عباس محمود العقاد - لماذا تقرأ؟... وكيف تقرأ؟

" .. يقرأ الإنسان لأنه لا يستطيع أن يعيش أعمار الناس جميعا، ولكنه يستطيع في عمر واحد أن يشعر بما شعروا به ويختبر ما اختبروه من طريق القراءة .."

يقرأ الطبيب كتب الطب، والمهندس كتب الهندسة، والمحامي كتب القانون، والمعلم كتب التدريس. وهذه وما شابهها هي القراءة التي يقضي بها حكم الصناعة ومطالب المعيشة. فلا محل فيها لاختلاف الآراء والأذواق ، وليست هي القراءة المقصودة في هذا المقال.
انما القراءة المقصودة هنا هي التي يقرؤها جميع هؤلاء لأنهم أصحاب عقول ومشارب نفسية لا لأنهم أصحاب صناعات وطلاب معيشة.
فلماذا يقرأون اذن ان لم تكن قراءتهم لذلك الغرض الذي اسلفناه ؟ يقرأون لأسباب شتي يكثر القول في سردها وطريقة التعبير عنها. ولكننا نستطيع أن نلخصها ونجمع بين أطرافها في سبب واحد وهو : "أنهم يقرأون لكسب الوقت لا لتضييعه" ، وهذا أنفس وأقصي ما يستفيده المستفيد من الكتاب كائناً ما كان المؤلف والموضوع.
ومن الواضح أن سرور القاريء بما يقرأ لا ينفي تضييع الوقت وقلة الفائدة من ذلك السرور، لأن كل قاريء انما يقرأ في الواقع ما يسره ما دام لا يجبر على مطالعته بحكم الصناعة ولا بحكم الدراسة، ولا نعرف أحداً يختار كتابا لأنه لا يريد منه الفائدة ولا يريد منه السرور. وانما موضع الخلاف هو : هل كل سرور قيم جدير بالطلب ؟ وهل كل ما نقرؤه طلبا للسرور يستحق القراءة ؟ والجواب يعود بنا إلي وصف القراءة الواجبة كما تقدم وهو "كسب الوقت" أو زيادة حظ الإنسان من عمره وحياته.
يقرأ الانسان لأنه لا يستطيع أن يعيش أعمار الناس جميعا، ولكنه يستطيع في عمر واحد أن يشعر بما شعروا به ويختبر ما اختبروه من طريق القراءة. فالرواية الواحدة التي يحسن صاحبها وصف أبطالها هي حياة عشرات من الناس مجموعة في بضع ساعات أو بضعة أيام. والرحلة التي يشرح فيها السائح ما شهده وتمرس به شهوراً وأعواما هي شهور وأعوام لا تكلف القاريء الا ريثما يعبر صفحاتها ويستوعب معانيها وأحاسيسها، وسيرة الرجل العظيم تستغرق من الدهر سبعين أو ثمانين سنة، ويمحض لنا الكتاب زبدتها وعبرتها في أسابيع معدودات، وتاريخ الأمة يحيط بالعصور الطوال وهو معصور ومحصور فيما بين جلدتين من كتاب، وهذه كلها نماذج من القراءات التي تكسب بها الوقت ونستزيد بها العمر وتتكثر بها من أزواد الحياة، ولا نحتاج في ذلك إلي أكثر من ساعات الفراغ التي نضن بها علي الضياع.
أما القراءة التي تستفز الشهوات وتشغلنا بالفضول فهي لا تزيدنا شيئاً ولا تعطينا شيئاً. بل لعلها تحرمنا وتشعرنا بحرماتنا ان لم تتركنا علي حالنا الذي نحن فيه. فمن الجائز أن تكون لنا معلومات مائة انسان متفرقين من طريق القراءة، ولكن ليس من الجائز لنا من طريق القراءة مائة جسم بدلا من جسم واحد ومائة شهوة بدلا من شهوة واحدة.
***
في هذا العصر غلبت قراءة الوقت الضائع على قراءة الوقت المكسوب، لأن القراءة قد أصبحت اليوم عملا من أعمال الشركات التجارية التي تهمها كثرة البيع أضعاف ما تهمها جودة الأصناف.
واذا شئنا أن نرجع الي سبب آخر وراء هذا السبب الظاهر فالسبب الآخر هو انتشار الحرية الفردية بين عامة الرجال والنساء، فأصبحت الموضوعات الشائقة هي موضوعات الرعب والشهوة أي موضوعات الجرائم والغرام المبتذل المرذول، لأن النفس الجاهلة لا تتاثر إلا بأقوي المؤثرات وأعنف الحوافز، وهما الخوف والغريزة، وليست لها قدرة على التأثر بدقائق الاحساس ولطائف الافكار. لأنها لا تدرك هذا الاحساس ولا تفقه هذه الافكار.
حرية الرجل العامي ألقت في روعه أنه قادر على أن يفعل ما يشاء ويقرأ ما يشاء، ويجهر بميوله وعاداته لأنه لن يخشي انسانا ولن يخجل من انسان فهو وأعظم الناس على حد سواء .. ومن ثم أعفي نفسه من عناء التهذيب والتحسين وطلب الرفعة والامتياز، واكتفي بما هو فيه لأنه يجهل الحقيقة من جهة، ولأنه من جهة أخري يتحدي ويعتز بالحرية الجديدة التي آلت اليه.
وحرية المرأة العامية أباحتها أن تظهر بنزواتها بعد أن كانت تواريها وتصطنع فيها الرياء والحياء. وآية ذلك أننا كنا نري الصور المتحركة قبل عشرين أو ثلاثين سنة تعني بانتقاء النساء الجميلات لاجتذاب النظارة فاذا هي اليوم تعني بانتقاء الرجال العمالقة الذين لا قدرة لهم على صناعة التمثيل ولا فضل لهم غير فضل العضلات القوية والسواعد المفتولة والقامات المديدة، وأدل من ذلك على هبوط اذواق النساء المقصودات بعرض هؤلاء الممثلين انهن لا يعجبن بمظاهر الرجولة إلا اذا كانت تذكرهن بصفاتها العضلية والجسدية، فاذا كان الرجل كالممثل المعروف "فردريك مارش" فلا حظوة له عندهن كالحظوة التي يلقاها ذلك الصنف من الرجال، لأنه قوي البنية متين التركيب جميل الطلعة، ولكن محياه لا يذكر الناظر بمظاهر الرجولة العضلية كما لا يذكره بمظاهر الرجولة العقلية .
***
هذه القراءات والمشاهد التي لا معول على غير الشهوة الحيوانية والرعب الحيواني، هي القراءات التي تضيع الوقت ولا مكسب فيها للقاريء من فهم ولا استطلاع ولا عطف ولا شعور. بل لعلها تنتكس بالإنسان الي حضيض الحيوانية لأنها لا تخيفه إلا كما يخاف الحيوان ولا تثير شهواته إلا كما تثار شهوات الحيوان.
أما القراءات والمشاهد التي تكسب الانسان وقتاً وعمراً فهي التي تفسح أمامه آفاق الاختبار وتوسيع بين يديه نطاق الشعور، وتزيده علما بنفسه وعلما بدنياه، وتعوده أن يفهم خيراً مما كان يفهم، وأن يحس خيراً مما كان يحس، وان يجمع في عمر واحد ما ليس يجتمع بالمراس والمعاينة إلا في الأعمار الطوال.
ولست أحاول أن أحصي هذه القراءات فأنها أوسع وأوفر من أن يجمعها احصاء، ولكني أذكر ما يروقني منها وأدع للقراء أن يختاروها أو يختاروا غيرها حسبما تتباين المشارب والمطالب والأذواق. فأفضل الكتب عندي هي الكتب التي أقرأ فيها الشعر ونقد الفن وتراجم الناس وفلسفة العقائد والأديان ووصف طبائع الاحياء وتواريخ الشعوب مقرونة بتواريخ العظماء والمذاهب الاجتماعية في وقت واحد. وقد سألت نفسي كثيراً : ما الذي ألف عندي بين هذه الموضوعات وهي في ظاهر الأمر شتيت موزع من هنا وهناك ؟ فاستطعت بعد طول المراقبة أن أعلم انها تصدر جميعاً من معين واحد وهو استكناه سر الحياة وسر الشعور. ورأيت أنني حين اقرأ الشعر فأنما اسبر مدي الحياة من الحس والعاطفة، وحين أقرأ التراجم والسير فأنما أساجل أصحابها ما خبروه وأحسوه، وحين أقرأ فلسفة العقائد فأنما أسبر مدي الحياة من العمق والخلود، وحين أقرأ المذاهب الاجتماعية فأنما أستعرض البواعث التي تزجي الحياة في الجماعات والأفراد، وكذلك حين أقرأ طبائع الأحياء من آدمية وغير آدمية.
فالمعين واحد وان اختلفت العناوين، وأحسب أن القاريء يعرف نفسه جيداً ويعرف موضوعاته جيداً إذا حاول أن يؤلف بين دواعيها وأن يرجع بها جميعا إلي معينها، لأنه يتغلغل حينئذ في معانيها ومدلولاتها ويصل إلي قرارها ويجعل كل موضوع منها معاونا للموضوعات الأخري بالمدد والاضافة.
***
أما كيف نقرأ فليس الأمر في هذا الصدد بالعويص ولا بالعسير: تتوخي في القراءة ما تتوخاه في الطعام من مضغ جيد واعتدال في الزاد ورياضة على الهضم وتحويل الغذاء الي عناصره النافعة فالطريقة "الامريكية" طريقة العجلة والقفز بين السطور والحروف هي اولي الطرائق بالاجتناب والمحاذرة. لاننا لا ننتفع بالغذاء علي هذا الأسلوب – فمن باب أولي أن لا ننتفع بالقراءة ولو كانت للتسلية والاستطلاع. وقد راينا في شريط شارلي شابلن عن الزمن الحديث أن هواة الاختراع لم يفلحوا في اختراع الآلة التي تنوب عن الإنسان في تناول طعامه وازدراه ! فلا نخالهم يفلحون في اختراع الآلة التي تنوب عنه في رؤية الكلمات والالمام بالسطور واستخراج المعاني واستنباط الخفايا واستمراء الجمال والابداع !
انما نقرأ لنتذوق ونتفهم ونتأمل . وكل أولئك يحوجنا الي الأناة والاستقصاء والمقابلة بين السابق واللاحق مما قرأناه ووعيناه.
قال لي بعض المتخرجين في احدي الجامعات الامريكية إنه أتي على رواية " كرمازوف " للكاتب الروسي العظيم دستيفسكي في ثلاثة أيام. فقلت له ضاعت الرواية وضاعت الثلاثة الأيام.
انني لأذكر انني قرأت هذه الرواية بعينها في أربعين يوما وأنا اتهم نفسي بالعجلة وأعود اليها حيناً بعد حين ولا أري انني قد استنفدت ما فيها من متاع ودراسة. وكان في وسعي أن آتي عليها في ثلاثة أيام كما في وسعي أن أزور أحياء القاهرة من أطرافها إلي أطرافها في تلك الأيام الثلاثة.
ولكنني لن أفهم من كرمازوف ولا من القاهرة في هذه الحالة الا ما انا في غني كل الغني عن فهمه وتوجيه النظر اليه. وكل ما هنالك انني استطيع اذا لغط اللاغطون أمامي بذكر كرمازوف وذكري القاهرة ان أخوض مع الخائضين فيقال انني رجل مطلع علي الكتب مطلع علي البلاد.
فهل هذا هو المقصود بالقراءة والسياحة؟
كلا ! ليس هذا هو المقصود. ولكنما المقصود هو ما تعرفه انت لا ما يعرفه الناس عنك مصيبين، فكيف بما يعرفونه عنك مخطئين واهمين؟ .. أوجز ما يجاب به عن سؤال السائل: ماذا نقرأ وكيف نقرأ اننا نقرأ ما يكسبنا ويزيدنا حياة، واننا نغذي النفوس كما نغذي الجسوم.

عباس محمود العقاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) نشر بمجلة الهلال 1937م
أعلى