رمضان والسياسة – 2-النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود الكتاب الأول: السياسات العامة لرمضان

1771755737903.png

فرانسوا غورغون


الفصل الأول: الاستخدامات السياسية لرمضان، من الإمبراطورية العثمانية إلى جمهورية تركيا

الماهيا Mahya : هو المصطلح المستخدم في اللغة التركية العثمانية للإشارة إلى النقوش المضيئة التي كانت تُعلق طوال شهر رمضان بين مآذن المساجد الكبرى في مدن الإمبراطورية العثمانية( يشار هنا إلى أن كلمة Mahya ، في الأصل : إيرانية" كُردية وفارسية على الأقل، وليست تركية، حيث الشهر بالتركية" Ay " وبالفارسية " Mah " والكردية مخففة " Meh “. المترجم ". هذه النقوش، التي كان السكان يحرصون على تأملها بعد الإفطار، كانت من صنع حرفيين متخصصين، هم الماهياجي mahyaci ؛ حيث كانوا يعلقون حبالاً بين المآذن minarets ، ويضعون عليها الشموع، فتظهر هذه الحبال، بعد شدها، عبارات أو صيغاً دينية، مثل "الحمد لله Louanges soient à Dieu " أو "أهلاً رمضان Sois le bienvenu ramadan "، تتألق في سماء الليل. في كتابه "القسطنطينية"، وصف تيوفيل غوتييه بعبارات لا تُنسى عروض الإضاءة (الماهيا) التي شاهدها حوالي عام ١٨٥٠ بين مآذن مساجد ستانبول الكبرى:
كتب: "من مئذنة إلى أخرى، انهمرت آيات من القرآن الكريم بحروف من نار، منقوشة على السماء الزرقاء كما لو كانت على صفحات كتاب إلهي: آيا صوفيا، وسلطان أشمت، والجامع الجديد، وجامع السليمانية، وجميع معابد الله التي ترتفع من سراي بورنو إلى تلال أيوب، أشرقت بنورها وأعلنت بحماسة بالغة صيغة الإسلام". هذا التقليد العريق للماهيا، الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر، أو حتى القرن السادس عشر، والذي لا يزال قائماً في المدن التركية حتى اليوم، شهد تطوراً مزدوجاً بدءاً من أوائل القرن التاسع عشر. أولًا، خلال عهد السلطان محمود الثاني (1808-1839)، بدأت نقوش الماهيا تُعلّق على صواري سفن الأسطول العثماني الراسية في القرن الذهبي ومضيق البوسفور، أو على واجهات مباني الإدارة العامة؛ فبعد أن كانت هذه النقوش مقتصرة على المباني الدينية، أصبحت تُزيّن المباني المدنية، رمزًا لسلطة الدولة. لاحقًا، خلال عهد تركيا الفتاة (1908-1918)، إلى جانب نقوش الماهيا التقليدية التي تحمل رسائل دينية، ظهرت نقوش دنيوية؛ على سبيل المثال، خلال حروب البلقان (1912-1913)، نقوش مثل "لا تنسوا الهلال الأحمر N’oublie pas le Croissant Rouge" أو "ساعدوا اللاجئين Aidez les réfugiés ". خلال عهد الجمهورية التركية، بعد عام ١٩٢٤، أصبحت الأناشيد الإسلامية التقليدية ذات طابع سياسي أكثر وضوحًا: شعارات مثل "يحيا الاستقلال Vive l’indépendance "، و"السيادة للأمة La souveraineté appartient à la nation "، و"يحيا غازينا [مصطفى كمال] Vive notre Gazi [Mustafa Kemal] "، أو، بشكل أكثر واقعية، كجزء من حملة لدعم السياسة الاقتصادية الوطنية، شعار "اشتروا المنتجات التركية Achetez des produits turcs "، كانت تُرى تطل من سماء ستانبول ليلًا.
تشير هذه التطورات إلى ما يمكن تسميته، بشكل عام، "استغلال instrumentalisation " الإسلام، وبشكل أكثر تحديدًا، "الاستخدامات السياسية" لشهر رمضان. يُعتبر رمضان الشهر الأقدس، كونه الشهر الذي نزل فيه الوحي، وكان في الأصل شعيرة دينية تتمحور حول مسألة الصيام question du jeûne . وقد تحوّل على مرّ القرون إلى حدث بالغ الأهمية، "أهمّ مظهر جماعي للإيمان في بلاد الإسلام"، كما وصفه أحد أبرز محلليه. وباعتباره "ظاهرة اجتماعية شاملة" حقيقية، لم يكن من الممكن أن يمرّ رمضان مرور الكرام على المسئولين عن الدولة والمدينة.
ارتبطت سياسات رمضان، كما تشكّلت في الدولة العثمانية، في المقام الأول بالإصلاحات المؤسسية والاجتماعية التي جرت منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، والمعروفة مجتمعة باسم "التنظيمات". ما كان موقف القادة العثمانيين من هذه الشعيرة الجماعية الكبرى ذات الجوهر الديني، رمضان، خلال فترة التحديث هذه؟ وبالتوسع في هذا السؤال، كيف نظرت النخب الجمهورية إلى هذه الظاهرة نفسها؟ ماذا حلّ بأقدس شهور الإسلام عندما شرعت الدولة في سياسة العلمنة؟
رمضان ليس مجرد مسألة سلطة سياسية؛ كما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإدارة المدينة، وبالسياسة بمعناها اللغوي. فالحياة الجماعية التي تنبض بالحياة خلال شهر رمضان -وهو أمرٌ دأب عليه منذ فجر الإسلام- من خلال التنزه والألعاب والعروض والزيارات والأنشطة الترفيهية عمومًا، تتجلى في الشوارع والساحات وساحات المساجد، أي باختصار، في الأماكن العامة بالمدينة. وقد تعزز هذا البُعد من شهر الصيام، الذي كان جليًا في العصر العثماني الكلاسيكي، بشكل ملحوظ في ستانبول خلال القرن التاسع عشر، وهي مدينة شهدت نموًا سكانيًا سريعًا (بين عامي 1800 و1900، ارتفع عدد سكانها من حوالي 700 ألف نسمة إلى مليون نسمة) وتطورًا عمرانيًا متسارعًا développement urbanistique .
ساهم تحديث البنية التحتية للمدينة، مع تطوير وسائل الاتصال (الجسور فوق القرن الذهبي، والسفن البخارية في مضيق البوسفور، والترام الذي تجره الخيول ثم الترام الكهربائي)، وإدخال إنارة الشوارع، وإنشاء مساحات عامة جديدة، وانتشار المقاهي، في جعل شهر رمضان تجربة جماعية حقيقية أكثر من أي وقت مضى. ما كان رد فعل السلطات المسئولة عن إدارة المدينة - السياسية والإدارية والقضائية والبلدية - على هذا التكثيف لأنشطة رمضان في الحيز الحضري؟

الطقوس السياسية في رمضان Les rituels politiques du ramadan
لنلاحظ أولًا هذه المفارقة: فبينما تباطأت الحياة السياسية للدولة خلال شهر رمضان لانشغال القادة بواجباتهم الدينية وإغلاق المكاتب خلال النهار، بلغ الرمز السياسي ذروته خلال الشهر الكريم. للتأكد من ذلك، يكفي الرجوع إلى كتب البروتوكول والآداب المنشورة خلال القرن التاسع عشر، حيث يتبين المكانة الاستثنائية التي يحتلها شهر رمضان، والعيد الذي يختتم به، في المراسم السياسية للدولة.
ففي الخامس عشر من رمضان، كان السلطان يقوم بزيارة مهيبة إلى آثار النبي المحفوظة في قصر توبكابي، ولا سيما عباءته. ثم تأتي مراسم المؤيدّة، التي تُقام في أول أيام العيد (العيد الذي يلي رمضان)، وهي طقسٌ يُجدد فيه كبار المسئولين والشخصيات البارزة في الدولة ولاءهم للسلطان. وأخيرًا، الطقس السياسي الثالث هو "دروس الحضور"، التي تُقام حصريًا خلال شهر رمضان. خلال هذه الدروس، التي أصبحت منتظمة منذ عهد مصطفى الثالث عام ١٧٥٨، كان بعض كبار علماء الدولة يتلون آيات من القرآن الكريم ويشرحونها بحضور السلطان. في كل عام، كان يُستعان بنحو مئة عالم، وكانوا يتلقون في المقابل هدايا ومكافآت من الإمبراطور. كما دُعيت شخصيات بارزة أخرى إلى هذه الدروس، التي اكتسبت بذلك طابعًا شبه عام.
كانت هذه الطقوس والاحتفالات في شهر رمضان بمثابة تعبير عن التناغم بين السياسة والدين (الدين والدولة) في قمة النظام السياسي. كما أكدت على الطابع الإسلامي للدولة العثمانية، وشكّلت عناصر أساسية في "سياسة التقوى politique de la piété" التي تناولتها مادلين زيلفي في سياق القرنين السابع عشر والثامن عشر. ولكن إلى جانب هذه المظاهر الاحتفالية، كان رمضان أيضًا فرصة لزيارات بروتوكولية مُنظمة بدقة بين مختلف مستويات التسلسل الهرمي للدولة. كان يُلزم الصدر الأعظم، على وجه الخصوص، بتقديم وجبات الإفطار (كسر الصيام) لكبار الشخصيات في الدولة، وفقًا لجدول زمني صارم وقواعد هرمية، وتقديم الهدايا لهم في هذه المناسبة، بحسب أهميتهم ومكانتهم.
ماذا تغيّر مع الإصلاحات التي أُجريت في القرن التاسع عشر؟ أولًا وقبل كل شيء، مراسم زيارة عباءة النبي. فما دام الحكام يقيمون في قصر توبكابي نفسه، بالقرب من الآثار المقدسة، ظلت مراسم زيارة "عباءة النبي manteau du Prophète " حكرًا على القصر. لكن عندما غادروا قصر توبكابي إلى قصور جديدة على ضفاف البوسفور (جيراغان، دولما بهجة، ثم يلدز) - وهي ظاهرة بدأت في أوائل القرن التاسع عشر خلال عهد محمود الثاني (1808-1839) - أصبحت الطقوس أكثر تعقيدًا: إذ كان على السلطان وحاشيته عبور المدينة للوصول إلى القصر القديم، وأدت هذه الرحلة إلى ظهور ما عُرف باسم "موكب عباءة النبي cortège du manteau du Prophète ". وكانت هذه فرصة أخرى (إلى جانب صلاة الجمعة ومراسم السلاملك selamlik) للسلطان وحاشيته للظهور في استعراض عام مهيب.
ثمة تغيير ثانٍ، حدث في نفس الفترة تقريبًا، تمثل في تخلي محمود الثاني عن عزلته في القصر، على غرار أسلافه. فقد بدأ يخرج إلى شوارع العاصمة. كان يخرج لأداء مهام جديدة تتعلق بتحديث الدولة، مثل افتتاح المباني العامة أو حضور الامتحانات؛ ولكنه أيضًا اعتاد، بشكل شبه يومي خلال شهر رمضان، زيارة المساجد، أو مجرد التنزه، وزيارة الأسواق والبازارات، والتجول في الأماكن العامة، مثل ميدان بايزيد أو طوبخانة. وواصل خلفاؤه، عبد المجيد (1839-1861) وعبد العزيز (1861-1876)، على النهج نفسه. كتبت إحدى الصحف عن زيارات السلطان عبد المجيد للمدينة خلال شهر رمضان: "يواصل سموه الظهور بشكل شبه يومي في القسطنطينية" ورغم أن هذه الزيارات، التي كانت تُجرى غالبًا برفقة حرس صغير، لم تُسفر عن "تجمعات حاشدة bains de foule "، إلا أنها أتاحت فرصًا للقاءات بين السلطان ورعيته. وخلال عهد السلطان محمود الثاني، بدأت تُصدر "تنبيهات vis à la population : tenbihât " (إرشادات عامة) بشأن القواعد الواجب اتباعها خلال شهر رمضان؛ وقد خُصصت أولى هذه "التنبيهات" بشكل أساسي للمشكلة التي تُثيرها جولات السلطان في المدينة: إذ ذكّرت سكان ستانبول بإلحاح بضرورة تنظيف واجهة منازلهم وأبوابها وأمامها؛ وأنه لا يجوز لهم التحدث أو المزاح في حضرة السلطان؛ وأنه لا يجوز لهم محاولة التسلل أو المرور من خلفه أو التوقف والنظر إليه بوقاحة. بل كان عليهم أن يتحلوا بالتواضع وأن يقفوا متراجعين إلى الخلف وأيديهم متشابكة. من الواضح أن وجود السلطان بين رعيته كان أمرًا جديدًا، وكذلك الصدام غير المسبوق بين آداب القصر والحياة المدنية.
باختصار، استغل "السلاطين الإصلاحيون sultans réformateurs" سياق شهر رمضان - الديني (قدسية شهر الصيام) والاجتماعي (تجمعات الناس) - لتعزيز حضورهم بين سكان العاصمة. سعوا إلى استثمار الحماس الديني وحيوية الحياة الاجتماعية لإضفاء بُعد جديد، أكثر شعبية وجاذبية، على سلطتهم، ولخلق نوع جديد من العلاقة بينهم وبين رعاياهم، واكتساب شرعية جديدة. وثمة مفارقة أخرى: استغل محمود الثاني وخلفاؤه طقسًا إسلاميًا أساسيًا لتكوين صورة تُشبه صورة رؤساء دول أوروبا المسيحية: صورة "الحكّام وسَط شعبهم souverains au milieu de leur peuple ".
إلا أنه ابتداءً من أزمة عام ١٨٧٦، تغيرت طبيعة "سياسة رمضان". وسرعان ما أظهر مراد الخامس، خليفة عبد العزيز الذي اعتلى العرش في أيار، عجزه عن ممارسة السلطة. وفي آب، بدأ الصدر الأعظم والوزراء يشعرون بالقلق من عدم قدرة السلطان على الظهور علنًا خلال شهر رمضان، الذي بدأ في ٢٠ أيلول، وعيد الفطر، ولعل هذا كان أحد الأسباب التي دفعتهم إلى اتخاذ إجراء وعزله في نهاية الشهر لصالح أخيه عبد الحميد (١٨٧٦-١٩٠٩). لكن الأخير سرعان ما تبنى موقفًا مختلفًا تمامًا. فقد انزوى في قصره، وتوقف عن جميع الظهورات العامة، بما في ذلك خلال شهر رمضان؛ وخوفًا من المؤامرات ومحاولات الاغتيال، فضل السفر بحرًا إلى قصر توبكابي لزيارة عباءة النبي، بدلًا من الموكب الشعبي الذي كان يجوب شوارع المدينة قبل الوصول إلى القصر الإمبراطوري القديم. وبالتالي، لم يكن هناك مجال لظهور السلطان علنًا. وبقي مختبئاً في قصره في يلدز. من ناحية أخرى، بالنسبة لعبد الحميد، شكل شهر رمضان، إلى جانب الأعياد الدينية، لحظة مثالية لإعادة تأكيد الطابع الإسلامي للدولة وتعزيز سياسة لصالح إقامة الخلافة و"الوحدة الإسلامية panislamisme ".
في هذا الوقت، اختار السلطان عبد الحميد منح الإجازات للموظفين، وترقيتهم، وتوزيع الأوسمة، والعفو عن السجناء، وتذكيرهم بأحكام القرآن (الصيام) ومحرماته (شرب الخمر، وارتياد الحانات)، وحثّ النساء على ارتداء ملابس محتشمة واحترام القوانين السارية في المدينة.
وبينما كان يسعى إلى تعزيز الأجواء الدينية والأخلاقية اللائقة بمقر الخلافة، استغلّ السلطان أيضًا شهر رمضان ليؤكد مكانته السياسية العليا. فبينما لم يكن السلطان في نهاية القرن الثامن عشر يشارك في موائد الإفطار الرسمية لشهر رمضان، التي كان يرأسها الصدر الأعظم، استضاف عبد الحميد الوزراء وضباط الجيش والشخصيات الدينية وممثلي الطوائف على مائدته. ورغم أنه كان أقل ظهورًا بين رعيته، إلا أن حضوره كان أقوى على رأس الدولة. وبالمثل، فبينما كان الصدر الأعظم في نهاية القرن الثامن عشر هو المنظم الرئيس لسخاء الدولة، موزعًا المحافظ والمعاطف الفروية على المقربين منه، لم يعد هذا هو الحال بعد قرن من الزمان. يبدو أن السلطان قد استعاد لنفسه سلطة "إعادة التوزيع redistribuer "، واضعًا نفسه في صميم اقتصاد "الهبَات/ المكرمات don " الذي عززه شهر رمضان.
فقد أتاح شهر رمضان للسلطة الحاكمة فرصة تعزيز شرعيتها السياسية، من خلال عدد من الاحتفالات والطقوس، فضلًا عن شرعيتها الاقتصادية. من المهم أن نتذكر أن النظام العثماني قام على إعادة التوزيع: وبتبسيط الأمر، يمكن القول إن الحكومة المركزية جمعت الثروة وأعادت توزيعها. وكان شهر رمضان من أهم لحظات إعادة التوزيع هذه.
وبشكل عام، يُعد شهر الصيام شهرًا للصدقة والكرم. إنها الفترة التي يكون فيها واجب إخراج الزكاة واجبًا أساسيًا على المؤمنين. وما يُعاد توزيعه خلال هذا الشهر، في المقام الأول، وبشكل رمزي للغاية، هو الطعام، الذي يُقدّم ويُشارك خلال وجبة الإفطار، والتي تُصاحبها طقوس أخرى لإعادة توزيع الموارد المالية (الهدايا، والمكافآت، والترقيات، وما إلى ذلك). ولذلك، فهي فرصة سانحة لأصحاب السلطة لتأكيد نفوذهم على أقاربهم، ومن يعولونهم، وعملائهم، ورعاياهم.
طوال الشهر، ووفقًا لطقوس دقيقة للغاية (تتحدد وفقًا للتسلسل الهرمي للدولة، وأيام معينة، وطبيعة الهدايا)، كان السلطان يُقدّم الهدايا والمكافآت لكبار مسئولي الدولة (الوزير الأعظم، ورئيس خصيان الحريم، والمفتي العام، والوزراء، ورؤساء الجماعات الدينية، ورؤساء الطرق الدينية، وما إلى ذلك). كما كان السلطان يُقيم الولائم المصحوبة بهدايا متنوعة لحرس القصر والجيش. كان النظام شديد التنظيم والطقوس، لكن في الوقت نفسه، كان بإمكان السلطان أن يختار بين أن يكون أكثر أو أقل سخاءً؛ ولذلك كان يتمتع بقدر من السلطة التقديرية، وكان بإمكانه أن يُفضّل فئات أو أفرادًا معينين يخدمون مصالحه. وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر، كان عبد الحميد كريمًا بشكل خاص مع علماء وشيوخ بعض الطرق الدينية، كجزء من سياسته "الخلافية califale " التي تهدف إلى تعزيز الأسس الإسلامية للسلطة العثمانية.
لكن إعادة توزيع الثروة التي بدأت في عهد السلطان امتدت لتشمل أدنى طبقات المجتمع. ففي شهر رمضان، كان الفقراء والمتسولون من مختلف الأقاليم يتوافدون على ستانبول كل عام، ساعين إلى التصدق. وخلال زيارات السلطان للمدينة، كان بإمكان المرء أن يتقدم بطلب إلى السلطان ويحصل على مكافأة رمزية في المقابل؛ وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبح هذا الأمر ممارسة راسخة، وعُرفت هذه الظاهرة ببـ طقوس " طلب الصدقة requête de l’aumône ". وبطبيعة الحال، انتشرت التجاوزات، ووجد السلاطين صعوبة بالغة في ضبط هذه الممارسة ضمن حدود معينة دون خيبة أمل الشعب.
ومن الجوانب الأخرى، المرتبطة بالجانب السابق، أن السلطان كان عليه أن يضمن تمتع رعاياه بكامل شعائر رمضان. فشرعيته كانت تعتمد على ذلك. ففي مفهوم السلطة، كان من مسئولية السلطان ضمان "رفاهية الافراد: الرعايا " وازدهارهم .عند تطبيق هذه الصيغة، المجردة والعامة في جوهرها، على شهر رمضان، كان المقصود منها أن يتمكن الناس من التمتع بالاستهلاك التقليدي لشهر الصيام (طعام الإفطار، والهبات، والملابس الجديدة، والترفيه، وما إلى ذلك) احتفالاً لائقاً بالإفطار والعيد.
هذا "التوقع/ الانتظار" العام كان يعني، في المقام الأول، أن تمارس الدولة رقابة أشد من المعتاد على أسعار المواد الغذائية خلال شهر رمضان، وهي فترة تتسم دائماً بارتفاع معدلات التضخم نظراً لارتفاع الطلب. وباستغلال سلطتها في تحديد أسعار السلع (النهَر)، عدّلت الدولة العثمانية الأسعار في عدد من الظروف الاستثنائية، كالجفاف والأوبئة والحروب، وكذلك بشكل دوري كل عام في نهاية شهر سبعان تحسباً لنفقات رعاياها خلال رمضان والعيد. وفي القرن التاسع عشر، نُشرت أسعار التجزئة في الصحف، وأصبحت عمليات تفتيش الأسواق والمتاجر أكثر تواتراً طوال الشهر الذي يسبق العيد.
علاوة على ذلك، كان مبدأ "رفاهية الرعية bien-être des sujets " يعني ضمناً أن السلطان كان يضمن معيشة موظفيه، سواءً كانوا بيروقراطيين في الباب العالي أو مسئولين في الإدارات الإقليمية، الذين كانت مواردهم تعتمد بشكل أساسي، وأحياناً بشكل حصري، على خزائن الدولة. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع الأزمة المالية التي عصفت بالإمبراطورية - "الديون dettes " العثمانية - وتزايد عدد الموظفين المدنيين - عشرات الآلاف في العاصمة - أصبحت مسألة دفع الرواتب مشكلة حقيقية، وكثيراً ما كان الموظفون المدنيون يجدون أنفسهم بلا رواتب لأشهر عديدة. من حيث المبدأ، كانت وزارة المالية تضمن صرف راتب واحد على الأقل (وأحياناً مع المتأخرات avec parfois des arriérés ) قبل شهر رمضان (وأيضاً قبل عيد الأضحى). من هذا المنطلق، كان وضع بيروقراطيي ستانبول أفضل من وضع نظرائهم في الأقاليم. في نهاية القرن، اشتكى أحد موظفي فيلق التموين بالجيش الخامس في دمشق بمرارة من نفاد موارده عشية رمضان، واضطراره لاقتراض الضروريات من البقال المحلي: "لا أستطيع وصف الألم والمعاناة التي عانيتها؛ فمنذ بداية الشهر وحتى قبل يومين من عيد الفطر، لم أتمكن من شراء أي من مستلزمات رمضان المعتادة". ولتجنب مثل هذه المواقف بين مسئولي العاصمة، حرص عبد الحميد على صرف رواتبهم في نهاية رمضان. وقد أصبح هذا الأمر ممارسة راسخة، استغلها السلطان لصالحه: إذ كان يُعلن عن صرف الرواتب في الصحف وكأنه احتفال، وإحسان، وعمل سخاء يُقدم لرعيته. وأصبح الراتب الذي تدين به الدولة بمثابة هبة، نتاج كرم السلطان... لقد كان، بطريقة ما، "عودة retour " إلى النظام العثماني، الذي كان من المفترض أن يضمن... السلطان، على الرغم من الصعوبات المالية الحالية، ينال بامتنان خدمه وولاءهم.

" ملاحظة من المترجم: ثمة حضور لافت من المفردات والعبارات بالفرنسية مقابل نظيرتها بالعربية في الملف عموماً ، وفي هذا الفصل " الأول بالذات". ومقصدي من كل ذلك، التعرف عليها، وهي بطابعها الإسلامي، حينذاك، وطريقة تداولها في اللغة التركية التي دشّنت بوصفها اللغة الوحيدة في البلاد بعد الإعلان عن" الجمهورية التركية. 1923 . إلى جانب أنني نحيتُ الهوامش جانباً، لكثرتها، مكتفياً بالمتون ".
Livre premier. Les politiques publiques du ramadan
François Georgeon
Chapitre premier. Les usages politiques du ramadan, de l’Empire ottoman à la république de Turquie


" يتبع "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى