رولان بارط - وقائع عرضية (3) ترجمة: إسماعيل أزيات

في المغرب منذ زمن ليس ببعيد
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
حميدو، تلميذ في السنة الثانية، أستاذ التربية البدنية في المستقبل، صادفته صباح يوم أحد في غبار سوق السلع المستعملة. .
Ket، المعوز والمحبّ للمرح، بمعطفه القصير الواقي من المطر، بحذائه الضّخم الخَرِب، بعيونه المغربية الجميلة، بشعره المجعّد، يلزمه أن "يفكّر" في الغد في "مفهوم موليير للكوميديا".
حميدو: أفضّل أن أكتب اسمي دون حاء، لأنّه :
لذيذ مثل النّشاء (ناعم كعجينة)
سريع الالتهاب كالصوفان (قابل للاشتعال كالفطر الجاف)..
معجب بمفردات حميدو:
الحلُم والتدفّق للدلالة على بلوغ الانتصاب وحصول النّشوة.
التدفّق نباتي، متناثر، متبعثر، غير مؤدّب، غير نرجسي، غير منغلق على نفسه.
رمضان: سيطلع الهلال قريبا. ينبغي الانتظار نصف ساعة أخرى لممارسة الجنس:"شرعت أحتلم" "هل هذا جائز؟""لا أدري"
A، الذي ذهب في اليوم السّابق بعد أن "احتلم"، عاد ما إن وجد نفسه في الشارع؛ لن يتمكّن من الاغتسال كما تقتضيه ديانته، لأنّ مدرسته الداخلية لا تسمح بالاستحمام إلاّ مرّة واحدة في الأسبوع، إلخ. (نقمة ملقاة على الدولة).
يجلسون على الشرفة، ينتظرون أن تضيء اللمبة الحمراء الصغيرة أعلى المئذنة، إيذانا بانتهاء الصيّام.
بعد كلّ ظهيرة من رمضان، حوالي الخامسة مساء (نحن في شهر نونبر)، يتحوّل مطعم ليبراسيون في المدينة القديمة، كما يُرى من الشارع، إلى مأوى للفقراء بصفوف طويلة من الطاولات حيث يصطفّ رجال ليتناولوا حساءهم؛ الوحيد الذي يخدم كلّ هؤلاء يجري في كلّ اتّجاه كأنّه راهب كرّس حياته للخدمة في دير.
النّاصري يعرف اللغة الفرنسية جيّدا؛ لكي يبرهن على ذلك، يزيّن خطابه بتعابير غريبة: "خرجوا هذا المساء، لأنّه رمضان".
"المحاسب الرئيسي" (شاب بوجه جذّاب) يردّد بجديّة: "الحضارة هي أن تعرف حقوقك وتكون على دراية بواجباتك" بعد كلّ هذا، ينفجر من الضحك كما نحن جميعا.
مساء هذه الجمعة، بينما ينقضي الصّوم، يكون التدخين لا زال محظورا، لأنّه عند مغادرة الشارع لولوج منزل يهودي، يكون السبت قد بدأ.
أساتذة اللغة الفرنسية يتناقشون حول طالب دكتوراه: ما هي مؤهّلاته البيداغوجية؟ ارتباك، حرج. فجأة، ولإراحة الجميع، يصيح أحدهم: الدّرس الذي تقدّم به في التّبريز !
حلاقة: ماسح أحذيتي منحن على حذائي، يكشف عن صلعته الكبيرة في مؤخرة جمجمته، بينما وراءه ، على الرصيف، ولد بثياب رثّة، يمشّط بهوس شعره المقصوص المغبّر بمشط دمية.
الصّلة بين يديه الرّهيفتين، المعتنى بهما، (لقد أتى على غسلهما) والكيفية التي يظهرهما بها، يتلاعب بهما، يقحمهما، وهو يتحدّث، ضمن السجّل الإيمائي الخاص بالأقدام السّود¹. الصّلة بين الرقّة البالغة لجواربه السّود غالية الثّمن والكيفية التي يمدّ بها ساقيه.
ماسح أحذية أخرق ونصف مخبول يندفع دوما نحوي عارضا عليّ خدمته بإصرار: "أنا، تلميع، صين" (صفة للإتقان).
في اليوم نفسه:
من جهة ، طالب بورجوازي صغير يختال ببلاهة أمام الآخرين لـ"يحرج الأستاذ"، والذي يعترض عليّ بقول سخيف للغاية، لا يبقى منه سوى إعلان عن سوء طويّة.
من جهة أخرى، مصطفى، ويدعى مصطا Musta : شعر مقصوص، عينان جميلتان لوزيتان، رأس رومانيّ على وجه التقريب فضلا عن حسن عبارته؛ وُلد بفاس، له ثمانية عشر عاما وهو فقير للغاية. يبحث، ليستطيع مواصلة دراسته، عن عمل في الرباط.
وجد عملا عند نجّار في العكّارين؛ يتقاضى ثلاثمائة وخمسين فرنكا في الأسبوع. أبوه لا يشتغل، أمّه تعمل في مصنع للنّسيج. يعيش مع إحدى شقيقاته. كائن مجرّد من أيّ حقد.
فرنسية ضئيلة الحجم حازمة، عشيقها المهزول يحمل حقائب ضخمة، تردّ على قابض التذاكر وقد علّق "لكِ حمولة ثقيلة ! ") :"إنّهم لصوص حقيقيون، هؤلاء الحمّالون، لكنّهم لا يستطيعون أن يخدعوننا لحظة واحدة". ضحكة طفولية من قابض التذاكر، وإن كان هو الأخر مستاء مثل الحمّالين.
شبّان من أبناء البلد ـ مزهوّين أمام فتيات ــ يتظاهرون بالتحدّث بالإنجليزية بنبرة فرنسية مبالغ فيها (طريقة لإخفاء، دون فقد الاعتبار، أنّهم لن يتمكّنوا أبدا من امتلاك النّبرة الصّحيحة).
المدينة القديمة: في الساعة السادسة مساء، في الشارع الذي يعجّ بالباعة المتجوّلين، ثمّة رجل حزين يعرض للبيع لوحا للتقطيع²على حافة الرّصيف.
خلفي، في الطائرة، سيّدة فرنسية مسنّة، في خضمّ الحديث مع امرأة بقربها، منهمكة في التّطريز: قطعة من كتّان صلب ضاربة إلى اللون الرمادي، رُسمت فوقها باقة زهور من الطراز القديم. في وقت لاحق، ودون أن تنزل عند التوقّف في المحطّة الانتقالية، تواصل عملها أثناء الهبوط والإقلاع، في سكون تامّ وسط اهتزازات الطائرة: شخصية رابطة الجأش.
مراقبان للتّذاكر، في إستراحة، يجلسان في حانة؛ الأصغر يمدّ فنجان قهوة للأكبر سنّا، يمتنع عن تناوله مع ابتسامة. بعد ذلك، انتبهتُ أنّ الأكبر سنّا ليس سوى مساعد، له نجمة واحدة، بينما الأصغر له ثلاث نجمات.
في القطار، حولي: (1) امرأة تسافر وحيدة، ذات نبرة جرمانية (ألزاسية، سويسرية)، تسريحة شعرها على شكل ذيل حصان مع وشاح معقود حولها؛ تحاول أن تتواصل معي، تقبل طبق الطعام عندما أفعل، لا تطلب شيئا للشّراب، ثمّ تريد ماء معدنيا Seltz، مكّعبات ثلج، إلخ؛ تقرأ ³ Rif, terre de légendes. (2) امرأة مغربية سوداء، مصابة بالبثور؛ ترتدي قفطانا بلون النّبيذ وحذاء عالي الأزرار وتحمل بين ذراعيها رضيعا ذا شعر مجعّد؛ (3) امرأة بسيطة من الأقدام السّود تعكف على غرزة كروتشيه معقّدة؛ (4) سحاقيتان تلعبان الورق؛ (5) شاب مغربي بأقدام حافية.
سيّارة أجرة جماعية: "نائب" من تطوان (مهندس معماري أشرف على إنشاء تصميم لشارع رئيسي بمدريد ممّا جعله من أصحاب الملايين) يتولّى، في الظلام والمطر، تسييرسائقنا العجوز (بقميص رمادي وطاقية صفراء)، والذي لا يرى شيئا من الطريق بفعل الصيحات الرنّانة الحادّة والمباغتة.
أنت تقود حصانا مسنّا يجرّ عربة، ولذلك فهو منصاع تماما.
تعاونية عمالية في أزرو: سرب من فتيات صّغيرات متراصّات بعضهنّ إلى بعض كالعصافير، يسقسقن على زرابي ضخمة ماثلة أمامهنّ: مزيج من قفص طيور وحجرة دراسة؛ ومن هناك إلى حريم قصر سادي.
في إيطو⁴، المطلّة على مشهد طبيعي شاسع ورفيع، أحدنا يعطي مازحا صورة امرأة عارية (مأخوذة من لست أدري أيّ بلاي بوي) إلى الشاب موحى، بائع الأحجار شبه الكريمة: ابتسامات، تحفّظ، جديّة، أخذ مسافة من قبل الفتى: هو الذي يتحكّم في مشهد أريد له أن يحرجه؛ تظلّ هستيريا الفتى الآخر هنا ذات جانب أمومي.
عبد القادر، فتى ذو عيون لامعة، وابتسامة صارمة، يتمتّع بلطف فائق الحدّ، يجسّد في كلّ بهائه، وأبعد من كلّ شكل من أشكال الثقافة، جوهر الإحسان في ذاته: ليس هناك من كلمة أخرى تصف ذلك. (تنغير).
مستوقفان من الهيبيّين, ايديولوجيا : أحدهما يحدّثني عن «تيّار الوعي». اقتصاديا: الذهاب إلى مراكش لشراء القمصان الهندية وإعادة بيعها في هولندا بثمن باهض. شعائريا: بمجرّد وصولهما إلى هولندا، وفي المقعد الخلفي للسيّارة، يلفّان سجائر محشوّة بحشيش ويغرقان طوعا وتلقائيا في الغيبوبة (يستيقظان منها حالما يُمنحان قهوة).
لكن كذلك : في سطات، حملت عند إشارة توقّف مستوقفا يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة؛ يحمل كيسا كبيرا ممتلئا بالبرتقال والماندرين وحزمة ملفوفة في ورق شفّاف متّسخ؛ وديع، رزين، متحفّظ، لا يضع كلّ هذا بجانبه، بل يحتفظ به على ركبتيه وفي قعر قبّ جلابته. يدعى عبد اللطيف. في قلب بادية مكشوفة، ودون أثر لقرية، يطلب منّي التوقّف ويشير إلى سهل منبسط: إلى هنا هو ذاهب. يقبّل يدي ويمنحني درهمين (على الأرجح ثمن الحافلة، الذي كان قد هيّأه ويحتفظ به في قبضته).

هوامش (من وضع المترجم):
1 ـ الأقدام السود، لقب أطلق على المستوطنين الفرنسيين بعد عودتهم إلى بلدهم.
2ـ من أدوات المطبخ البسيطة.
3 ـ ربّما رولان بارط يقصد كتاب : Rif, terre marocaine d’épopée et de légende, Attilio Gaudio, 1962
4 ـ إيطو، منطقة طبيعية في الأطلس المتوسط تقع بين أزرو والحاجب.
(1969)


(الملحق الثقافي لجريدة"العلم"، 12 فبراير 2026.
أعلى