طارق حنفي - (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

طارق حنفي - (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)

-------

خواطر حول الآية ٣٥ من سورة النور:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا
مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا
غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ
نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
-----------

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.....)
النور اسمٌ من أسماء الله الحسنى، وصفةٌ من صفاته تعالى العليا، وهي صفةٌ ذاتٌ لازمةٌ له على ما يليق به، فلم يزل ولا يزال متصفًا بها سبحانه وتعالى.
واسمه النور يعني: الظاهر بذاته الذي به كل ظهور، الظاهر في نفسه، المُظهِر لغيره.
قالوا في معنى قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): أي هادي السماوات والأرض، وقالوا: هو سبحانه منوِّرهما، وهو النور الهادي الرشيد الذي يرشد بهدايته من يشاء، فيبين له الحق ويلهمه اتباعه. وهو سبحانه هادي أهل السماوات والأرض ومدبر أمرهم.

وأقول — والله أعلم —: إن المراد بالنور في الآية أنه سبحانه المُظهِر للسماوات والأرض في ظاهر أمرهما، والهادي والمرشد لهما في باطن شأنهما. فلما تجلّى اسم الله «النور» في الوجود، أظهر السماوات والأرض ومن فيهما، بعد أن أنار المعالم بنوره سبحانه، فأوجدهما من العدم، وخصّهما بما أودع فيهما من المواهب والأسرار منذ الأزل.
والله سبحانه هو خالق السماوات والأرض ومن فيهما من المخلوقات جميعًا ابتداءً، فهو الذي بدأ الخلق، كما قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ثم بعد أن خلق المخلوقات وصوّرها، وأودع في كلٍّ منها فطرته، هدى كل شيء إلى وظيفته التي بها تتحقق منفعته، كما قال تعالى: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ).
ويكون نور الهداية هنا هو النور الذي ينبثق من الفطرة داخل كل مخلوق، فينير له القدر الذي يؤدي به وظيفته التي خُلق لها. أما الإنسان، فإن نور الهداية فيه يتجلّى في قدرته على تدبّر خلق الله، وفهم الأسباب، والاهتداء بها إلى معرفة الحق.
وللإنسان — على وجه العموم — نوران:
نورٌ يُدرَك بالبصر، كنور الشمس والقمر،
ونورٌ يُدرَك بالبصيرة، كنور الفهم والإلهام، والعلم، واكتشاف الحقائق.

*******

﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ...﴾
بعد أن أخبرنا الله سبحانه عن تنويره للسماوات والأرض، نور ظهورٍ أظهرهما للأبصار، ونور فطرةٍ وهدايةٍ وقيام كل شيء بوظيفته وفق مشيئة الله وقدره، يخبرنا بعدها عن مثل نوره في الإنسان، ذلك المخلوق الذي اجتمع فيه نور الظاهر ونور الباطن، نور البصر ونور البصيرة.
قالوا في تفسير قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ): أي مثل نور الإيمان في قلب المؤمن، وقيل: نور الطاعة والقرآن.
(كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ): والمشكاة هي الفتحة غير النافذة في الحائط التي يوضع فيها المصباح، فتجمع الضوء وتزيده وضوحًا.
(الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ): أي أن المصباح محفوظ داخل زجاجة، تزيد الضوء صفاءً ونقاءً.
(الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ): أي شديدة الصفاء والإشراق.
(يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ): أي أن مصدر الوقود زيتٌ نقي من شجرة مباركة، لا يحجبها حاجب عن الشمس، فيكون زيتها في غاية الصفاء.
(يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ): أي من شدة صفائه واستعداده للإضاءة.
(نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ): نور الفطرة، ونور الهداية.
وقال الشيخ الشعراوي رحمه الله: كما أن نور الشمس يغلب الأنوار الأخرى، كذلك نور منهج الله يغلب سائر المناهج.
(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ): أي يوفق للهداية من يشاء.

— الله أعلم — أقول:
إن الله سبحانه وتعالى بدأ بضرب المثل لنوره في خلق الإنسان على العموم، لا في المؤمنين وحدهم؛ فمن جوده وكرمه، ومن تمام عدله، أن خلق البشر جميعًا على أصلٍ واحد من الفطرة، ومنحهم أصل العطايا والنعم على السواء. فجاء مثل نوره في خلق الإنسان كمشكاة، وهي الجسد، (فيها مصباح) وهو القلب، (المصباح في زجاجة) وهي الروح، كأنها كوكب مضيء، (يوقد من شجرة) وهي الفطرة السليمة المفطورة على معرفة الله وتوحيده، (زيتونة لا شرقية ولا غربية) أي فطرة خالصة، سليمة من الميل والهوى والزيغ، ثابتة على توحيد الله والشهادة له بالألوهية والوحدانية، لا تتغير بتغير الزمان، ولا تنحرف بتبدل المكان، (يكاد زيتها يضيء) لما أودع الله فيها من الحق والحقيقة، حتى إن هذا النور الكامن فيها يكاد يهدي صاحبها إلى معرفة الله من تلقاء نفسه، ولو لم يأته مصدر خارجي للهداية.
(نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ): وهنا يبدأ الحديث عن المؤمنين، الذين لم يكتفوا بنور الفطرة الكامن في داخلهم، بل زادهم الله من فضله نورًا آخر، فهداهم — بمشيئته — إلى نور القرآن، ونور هدي الحبيب المصطفى ﷺ، فاجتمع فيهم نور الفطرة ونور الوحي، فكان ذلك نور معرفة الله، ونور ذكره، ونور طاعته، ونور الهداية إليه سبحانه.
(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ): إن الله سبحانه، حين خلق السماوات والأرض وسائر المخلوقات المجبولة على الطاعة، منح كل مخلوق هدايته، وأنار له من فطرته القدر الذي يؤدي به وظيفته، لا يزيد ولا ينقص. أما الإنسان، ولأنه مخير وإيمانه يزداد وينقص ويثبت وينكث ويتقدم ويتأخر؛ لذلك فقد احتفظ الله لنفسه بنور الهداية الخاص به، يمنحه للعبد بقدر قربه وطاعته ودعائه، ويحجبه عنه بقدر معصيته وإعراضه وكفره ونكرانه، كما قال تعالى:
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ۚ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).
ولا يزال العبد يذكر الله ويطيعه، حتى يفيض عليه من هذا النور، فيظهر أثره في قوله وعمله وسلوكه، ويكون له يوم القيامة نور يسعى بين يديه وبأيمانه، كما قال تعالى:
(نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وبقدر صفاء العبد، وبقدر قربه من الله، وبقدر تحرره من التعلق بغيره، ينقشع الغبار عن زجاجة الروح، فيسطع نور المصباح، ويشتد إشراقه، فيرى الإنسان بنور الله من نور الله، بعين البصيرة، ويفقه بعقل القلب، ويتسع قلبه لهذا النور، حتى يصير وعاءً لمعرفة الله، وكلما ازداد نورًا ازداد اتساعًا.
وإذا كان القرآن هو النور المطابق لنور الفطرة، والمعبّر عنها، والشارح لها، فإن الحبيب المصطفى ﷺ هو النور الذي باتباعه نهتدي إلى صراط الله المستقيم، كما قال تعالى:
(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
اللهم يا هادي إلى النور بالنور، اجعل لنا نورًا نهتدي به إلى نورك، بنور حبيبك المصطفى الأمين.
والحمد لله رب العالمين.
طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى