كان المساء قد انحنى على المدينة مثل شيخٍ متعب، يجرُّ عباءته الرمادية فوق الأرصفة الباردة. كنا نجلس في المقهى الصغير عند زاوية شارعٍ نسيه الضوء، حيث المصابيح تكتفي بالارتعاش بدل أن تُنير، وحيث الكراسي تحفظ أسرار الذين تعبوا من حمل أنفسهم.
كنتُ أمامك، أراقبك بصمت، بينما أصابعك تحيط بفنجان القهوة كأنك تخشى أن تهرب آخر ذرة دفءٍ منه. لم تقل شيئاً في البداية، لكن الصمت الذي كان يسكنك كان أعلى من أي اعتراف، وعندما نظرتَ إليّ أخيراً، كان في عينيك حكاية رجلٍ ضلَّ طريقه داخل نفسه، رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يسير… أم يتلاشى.
قلتَ بصوتٍ بدا كأنه قادم من مكانٍ بعيدٍ جداً:
“أصبحتُ لا أتحدث كثيراً …”
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أسمع الكلمات، بل كنت أسمع سقوطك البطيء…
و استكملت قائلاً: أصبحتُ لا أتحدث كثيراً ، كأن الكلمات صارت أثقل من قدرتي على حملها، كأنها حجارة مربوطة إلى لساني، وكلما حاولتُ أن أنطق، شعرتُ أنني أغرق أكثر. أصابني شيءٌ من عدم الاهتمام، لا كقرارٍ اتخذته، بل كمرضٍ تسلل إليّ دون أن يطرق الباب، واستقر في صدري مثل شتاءٍ دائم.
لم يعد يثيرني شيء، حتى تلك الأيام من عمري، التي كنت أظن أنها مميزه، لم تعد كذلك، واصبحت تمر من عمر أيامي مرور الكرام. المفاجآت أصبحت عادية، كأن الدهشة هجرتني دون وداع، وتركتني أجلس وحدي في غرفةٍ فارغة، أُقلب ذكرياتها كصورٍ باهتة.
أصبح كل شيءٍ كأي شيء، الوجوه، الأيام، الأصوات… كلها تمرُّ بي كقطارٍ لا أتذكر أنني صعدتُ إليه. لم يعد يدهشني شيء، كأن قلبي أصبح أرضاً احترقت، مهما هطل عليها المطر، لا تُنبت شيئاً، وحتى تلك الأشياء التي كانت تسعدني، لم تعد كذلك، كأن الفرح كان ضيفاً موقتاً، وحين رحل، أخذ معه القدرة على انتظاره.
ما الذي حدث؟ احياناً أسأل نفسي، ولا يجيبني سوى الصمت، صمتٌ كثيفٌ كضبابٍ يبتلع الطرق، وما الذي تغير؟ هل تغيّر العالم، أم أنني أنا الذي انطفأ؟ لا أعرف…حتى أنا، لم أعد أعرفني.
أشعر أحياناً أنني أقف خارج نفسي، أراقبها كغريبٍ يراقب شخصاً يشبهه… لكنه ليس هو. كأن روحي نزعت معطفي القديم، وتركتني أرتجف داخل جسدٍ لا أشعر أنه بيتي.
لم أعد أحزن كما كنت، وهذا أكثر ما يؤلمني… لأن الحزن نفسه كان دليلاً على أنني ما زلت حياً. أما الآن، فلا شيء مجرد فراغٍ واسع، كسماءٍ بلا نجوم.
أضحك أحياناً، لكن ضحكتي تبدو كصدى صوتٍ في كهفٍ مهجور، لا روح فيها، ولا حياة. وأبتسم أحياناً، لكن ابتسامتي تشبه نافذةً مرسومة على جدار، لا تُفتح، ولا يدخل منها الضوء. صرتُ أمرُّ بالأيام كأنني ظلٌّ لرجلٍ كان هنا يوماً، رجلٍ كان يشعر، ويهتم، وينتظر. أشتاق إلى نفسي القديمة، كأنها شخصٌ رحل دون أن يترك عنوانًا. أشتاق إلى ذلك القلب الذي كان يخفق بسرعة، الذي كان يرتبك، الذي كان يفرح لأشياء صغيرة.
الآن، كل شيءٍ ساكن… حتى داخلي، كأن الحياة تمضي… وأنا بقيتُ خلفها، عالقاً في لحظةٍ لم تنتهِ. أحاول أن أتذكر متى بدأتُ بالاختفاء… لكن الذكريات نفسها أصبحت ضبابية، كأنها لا تريد أن تُرى.
ربما تعبتُ…أو ربما انكسرتُ في مكانٍ لم أنتبه إليه. هناك شيءٌ في داخلي مات بصمت، دون جنازة، دون بكاء، دون أن يلاحظ أحد. وأنا… ما زلتُ أعيش، لكنني لستُ متأكداً إن كنتُ ما زلتُ حياً، أم أنني مجرد بقايا رجلٍ… نسي كيف يكون.
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
كنتُ أمامك، أراقبك بصمت، بينما أصابعك تحيط بفنجان القهوة كأنك تخشى أن تهرب آخر ذرة دفءٍ منه. لم تقل شيئاً في البداية، لكن الصمت الذي كان يسكنك كان أعلى من أي اعتراف، وعندما نظرتَ إليّ أخيراً، كان في عينيك حكاية رجلٍ ضلَّ طريقه داخل نفسه، رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يسير… أم يتلاشى.
قلتَ بصوتٍ بدا كأنه قادم من مكانٍ بعيدٍ جداً:
“أصبحتُ لا أتحدث كثيراً …”
ومنذ تلك اللحظة، لم أعد أسمع الكلمات، بل كنت أسمع سقوطك البطيء…
و استكملت قائلاً: أصبحتُ لا أتحدث كثيراً ، كأن الكلمات صارت أثقل من قدرتي على حملها، كأنها حجارة مربوطة إلى لساني، وكلما حاولتُ أن أنطق، شعرتُ أنني أغرق أكثر. أصابني شيءٌ من عدم الاهتمام، لا كقرارٍ اتخذته، بل كمرضٍ تسلل إليّ دون أن يطرق الباب، واستقر في صدري مثل شتاءٍ دائم.
لم يعد يثيرني شيء، حتى تلك الأيام من عمري، التي كنت أظن أنها مميزه، لم تعد كذلك، واصبحت تمر من عمر أيامي مرور الكرام. المفاجآت أصبحت عادية، كأن الدهشة هجرتني دون وداع، وتركتني أجلس وحدي في غرفةٍ فارغة، أُقلب ذكرياتها كصورٍ باهتة.
أصبح كل شيءٍ كأي شيء، الوجوه، الأيام، الأصوات… كلها تمرُّ بي كقطارٍ لا أتذكر أنني صعدتُ إليه. لم يعد يدهشني شيء، كأن قلبي أصبح أرضاً احترقت، مهما هطل عليها المطر، لا تُنبت شيئاً، وحتى تلك الأشياء التي كانت تسعدني، لم تعد كذلك، كأن الفرح كان ضيفاً موقتاً، وحين رحل، أخذ معه القدرة على انتظاره.
ما الذي حدث؟ احياناً أسأل نفسي، ولا يجيبني سوى الصمت، صمتٌ كثيفٌ كضبابٍ يبتلع الطرق، وما الذي تغير؟ هل تغيّر العالم، أم أنني أنا الذي انطفأ؟ لا أعرف…حتى أنا، لم أعد أعرفني.
أشعر أحياناً أنني أقف خارج نفسي، أراقبها كغريبٍ يراقب شخصاً يشبهه… لكنه ليس هو. كأن روحي نزعت معطفي القديم، وتركتني أرتجف داخل جسدٍ لا أشعر أنه بيتي.
لم أعد أحزن كما كنت، وهذا أكثر ما يؤلمني… لأن الحزن نفسه كان دليلاً على أنني ما زلت حياً. أما الآن، فلا شيء مجرد فراغٍ واسع، كسماءٍ بلا نجوم.
أضحك أحياناً، لكن ضحكتي تبدو كصدى صوتٍ في كهفٍ مهجور، لا روح فيها، ولا حياة. وأبتسم أحياناً، لكن ابتسامتي تشبه نافذةً مرسومة على جدار، لا تُفتح، ولا يدخل منها الضوء. صرتُ أمرُّ بالأيام كأنني ظلٌّ لرجلٍ كان هنا يوماً، رجلٍ كان يشعر، ويهتم، وينتظر. أشتاق إلى نفسي القديمة، كأنها شخصٌ رحل دون أن يترك عنوانًا. أشتاق إلى ذلك القلب الذي كان يخفق بسرعة، الذي كان يرتبك، الذي كان يفرح لأشياء صغيرة.
الآن، كل شيءٍ ساكن… حتى داخلي، كأن الحياة تمضي… وأنا بقيتُ خلفها، عالقاً في لحظةٍ لم تنتهِ. أحاول أن أتذكر متى بدأتُ بالاختفاء… لكن الذكريات نفسها أصبحت ضبابية، كأنها لا تريد أن تُرى.
ربما تعبتُ…أو ربما انكسرتُ في مكانٍ لم أنتبه إليه. هناك شيءٌ في داخلي مات بصمت، دون جنازة، دون بكاء، دون أن يلاحظ أحد. وأنا… ما زلتُ أعيش، لكنني لستُ متأكداً إن كنتُ ما زلتُ حياً، أم أنني مجرد بقايا رجلٍ… نسي كيف يكون.
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي