رمضان والسياسة –النقل عن الفرنسية-5-: إبراهيم محمود الكتاب الأول: السياسات العامة لرمضان الفصل الثالث: تقوى مُختلقة: رمضان في وسائل الإعلام السورية

1772012431989.png
أندرياس كريستمان

" لأهمية هذا الفصل، كونه يخص سوريا، قدَّمته على الفصل الثاني، إلى جانب إيراد هوامشه، للسبب ذاته. إلى جانب أن كاتبه أندرياس كريستمان: أستاذ مساعد في الدراسات الإسلامية بقسم الأديان واللاهوت في جامعة مانشستر (المملكة المتحدة)، وهو مؤلف أطروحة دكتوراه نالها في جامعة لايبزيغ بعنوان: "شهر رمضان وعيد الفطر: دراسات حول الأهمية الاجتماعية للشعائر الإسلامية وجوانب التغيير الديني". "
المترجم


في سوريا، بعد حقبة من القمع الديني répression religieuse وهو الذي قادته الحكومة القومية تلك التي يسيطر عليها حزب البعث في ثمانينيات القرن الماضي " 2" ، شهد الماضي القريب نموًا ملحوظًا في الرموز الإسلامية والممارسات الدينية في المجال العام sphère publique" 3 ". واقعاً إذا قارنا رمضان الحالي برمضان دمشق قبل عشر أو خمس عشرة سنة، فلا بد أن نُقر بأن المظاهر العلنية للتدين أصبحت شائعة جدًا. يُغلق أصحاب المحلات متاجرهم خلال النهار، وتُغلق المطاعم الصغيرة أبوابها قبل الإفطار، ويجتمع الأصدقاء أمام التلفاز، بل وتذهب النساء بانتظام إلى المسجد لأداء صلاة التراويح. كما أن ممارسة رمضان بين الشباب أصبحت أكثر انتشارًا بكثير مما كانت عليه في الماضي.
ومن خلال اتباع استراتيجية جديدة لإضفاء الشرعية على سلطتها السياسية، بالاعتماد بشكل أكبر على الجماعات والمؤسسات الإسلامية السورية، والتخلي تدريجياً عن أجندتها العلمانية، بل وحتى الإلحادية، تشجع حكومة البعث بنشاط نشر الرموز الإسلامية في المجال العام. ومع ذلك، فإنها بذلك تخاطر ليس فقط بالتخلي عن رؤيتها العلمانية للعالم، بل أيضاً بزعزعة الوضع الراهن القائم بين مصالح القوى المتباينة للعديد من الجماعات العرقية والدينية الموجودة في سوريا. فعلى الرغم من دروس التضامن والوحدة التي تميز شهر رمضان، إلا أنه، كشعيرة عامة، يُعد قبل كل شيء وقتاً مثالياً لإظهار مواقف مختلفة تجاه الدين والسلطة والدولة. في الواقع، إنه وقت مناسب لإظهار عادات وتقاليد مختلفة، ومواجهة الآخرين من خلال ممارسات وطقوس اجتماعية متباينة، أو حتى الاحتجاج على تفوق البعض على الآخرين. هذه هي اللحظة الحاسمة التي يصبح فيها الحد الفاصل بين المنتمين إلى جماعات دينية وعرقية محددة وغير المنتمين إليها أكثر وضوحاً: من منظور ديني، بين السنة والشيعة والعلويين والمسيحيين؛ من منظور إيديولوجي، يبرز التباين بين السلفيين والصوفيين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين والمثقفين المسلمين الجدد؛ ومن منظور جغرافي، بين الدمشقيين وغير الدمشقيين، وهكذا. كما يُعدّ رمضان فترةً تتزايد فيها الفوارق بين الطبقات الاجتماعية: فالطبقات الدنيا، والطبقة المتوسطة الدنيا، والطبقة المتوسطة العليا، والبرجوازية الوطنية الجديدة، جميعها تختبر رمضان وتحتفل به بطرق شديدة التباين. باختصار، إذا ما تمّ الاحتفال به علنًا، فإن شهر رمضان يُصبح وقتًا من السنة تبرز فيه التنوعات والتوترات الدينية والعرقية والسياسية والاجتماعية لمدينة مثل دمشق.
سيتناول هذا الفصل الغموض والصعوبات التي واجهتها الحكومة السورية في السماح بعودة رموز وأفكار رمضان إلى المجال العام. والهدف هو توضيح كيف تحاول وسائل الإعلام العلمانية - وسنركز هنا بشكل خاص على التلفزيون الرسمي - إثراء برامجها بالعديد من خصائص شهر رمضان؛ ومن خلال التركيز على هذا الجانب، يتضح أنه سيتم تقديم منظور محدد للغاية حول هذه القضية. سنبدأ بالنظر في جدولة البرامج التلفزيونية وتوزيعها ومحتواها، مع تحليل البرامج التي بُثت خلال شهر رمضان في عامي 1995 و1996. ثم سندرس عن كثب ثلاثة أنواع مختلفة من البرامج: الدراما التاريخية، والكوميديا، والبرامج الدينية، مع الأخذ في الاعتبار كيف يعكس التلفزيون الأخلاق والقيم الدينية الأساسية، وكيف ينشر القضايا الدينية والجوانب الشعائرية لرمضان. كما سندرس كيفية تمثيل المواضيع المتعلقة برمضان في الرسوم الكاريكاتورية المنشورة في الصحف السورية. وعلى وجه الخصوص، سنجادل بأن اللغة المستخدمة في برامج رمضان التلفزيونية ومحتوى الرسوم الكاريكاتورية ذات دلالة مفاهيمية وليست محايدة. سنتناول كيف تتلاعب البرامج التلفزيونية والصحافة بالتعبيرات الدينية وتخترعها "الجديدة nouvelles " من خلال تغيير بعض الجوانب التقليدية لشهر رمضان والإسلام عمومًا. وسنناقش هذا في ضوء السياق السياسي والاجتماعي في سوريا.

التلفزيون ووسائل الإعلام في سوريا
تتركز ملكية وسائل الإعلام في سوريا، بشكل كبير في يد الحكومة، التي تمارس سيطرة قوية على المنشورات والأفلام والبث، فضلًا عن صياغة السياسات المتعلقة بتقنيات الاتصال الحديثة كالكابل والألياف الضوئية les fibres optiques والحواسيب ordinateurs . ورغم محدودية مشاركة القطاع الخاص، إلا أنها تتزايد في شكل دعم تجاري للبث وإنتاج الأفلام. وتؤمن الحكومة إيمانًا راسخًا بأن لوسائل الإعلام والرسائل التي تبثها دورًا هامًا في تنمية المجتمع السوري، وأنها وسيلة للسيطرة عليه بشكل أكثر فعالية. ومن خلال سلسلة من التراخيص والإجراءات والقيود والتوجيهات الثقافية، تتمتع وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والسلوك الوطني بالقدرة على تحديد محتوى البرامج والأفلام التي تُبث على التلفزيون. وتُعتبر هذه الوسائل الإعلامية أدوات بالغة الحساسية في تشكيل الرأي العام، نظرًا لانتشارها الواسع بين الشعب السوري. في عام ١٩٨٩، قُدِّر عدد أجهزة التلفزيون بـ ٧١٠,٠٠٠ جهاز؛ وبحلول عام ١٩٩٢، قُدِّر أن ما لا يقل عن ٨٠٪ من الأسر السورية تمتلك جهاز تلفزيون " 4". ولا تزال العديد من هذه الأجهزة تعمل بالأبيض والأسود، إذ لم يبدأ البث الملون إلا في أواخر سبعينيات القرن الماضي. ويحظى التلفزيون الرمضاني باستقبال واسع في جميع أنحاء البلاد، ويمتد تأثيره حتى إلى الدول المجاورة.

برامج التلفزيون خلال شهر رمضان: دراسة استقصائية
في مطلع شهر رمضان عام ١٩٩٦، أعلنت صحيفة البعث، الصحيفة السورية الرائدة، أن "التلفزيون سيكون بلا شك نجم شهر رمضان"، مُعلنةً عن انتشار وتنوع البرامج، فضلاً عن زيادة عدد المسلسلات التلفزيونية."5" في الواقع، تكشف نظرة أولية على هذه البرامج عن كمية وتنوع ملحوظين في العروض: مسلسلات، خيال علمي، مقابلات، أفلام وثائقية، كوميدية، أخبار، برامج تعليمية، دراما، وأفلام أخرى. يُلاحظ تغييران رئيسان مقارنةً بالبرامج خلال بقية العام. أولاً، خلال شهر رمضان، يُخصص وقت كبير للبرامج الإسلامية، وتحديداً شروح الأحاديث، وقراءات وتعاليم من القرآن الكريم، ومسلسلات تاريخية ذات طابع ديني، وندوات، وتأملات. ثانياً، تُعرض برامج ترفيهية أكثر على التلفزيون خلال شهر رمضان مقارنةً بأوقات أخرى: برامج المسابقات، والمسلسلات الكوميدية، وبرامج الموسيقى والرقص تلعب دوراً بارزاً. مرة أخرى، هذا المزيج بين التقوى والتسلية، والزهد والترفيه، والأنشطة الدينية والدنيوية، لافت للنظر.
وتنظيم البرامج يُعدُّ سمةً مميزةً أخرى للتلفزيون خلال شهر رمضان.حيث يبدأ البرنامج اليومي عند الظهر بالنشيد الوطني، والموسيقى الشعبية السورية، وتلاوة القرآن الكريم. وفي برنامج الأطفال الذي يليه، تُعلّم المبادئ الأساسية للدين الإسلامي لمجموعة من الأطفال يرتدون ملابس تبدو وكأنها أزياء إسلامية. وقبل ساعة تقريبًا من الإفطار، يُقدّم طهاة من مختلف الدول العربية، معظمهم من شمال أفريقيا، وصفات لأطباق مميزة recettes de plats exotiques ابتكروها مؤخرًا، أو وصفات لأطباق تقليدية من بلدانهم تُحضّر خلال شهر رمضان. ثم، في الوقت الذي ينتظر فيه العالم الإسلامي بأسره تقريبًا انتهاء الصيام، بينما يستريح الرجال أو يستيقظون من قيلولتهم، وتستعد النساء لتحضير الطعام، يبدأ الخطباء والرواة والمفسرون القرآنيون دروسهم الدينية وتلاواتهم، مما يُضفي جوًا من البهجة والخشوع. وينتهي البرنامج فجأةً مع إعلان صلاة المغرب. فجأةً، تتغير الصور والأصوات المذاعة على التلفاز تمامًا. تصاحب الحركة البطيئة واللقطات الطويلة وحركات الكاميرا البانورامية أصواتًا تأملية وهمساتٍ تتضرع إلى الله. وهكذا، وبشكلٍ غريب، تظهر أقوى الصور من منظورٍ تأملي وروحي على شاشة التلفاز بينما يتناول جميع سكان البلاد، سواء كانوا مسلمين صائمين أم لا (وحتى غير المسلمين)، وجبة الإفطار. ثم، مع انتهاء هذا البرنامج الديني، تُقدَّم إيقاعات وأنماط ومضامين جديدة. لقد حان الآن وقت الترفيه المسائي الذي سيستمر حتى وقتٍ متأخر بعد منتصف الليل.
من الواضح أن جدول البرامج التلفزيونية يتبع نمط شعائر رمضان وبنيتها بدقة متناهية، وهي: في فترة ما بعد الظهر، تُبثّ الدروس والمواعظ الدينية، بالإضافة إلى جهود النساء في إعداد عدد كبير من الأطباق الشهية، وتلاوة القرآن، وأداء الصلوات الفردية و/أو صلاة المغرب المفروضة قبل الإفطار، ثم الانتقال من هذه الشعيرة الروحية إلى احتفال أكثر استرخاءً وبساطةً وبهجة. إلا أن هذا ليس فقط هو ما يُراعى في البنية الرأسية للشعائر، بل أيضاً بنيتها الأفقية، أي مدة شهر رمضان الممتدة على ثلاثين يوماً. وتنعكس هذه البنية الأفقية في عدد حلقات المسلسلات التلفزيونية التي تُبثّ خلال الشهر. عادةً ما يتألف المسلسل من خمس عشرة حلقة (أو أقل) تُعرض على فترات منتظمة طوال العام. وخلال شهر رمضان، تُبثّ حلقة واحدة يومياً. هنا، ورثت التلفزيونات وتبنت تقليدًا دمشقيًا عريقًا في سرد القصص خلال شهر رمضان: كان يأتي يوميًا مُحرك خيال الظل (كاراكوزاتي)، أو راوي القصص (حكواتي)، إلى مقاهي ومطاعم دمشق ليروي إحدى حكايات المدينة الثلاثين، أو إحدى النقاشات الكثيرة التي سمعها في المنطقة المحيطة environs " 6 ".

التاريخ الوطني واستبعاد الدين
إذا كان التلفزيون "نجمَ star " رمضان، فإن المسلسلات هي "النجوم الكبرى megastars " فيه. فالتجول في شوارع دمشق في وقت عرض أحد المسلسلات الأربعة المسائية يعني سماع الحوار نفسه والموسيقى نفسها من المسلسل المعروض (المسلات) في كل بيت تمر به. وتُغطي جميع الصحف والمجلات الكبرى توقيت ومحتوى وبث هذه المسلسلات الرمضانية تغطية شاملة. وتنتشر ملصقات الإعلانات في جميع أنحاء المدينة. وتنشر مجلات الأفلام، وحتى الصحف السياسية، مراجعات لا حصر لها لهذه المسلسلات. وتصل توقعات المشاهدين إلى مستويات عالية لدرجة أنه خلال شهر رمضان، إما أن يصبح الممثل نجمًا لامعًا في العالم العربي أو يفشل فشلًا ذريعًا " 7 ". وإذا سألت أي سوري في صباح اليوم التالي، فلن تجد من لا يعرف حلقة اليوم السابق. وهكذا، أسهمت المسلسلات التي تُبث خلال شهر رمضان في نشوء مجتمع وطني لا يقتصر على السوريين المسلمين السنة والشيعة فحسب، بل يشمل أيضًا المسيحيين واليهود والإنسانيين والاشتراكيين والقوميين وغيرهم الكثير. كما تجمع هذه المسلسلات التلفزيونية بين مختلف الأجيال والفئات العمرية والطبقات الاجتماعية والأجناس، وتنجح في خلق نوع من المعرفة الجماعية التي ربما تكون فريدة ومميزة لدول العالم الثالث مثل سوريا ومصر " 8" .
في رمضان عام 1996، أنتجت شركات سورية ثلاثة من أصل أربعة مسلسلات مسائية، بينما تم شراء المسلسل الرابع ("باب حلوان") من مصر. هذا المسلسل المصري، الذي يتناول بلاط وعائلة الملك فاروق (الذي حكم حتى عام 1953)، عُرض في وقت متأخر من الليل، وبعد ثلاث حلقات فقط، تعرض لانتقادات لاذعة، ووُصف بأنه ممل للغاية وسطحي و"منفصل عن حياة الناس الواقعية" " 9". اثنان من المسلسلات السورية الثلاثة، "إخوة التراب" و"خان الحرير"، كانا مسلسلين تاريخيين؛ وكلاهما من إنتاج اثنين من أبرز مخرجي التلفزيون السوري: الأول هو نجات إسماعيل أنزور، الذي أنتج مسلسلات رمضانية شهيرة أخرى مثل "نهاية رجل شجاع"، و"المفترسون"، و"ثروة الكون"، و"خيالات تاريخية" (لرمضان 1997). وأنتج المسلسل الثاني هيثم حقي، الذي يعمل في شركة إنتاج أفلام خاصة. وقد تلقى كلا المنتجين تعليمهما في أوروبا، وكانا علمانيين، وعازمين على إنتاج مسلسلات عالية الجودة.
بخلاف معظم المسلسلات العربية الرمضانية الأخرى، كان هذان المسلسلان التاريخيان أقرب إلى الدراما السياسية منهما إلى القصص العائلية؛ إذ تناولا فترات حساسة ومحورية في تشكيل الأمة السورية، مثل الكفاح من أجل الاستقلال وإقامة الدولة القومية. يصور مسلسل "إخوة التراب" النضال الطويل للقوميين السوريين من أجل استقلالهم، أولًا ضد الإمبراطورية العثمانية، ثم ضد هيمنة الانتداب الفرنسي. تدور أحداث الحلقات الأولى في نهاية الحرب العالمية الأولى، وتُظهر آثار الهيمنة العثمانية العنيفة في سوريا، والدمار الكارثي للاقتصاد السوري، ووحشية القائد الأعلى العثماني، جمال باشا، تجاه الشعب السوري. تركز الحلقات بشكل أساسي على المقاومة السورية، وانتفاضات القوميين وثوراتهم ضد سياسات الحكام العثمانيين، الذين سعوا إلى توحيد الأتراك والسوريين كمسلمين لمحاربة العدو المشترك، "الكفار" الأوربيين. بطل المسلسل ضابط سوري وسيم، جريء، وذكي، تلقى تدريبه في ثكنة عسكرية قرب ستانبول، وانضم إلى حركة المقاومة ضد القوات العثمانية فور عودته إلى سوريا. بعد أن لجأ إلى كهف في أعماق الغابة، شنّ عمليات مستقلة ضد هذه القوات نفسها. قُتل في نهاية المطاف على يد جمال باشا، إلى جانب مدافعين مسلحين آخرين عن القضية العربية. استمرت المقاومة، ما أدى إلى إعلان استقلال سوريا عام ١٩٢٠، بالإضافة إلى ثورات ضد القوات الفرنسية - أبرزها الانتفاضة الكبرى بين عامي ١٩٢٥ و١٩٢٧ - وإجلائها اللاحق. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الأحداث جزءًا هامًا من تاريخ البلاد، ويتم إحياء ذكراها سنويًا بمناسبات مدنية مثل يوم الشهداء (٦ أيار) ويوم الإجلاء (١٧ أبريل).
يروي المسلسل الثاني، "خان الحرير"، قصة البيئة الحضرية لتجار السوق والوسطاء في محيط حلب (خان الحرير)، عشية توحيد سوريا ومصر في "الجمهورية العربية المتحدة" (1958-1961). ويعكس الفيلم الصراع السياسي والعسكري بين قوى "معاهدة بغداد" (فرنسا وإنجلترا) وخصومها (مصر وسوريا والاتحاد السوفيتي)، موضحًا بوضوح الاستقطاب السياسي بين مختلف الأطراف. فالتجار الأثرياء ورجال الأعمال الناجحون يدعمون القوى الأوروبية، بينما يؤيد صغار التجار في السوق التحالف المصري السوري. بدلاً من هذه الخلفية السياسية المشحونة (التي يُلمح إليها عرضًا من خلال الأخبار الإذاعية والمحادثات والشائعات المتداولة بين سكان خان الحرير)، ينصبّ التركيز الحقيقي للمسلسل على تقلبات الحياة اليومية في خان الحرير: المكائد العائلية، وقصص الحب، وحفلات الزفاف، والجنازات، والنجاحات الاقتصادية. على عكس المسلسل التاريخي الأول المذكور سابقًا، حيث يسعى نوع من اليأس الوطني إلى إلهام شعور بالفخر القومي، فإن هذا المسلسل الدرامي يهتم في المقام الأول بالناس من منظور مصالحهم الاقتصادية. من خلال التركيز على المعاملات التجارية والمالية، فضلًا عن المنافسة اليومية والأعمال، يوحي السيناريو بأن الثروة أو الفقر الاقتصادي هما المحركان الأساسيان اللذان يوجهان التوجه السياسي، وأن هذه الأوضاع نفسها (غني أو فقير) هي التي تحدد ما إذا كان الناس سيصبحون فاسدين أم سيظلون نزيهين. تتجلى الحالة الأولى في قصة كمال، الشاب الطموح الماكر الذي رُتّب زواجه من ساقية، ابنة تاجر ثري غير جذابة، لأسباب مالية. بمساعدة عائلة ثرية، ومسؤولين فاسدين، ومحامين غير نزيهين، ورجال أعمال جشعين ومخادعين، يكتسب تدريجيًا نفوذًا على السوق المحلية وأعمال صغار رواد الأعمال. أما الوجه الآخر للأخلاق فيتمثل في الحب الصادق بين محسن وفدا. يقعان في الحب لأسباب رومانسية بحتة، بعيدة كل البعد عن أي مصالح سياسية أو اقتصادية. على عكس كمال، محسن شخصية بسيطة، صادقة، وطيبة، من خلفية متواضعة، لا يستسلم لإغراء القسوة والفساد في سوق المنافسة. بعبارة أخرى، يجسد هذا المسلسل الأخلاق واللاأخلاق من خلال الصراع بين طبقتين اجتماعيتين. يروي قصة عائلات كريمة وصادقة تكافح للحفاظ على كرامتها، في مقابل عائلات البرجوازية الوطنية التي تستغل بلا مبالاة التحرر الاقتصادي والروابط التجارية مع الغرب.
باختصار، تُخلّد المسلسلات التلفزيونية "إخوة التراب" و"سوق الحرير" تقليد رمضان، حيث يُواجه صُنّاع الأفلام المشاهدين بأحداثٍ مؤثرة من تاريخهم الوطني، مثل المسلسلات التي عُرضت في العام السابق "حمام القيشاني" (حمام القيشاني)، و"أبو كمال، الجزء الثاني" (للكاتب فؤاد شربجي)، و"نهاية رجل شجاع"عام 1994، و"ابتسامة الحزن" (بسمة الكنز) قبيل رمضان عام 1994، و"أيام الشامية" عام 1993. وتدور أحداث هذه المسلسلات جميعها في نفس الفترة الزمنية، إما في نهاية الحكم العثماني أو تحت الاحتلال الفرنسي، وتُصوّر المقاومة ضد الأجانب أو التعاون معهم. من خلال تصوير أحداثها في بيئات حضرية، وتحديدًا في أحياء دمشق القديمة مثل "حمام القيشاني" و"حمام الحنا"، تُقدّم هذه المسلسلات صورةً مُبسّطةً للماضي، حيث تُختزل المصالح المتضاربة والعلاقات التاريخية المعقدة والترابطات المتبادلة من خلال عدد قليل من الشخصيات النمطية.
مع ذلك، من المثير للاهتمام دراسة كيفية تقديم الدين في هذه المسلسلات التلفزيونية. إن غياب الهوية الإسلامية والإيمان عن صلب أحداث أحد هذه المسلسلات الأربعة على الأقل أمرٌ لافتٌ للنظر. هناك تجنّبٌ مُتعمّدٌ لعرض الخلفية الدينية للشخصيات الرئيسية، على الرغم من ظهور مظاهر التديّن والأنشطة الدينية اليومية على الشاشة بين الحين والآخر. في أغلب الأحيان، تؤدي هذه الأعمال وظائف هامشية ولكنها مكملة ضمن نسيج الأحداث والعلاقات، على سبيل المثال، عندما يردد الشيخ علي الكفيف في مسلسل "خان الحرير" عبارات مثل "يا لطيف" و"يا كريم" و"يا رب" (أدعية إلى الله)، أو عندما يُفتتح اجتماع هام لجماعة مقاومة بتلاوة جماعية لآيات قرآنية، كما في مسلسل "إخوة التراب". لا تركز هذه المسلسلات على "قيمة الإيمان والتقوى، بل على المكان الذي يكون فيه الخطاب الإسلامي ذا صلة""10" - كما تقول ليلى أبو لغد؛ فهي تخدم تلبية الاحتياجات الشخصية للناس، ومشاركة همومهم وأحزانهم ومخاوفهم اليومية (خاصة فيما يتعلق بالنساء!). يتضح هذا جلياً في مسلسل "سوق الحرير"، حيث تزور النساء بكثرة الشيخات المسنات، وهنّ نساءٌ ذوات سمعة طيبة في مجال العلاج والتقوى، لاستشارتهنّ للحصول على تمائم أو تطريزات تحمي الناس من الأمراض والحوادث والمصائب والمتاعب، أو حتى الخسائر المالية، أو، من منظور إيجابي، لضمان النجاح في الحب والخصوبة والسفر والعلاقات مع ذوي النفوذ، وغير ذلك من المساعي المماثلة."11" من جهة أخرى، يمكن أيضاً تقديم الإسلام كنموذج أخلاقي يُحتذى به، يُشدد على الهدوء والتسامح واللين والشرف، كما يتجسد في شخصية الشيخ قدري في مسلسل "سوق الحرير". يظهر الشيخ قدري عادةً عندما تبلغ الخلافات ذروتها وتوشك على التصاعد. ومن خلال طرح أسئلة حول أسباب الخلاف العنيف، يتصرف كمحكم أكثر منه كقاضٍ كفء، محاولاً فقط تهدئة التوتر الشديد بقوله: "من فضلك اهدأ" أو "يمكنك دائماً حل هذه المشاكل، لكن فكر في الأمر بهدوء". "الله سيعطيك إياه" أو "إذا كنت مستقيماً، فستحصل على حقوقك".
من خلال التركيز على بناء هويات وطنية علمانية "12"، يُنتج الفصل بين الأنشطة الدينية والعلمانية في المسلسلات التلفزيونية "شعورًا بفصل المجالات، كاشفًا عن عدم أهمية الدين في المجال العام للتنمية والتقدم الاقتصادي والمسئولية الاجتماعية la responsabilité sociale " 13 ".

مصادر وإشارات
١- هذا المقال مقتبس من أطروحتي: شهر رمضان وعيد الفطر: دراسة للأهمية الاجتماعية للشعائر الإسلامية وجوانب التغيير الديني، لايبزيغ (قريبًا). أود أن أشكر كيرستين ويلش وكريستا سالاماندرا على تعليقاتهما، ومجموعة "الإسلام والحداثة" التابعة لمركز الدراسات الأفريقية المعاصرة (إرلانجن/واشنطن) على نقدهم.
٢- هانز غونتر لوبماير، "الديمقراطية هي الحل؟ المعارضة السورية في نهاية عهد الأسد"، في إي. كينلي (محرر)، سوريا المعاصرة، التحرر بين الحرب الباردة والسلام البارد، لندن، دار النشر الأكاديمية البريطانية، ١٩٩٤، ص ٨١-٩٦.
3-أمثلة في: أندرياس كريستمان، "العالم الإسلامي والمرشد الديني: الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي"؛ في جون كوبر، رونالد ل. نيتلر، محمد محمود (محررون)، الإسلام والحداثة. رد المثقفين المسلمين، لندن، آي بي. توريس، 1998، ص. 57-81
4- أرفيند سينغال وفيجاي كريشنا، "سوريا"، في الإعلام الجماهيري في الشرق الأوسط، ص 31. 261-272.
5- البعث 26 كانون الثاني 1996 ص. 8.
6- ينظر منير كيال، حكايات دمشقية في الأدب الشعبي، دمشق، ابن خلدون، 1987، ص. 39، ومنير، حكايات دمشقية في الأدب الشعبي، دمشق، ابن خلدون، 1987، ص. 39، ومنير كيال، رمضان في الشام: أيام زمان، دمشق، مؤسسة النوري، 1992، ص. 188.
7- الممثلة ردا في سيدتي، 3 شباط 1995، ص. 44.
8- ينظر ليلى أبو لغد: "إيجاد مكان للإسلام: المسلسلات التليفزيونية المصرية والمصلحة الوطنية"، الثقافة العامة، 5 (3)، 1993، ص. 25.
9- فنون، 10 شباط 1996، ص. 10.
10- أبو لغد، 1993، ص. ٢٨-
١١- بعد أن اعترفت زوجة كمال بأنها لم تكن حاملاً بعد، نُصحت بالذهاب مع والدتها إلى شيخة ذات سمعة طيبة، مرتديةً الزي الإسلامي والحجاب الأبيض. وبينما كانت الشيخة تعد سبحات مسبحتها (لترديد أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين)، قامت بتطريز اسم الله وأسماء صديقة ووالدتها ووالدها. ورددت صديقة دعاء "أعوذ بك"، ثم دفعت الأم ثمن التمائم ودعت مع ابنتها بالنبي محمد. وبعد أن طلبت منها الشيخة أن تردد دعاء "إنا لك على كل شيء، أنت القادر" ألف مرة في اليوم وفي جميع الأحوال، غادرت صديقة ووالدتها على أمل أن تحمل الفتاة قريبًا.
12- إذا رغب المسلمون السوريون في مشاهدة مسلسل ذي منظور إسلامي، فعليهم مشاهدة برنامج غير سوري عبر الأقمار الصناعية، مثل مسلسل أحمد طنطاوي "محمد رسول الله إلى العالمين" (التلفزيون المصري: ١٩٩٤/١٩٩٥/١٩٩٦) أو المسلسل التاريخي "الحكم الشرعي في الإسلام" (التلفزيون السعودي؛ إخراج فائق إسماعيل).
١٣- أبو لغد، ١٩٩٣، ص ٢٨.



Ramadan et politique
Livre premier. Les politiques publiques du ramadan
Chapitre 3. Une piété inventée : le ramadan dans les mass media syriens1
Andreas Christmann


" يتبع "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى