أسيد الحوتري - التوتر البنيوي في آليات منهج محمد شحرور لتفسير القرآن الكريم: أولا- آلية العودة إلى اللسان العربي مقاربة في النقد الأدبي اللساني

يمثل مشروع محمد شحرور محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين القارئ والنص القرآني عبر نقل فعل التفسير من مستوى شرح معاني القرآن إلى مستوى تأسيس منهج جديد للتفسير. ومن زاوية النقد الأدبي اللساني لا يُقرأ هذا المشروع من خلال نتائجه التشريعية فحسب، ما هو الحلال وما هو الحرام، بل من خلال زوايا عدة منها طبيعة المرجعيات التي يستند إليها شحرور في تطبيق منهجه التفسيري. لذلك أرى أن الإشكال الكبير في مشروع شحرور لتفسير القرآن يتجاوز الجرأة التأويلية إلى التوتر الكامن بين منهج التفسير الذي وضعه شحرور وبين الأدوات التي يستخدمها في تطبيق منهجه.

يقوم المشروع التفسيري عند شحرور على مبدأ معلن يتمثل في العودة إلى "اللسان العربي" بوصفه المرجع الحاكم في تحديد الدلالة، وذلك عبر التحليل اللغوي الدقيق والاحتكام إلى المعاجم بوصفها الحافظة للاستعمال العربي. وهذا بحسب ما صرح به شحرور في أكثر من موضع مؤكدا أن المعاجم اللغوية هي المرجع الأساس في مقاربته للنص القرآني؛ ففي كتابه "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1990) يؤكد أن فهم المصطلح القرآني لا يتم إلا بالعودة إلى جذره في المعاجم العربية، ويذكر أنه اعتمد على لسان العرب ومقاييس اللغة وغيرها لتحديد الدلالة الأصلية للألفاظ قبل توظيفها في القراءة المعاصرة، كما يكرر الفكرة نفسها في "الدولة والمجتمع" (الأهالي، دمشق، 1994) حين يوضح أن المنهج يبدأ من "المدلول المعجمي" للكلمة ثم يُنظر في استعمالها القرآني، وفي "الإسلام والإيمان: منظومة القيم" (الأهالي، دمشق، 1996) يصرّح بأن ضبط المصطلحات مثل: الإسلام والإيمان والكفر، لا يكون عبر ما قاله المفسرون السلف بل عبر تتبعها في المعاجم واستقراء مواقعها في النص، وهو ما يجعله يقرر صراحة أن المعجم هو نقطة الانطلاق المنهجية لفهم الدلالة القرآنية.

ينطلق شحرور من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة ليست في النص القرآني بل في تاريخ قراءته، التفسير التراثي، وأن تحرير الدلالة، الوصول إلى فهم صحيح للمعنى، يمر عبر العودة إلى "اللسان العربي" بوصفه مرجعية نهائية. غير أن هذا اللسان، من منظور لساني تاريخي، ليس معطى طبيعيا خاما، كالنفط الخام المتدفق فوق سطح الأرض، بل هو ناتج عن فعل بشري منظم: فهو بنية معرفية نُقلت عبر وسائط معجمية ونحوية، معاجم وكتب، تشكلت داخل التراث نفسه، وفي مقدمتها معاجم مثل "لسان العرب" لابن منظور من القرن (13) ميلادي، و"مقاييس اللغة" لأحمد بن فارس بن زكريا من القرن (10) ميلادي. وهنا تظهر الأزمة البنيوية في مشروع شحرور لتفسير القرآن: فالقطيعة المعلنة من قبل شحرور مع المرجعية التراثية (تفاسير السلف) تقابلها عودة اضطرارية إلى الأدوات التراثية لضبط الدلالة، فهم المعنى، وتقديم تفسير جديد! إن اعتماد شحرور على المعجم التراثي يمنح هذه المنظومة التراثية سلطة معرفية جلية؛ لأن المعجم ليس خزان طبيعي سقطت فيه الألفاظ من السماء كما يسقط المطر، بل هو فعل بشري منظم قام به السلف، فاختاروا نصوصا دون غيرها، ورجحوا فيه شواهد، وفسروا فيه المعاني، ورتبوا فيه المادة اللغوية وفق نظرية معينة، وهكذا دواليك.

من منظور النقد اللساني، لا تكمن المشكلة في استخدام المعجم التراثي، فهذا شرط منهجي لفهم نص ينتمي إلى القرن السابع الميلادي، وإنما في الجمع بين رفض المرجعية التراثية وقبول نتائجها المعرفية: كتب اللغة، النحو، البلاغة، غريب ألفاظ القرآن، والمعاجم. فشحرور يرفض أن يكون التراث مرجعا له في تفسير القرآن، ثم يستخدم أدوات التراث سابقة الذكر في تقديم تفسير معاصر للقرآن! لا يمكن تجريد الأداة اللغوية، الكتب والمعاجم التراثية، من سياقها المعرفي الذي أنتجها دون الوقوع في انتقائية منهجية؛ فالمعجم ذاته يحمل داخله شبكة من الشواهد الشعرية والقرآنية والحديثية التي تمثل الوعي اللغوي للجماعة: للسلف، للمفسرين التراثيين.

لهذا فالتوتر في مشروع شحرور ليس مجرد تناقض سطحي، بل هو انتقائية منهجية يرفض شحرور من خلالها ما أنتجه التراث من قراءات تفسيرية وفقهية للنص، ويقبل ما أنتجه التراث من معاجم، وتؤكد الدراسات اللسانية الحديثة أن المعجم ليس محايدا مطلقا، بل يحمل طبقة تفسيرية ضمنية نتيجة اختيارات واضعيه للمعاني والشواهد. ومن جانب آخر يظهر هذا التوتر البنيوي في منهج شحرور بين مستويين مختلفين: مستوى (إيديولوجي)، فكري، يعلن التحرر من سلطة التراث، ومستوى (إبستمولوجي)، معرفي، يبقى فيه أسيرا للأدوات التراثية في ضبط الدلالة وفهم المعنى. والنتيجة أن التراث يعود في صورة أعمق: لا بوصفه أقوالا يجب قبولها، بل بوصفه الإطار الذي يحدد ما يمكن أن يقال أصلا. وهنا يتحول الصراع من كونه صراعا مع التراث إلى كونه صراعا داخل التراث نفسه، باستخدام أدواته لإعادة ترتيب نتائجه، لا للخروج من مجاله المعرفي.

يتبع لاحقا...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى