعر كما هم (السياب، رشدي العامل، سركَون بولص، الأب يوسف سعيد، جان دمو، كاظم جهاد، عقيل علي) على سبيل المثال لا الحصر؛ كانت لهم اختيارات، تبلورت خصائصها في عطائهم الشعري، مع اختلاف بعضهم عن بعض. ما نريد قوله هنا أن حياتهم المختارة أسبغت على شعرهم خصائص ذاتية. والبريكان كان أكثر استقراراً في عزلته لمداولة فلسفة الوجود في شعره. لقد وفّرت له عزلته مناخاً استطاع من خلاله تداول الأسئلة الفلسفية الملّحة على صعيد وجوده كإنسان له مستلزمات الوجود، وشاعر يتطلب وجوده صورا متجددة في هذه الحياة. ولعله لحظة ضاقت من حوله الزوايا، وتحدد المكان حسّياً، وقوّضت حالات الحركة من دون رقيب، كانت العزلة من نتائجها. سبقتها حالة الابتعاد الجزئي، الرامي لخلق عالم كلي الوجود، عالم خالق لمناخ الشعر، الداخل إلى عالم الشعر من أوسع الزوايا، المتشبث بالاتساع، الحاكم لمنافذ هيمنة الضيّق والمحدود في حياته الشعرية. فكان له ما أراد، فهيمن الشعر على وجوده المحدود مكاناً، والمتسع حسّاً، بما أسبغ على وجوده الشخصي والشعري استثناء كما ذكرنا. وكانت لشعره نكهة الأدب الوجودي، المكبل بالأسئلة الفلسفية دونما تعقيد نظري جدالي، بل طرح فلسفة الوجود في شعره بتلقائية واضحة. يستجيب لحسّه الذي راكم الصوّر لوجود خارج مداهم لعزلته كما ذكر:
الذئاب ستهجم لكن متى؟
أول الليل؟
منتصف الليل؟
عند الهزيع الأخير؟
أوان احمرار الشفق؟
أفق من ذئاب
أفق من حشود ظلامية غامضة
يتحرك، يدنو، يضيق قليلاً.. قليلا
وثانية يختفي
في وضوح النهار
هذا الغموض في ما يواجه الشاعر، سحب الشعر عنده إلى مناطق أكثر حراجة، عاكساً غربته في الوجود، مؤكداً غموض معالمه، وإن اتضحت، فهي كما هي هجمة الذئاب. ولعله لم يجانب الحقيقة المرّة التي عاشها ويعيشها في عزلته، بل لخصها في بضع أبيات، كانت أكثر بلاغة في بلوّرة الرؤى:
أنا بانتظار الزائر الآتي
أنا بانتظار الغامض الموعود
أنا بانتظار اللحظة الزرقاء كالأبد الأبيد
أنا بانتظار اللحظة العظمى
ولا ندري هل كان يدرك النهاية؟ لحظة نُفذت الجريمة بحقه، وكان السبب أنه نسي أن لا يفتح لأي طارق من دون موعد محدد، فقد أخذته تلقائيته الشعرية وقادته إلى الغموض الذي انتظره، فرحل قسراً، بوحشية بالغة الدقة!
أسئلة البريكان الموجبة
الشاعر محمود البريكان تشكيلة معرفية وشعرية تتفرد في ذاتها، لتوفر شخصيته الشعرية والاجتماعية، مستندة إلى خصائص ذاتية. وهذا ما تؤشر لها عزلته، سواء ضمن مسيرته الحياتية، أو في أخرياتها. والدافع إلى مثل هذه الممارسة الوجودية، كونه وفّر لنفسه ثقافة ومعرفة مختلفة، ومارس حياة اجتماعية لا تنفصل عن تاريخ البلد، سوى في استقبالها بفرط الحساسية الشعرية التي يمتلكها. ثم واجه ما خلقته كل هذه المكوّنات مجموع الأسئلة الوجودية، التي لخصتها وكررتها قصائده ذات البُعد والرؤى الفلسفية عبر طرح أسئلة المعرفة عن الكوّن والعلاقات الإنسانية، والحرية خارج منظومتها السياسية المواجَهة بالإحباط، والنكسات الدائمة لمشروع الإنسان، ثم الشعور بالاغتراب. ولعل الشعور بالفقدان واحد من أهم المؤثرات في شخصه وبالتالي في شعره. فهو يعتبر قصائده، أو ممارسته لكتابة الشعر، نوعا من التعويض عن هذا الفقدان، الذي يسحب معه كل مستلزمات الوجود الإنساني التي يراها الشاعر من منظور يختلف عن أقرانه. فمثلاً السياب كإنسان وشاعر عانى من الفقدان والغربة الكثير، لكن شعره ترجم هذه الظاهرة من خلال حسّ يختلف عما عكسه شعر البريكان كوّنه ترجم ذلك برؤى فلسفية تتعلق بأسئلة الوجود. لقد انعكست مفردات حياته المحدودة مكاناً والواسعة حسّاً، عبر توالي الأسئلة الوجودية. فهو يصف العالم بالعورة، لأنه ـ سادر في الظلمة ـ على حد ما ذكر علي حاكم صالح في (الشعرية المفقودة ) ـ لذا فشعره ينصّب في نوع من الإيمان بجبرية الصورة العقيمة، التي تلّف العالم كما يذكر (الأجنة الصغيرة/ الأجنة الشاحبة الصفر/ التي ترفض أن تشاهد النور، ولا تريد أن تولد) هذه النظرة الموصولة بعقم الحياة، لم تكن عفوية في حياة الشاعر، بقدر ما صاغتها مجموعة الرؤى المصاغة من الحياة. إن نظرته تتعمق جرّاء تعمق عزلته المختارة، التي خلقت له عوالم من التأمل عبر ممارسة صعبة لمثقف مثله، ولنموذج اجتماعي، كانت له علاقات عريضة، سواء مع جيله، أو مع المثقفين والشعراء والسياسيين، لاسيّما داخل بيئة تميّزت بخصائص ذاتية في صياغة مثقفها وأديبها، هي بيئة البصرة. من هنا كانت رؤاه أكثر غموضاً حد عكس ما يشبه الرفض حين يقول:
وما من ملاذ أخير
نفتني المنافي، أحاول أن أقهر الموت عبر القصائد
أدحر بالشعر هذا الظلام الذي يتمدد داخل روحي
أحاول أن أجعل الفقد أجمل حين أصوغ المراثي.
أحاول أن أتثبت من درجات الوضوح. وأن أتثبت
بالزائرات. أحاول أن أتعرّف ما لا يباح وأن
أتقصى حدود العوالم
هذه الدعوة، هي الأكثر انفتاحاً وانغلاقاً في الوقت ذاته. لأنها تكشف عن النوايا، وتغلق التعبير الواضح من الاقتراب من الآخر. إن سلاح الشاعر هنا كلامه المُصاغ شعراً، وكل ما هو خارج هذه المنظومة المعرفية الإنتاجية لا تعنيه. يُريد للشعر أن يأخذ بزمام الحياة، حتى في عزلته عن الوجود المادي الجمعي. فالشعر عنده أكثر قدرة على المواجهة (أدحر الموت بالقصائد) شريطة أن يكون لساناً صادقاً. إن الدعوة في أن يكون الشعر رائدا للموقف من الوجود، يتشبث به الشاعر، محاولاً أن لا ينفكّ عن عقاله، بسبب تداخله مع عمق وجوده المادي، الذي آثر العزلة، معوّضاً بذلك عن الغربة في الحياة مع الجميع. إن العزلة كما ذكرنا ليست مستخلصة من العلل والأمراض الاجتماعية والسياسية، بقدر ما هي عزلة معرفية صاغتها دربة البناء الذاتي معرفياً، واستقام عودها على يد الشعر. لذا فموقفه في ما توصل إليه من صياغة لحياته، يُعد قيمة وجودية واعية، ذات محمولات رؤيويه تتأبط الفلسفة كنمط يُصاغ فيه الشعر كما يذكر في إحدى قصائده.
كاتب عراقي