د. أحمد الحطاب - اللحظة الوحيدة التي يفتخر فيها المغاربة بِبَلَدِهم

في الحقيقة لحظات افتخارِ المغاربة ببلدِهم كثيرة لكنها تبقى سجينة قفص كبير اسمُه "السياسة". والسياسة يمكن أن تُفرِزَ الفرحَ والسعادةَ، ويمكن أن تُفرٍزَ الحزنَ والشقاءَ. فما هي هذه السياسة التي، بإمكانِها أن تملأَ أحوال الناس فرحاً وسعادةً، وبإمكانِها أن تملأَ حياةَ الناس حزنا وشقاءً؟

بكل بساطة، السياسة هي مجموع الأنشِطة والمؤسسات والعلاقات التي تنظِّم وظائفَ المجتمع، من خلال ممارسة السلطة داخلَ الدولة. وبعبارة أخرى، السياسة هي كل ما من شأنه أن يُنظِّمَ الحياة، بمفهومها الواسع، وبالتالي، فهي الوسيلة التي، بواسطتِها، يتمُّ تدبير الشؤون العمومية لبلدٍ ما، واضعةً، في الأولوية، خدمةَ الصالِح العام l'intérêt général. ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، أي خدمة الصالِح العام، فإنها تضع وتُطبِّق المساطير les règles والقوانين les lois، وإن اقتضى الحال، فإنها تجتهِد لإيجاد حلول للصِّراعات الاجتماعية les conflits sociaux.

لكن السياسة، كوسيلةٍ لتدبير الشأن العام، منذ أن أصبحت مِلكا للأحزاب السياسية، انحرفت عن معناها النبيل، وأصبحت مصدرا للمصائب الاجتماعية والاقتصادية. بمعنى، عوض أن تكون مصدراً للفرح والسعادة، فإنها أصبحت مصدراً للحُزن والشقاء.

والدليل على ذلك أن المغربَ تعاقبت على تدبير شأنِه العام ثلأثةٌ وثلاثون حكومة، بما في ذلك الحكومة الحالية التي يترأسها حزبُ "التَّجمُّع الوطني للأحرار"، في شخص عزيز أخنوش، منذ استقلال البلاد إلى يومِنا هذا. وهذه الحكومات، المُتعاقِبة على تدبير الشأن العام، لم تستطع، ولو واحِدة منها أن تقضيَ على المشاكل التي تُعرقل تنميةَ البلاد والعباد، أو على الأقل، التَّقليل من انعِكاساتِها السلبية على التَّنمية. وهذه المشاكل التي تُعرقِل تنمية البلاد والعباد، هي الفساد والأمية والفقر. كما لم تستطع أية حكومة أن توزِّعَ الثروة التي تُنتِجها البلاد، توزيعاً عادِلاً ومُنصِفا.

في هذه الحالة، يبقى المُتتبِّعون للمجال السياسي مُتردِّدين بين سؤالين مهمَّين وأساسيين : "متي تكون السياسة مصدرا للفرح والسعادة؟"، و "متى تكون مصدرا للحزن والشقاء؟". جواباً على هذين السؤالين، السياسة ليست، في حد ذاتها intrinsèquement، مصدرا مطلقا للفرح والسعادة، وكذلك، ليست، في حد ذاتِها مصدرا مطلقا للحزن والشقاء. لماذا؟

لأن السياسةَ ليست أمرا مستقلا عن الفكر البشري la politique n'est pas une question indépendante de l'esprit humain. إنها من اختراع الإنسان، أي الإنسان هو الذي يتحكَّم في مُجريات السياسة، أي هو الذي يتناولها، إما بالعقل la raison وإما بالأهواء les caprices.

السياسة، كإنتاجٍ فكري بشري، إن قاربها الإنسانُ بالعقلِ، فإنها، من المفروض وحتماً، تُفرِز ما ينفع البلادَ والعبادَ. وإن قاربها الإنسانُ بالأهواء، فإنها تفرِز ما يُسيء للبلادِ والعبادِ. وهذا يعني أن السياسة تختلِف نتائجُها حسب المقاربة l'approche التي ينهجها الإنسان إزاءها.

إذن، السياسة تُحدِث صراعا un conflit بين ما فيه خيرٌ للتساكن la cohabitation والتعايش la coexistence داخلَ المجتمعات، وبين ما فيه شر لهما. وهو، في الحقيقية، صراع بين الخير الذي أراده الله للناس جميعا، وبين الشر.

والقرآنُ الكريمُ واضح في هذا الشأن. إذ يقول، سبحانه وتعالى، في الآيتين رقم 54 من سورة الأنعام : "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"، أي الرحمة بالعباد أجمعين. ويقول، سبحانه وتعالى، في نفس الشأن، في الآية رقم 156 من سورة الأعراف : "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ".

أما الآيات التي تبيِّن للناس أنه، سبحانه وتعالى، لا يريد الشر لعبادِه أجمعين، فهما الآيتان رقم 6 من سورة المائدة، والآية رقم 108 من سورة آل عمران، المواليتان :

"مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".

"وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ".

إذن، إن عمَّ الخير بين الناس، وإن عمَّ بينهم الشر، فهو من صُنعِ الإنسان، أي من المقاربة التي ينهجُها الإنسانُ للتعامل مع السياسة. إلى حدِّ الآن، لم يُفرز هذا التعامل إلا الحزنَ والشقاءَ، وذلك منذ بداية الستينيات. فمن أين ستأتي لحظةُ الفرحِ والسعادةِ ليفتخرَ المغاربة ببلدهم الذي، من المفروض، أن ترفعه السياسة إلى أرفع الدرجات؟

اللحظة الوحيدة، المُتاحة، حالياً، ليفتخِرَ المغاربةُ ببلدِهم، توفِّرها الرياضة، وبالضبط، كرة القدم. أما السياسة، كما تمارِسها أحزابُنا السياسية، لم توفِّر للمغارِبة، إلى حد الآن، إلا الفسادَ والجهلَ والفقرَ. لك الله يا وطني!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى