المجالس البلدية بين التمثيل الديمقراطي ومتطلبات الحوكمة الرشيدة

المجالس البلدية بين التمثيل الديمقراطي ومتطلبات الحوكمة الرشيدة

قراءة نقدية في أسباب الإخفاق وسبل الإصلاح

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تُعدّ المجالس البلدية والقروية إحدى الركائز الأساسية لنظام الحكم المحلي، حيث تشكل الإطار المؤسسي الأقرب إلى حياة المواطنين اليومية، والمسؤول المباشر عن إدارة الخدمات الأساسية والتنمية المحلية. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح هذه المجالس لا ينعكس فقط على مستوى الخدمات، بل يمتد ليؤثر في مستوى الثقة العامة بالمؤسسات المحلية وقدرتها على إدارة الموارد بكفاءة وعدالة.

غير أن التجربة العملية في عدد من البلديات والقرويات خلال السنوات الماضية كشفت عن جملة من التحديات البنيوية التي حدّت من قدرة بعض المجالس على أداء دورها التنموي والخدمي بالشكل المأمول. وهذه التحديات لا ترتبط بجهة بعينها بقدر ما تعكس إشكاليات أعمق في بنية العمل البلدي وآليات تشكيل المجالس وآليات الرقابة والمساءلة.

من أبرز هذه الإشكاليات ما يمكن وصفه بتغليب الاعتبارات الفئوية أو الضيقة في بعض التجارب الانتخابية المحلية، حيث تتحول المنافسة في بعض الأحيان من إطارها التنموي والخدمي إلى إطار يقوم على المحاصصة الاجتماعية أو التنظيمية. وعندما يحدث ذلك، فإن معايير اختيار المرشحين قد لا تستند بالضرورة إلى الكفاءة والخبرة الإدارية أو القدرة على إدارة الشأن العام، بل قد تتأثر باعتبارات الولاء أو الانتماء، وهو ما ينعكس لاحقًا على مستوى الأداء المؤسسي للمجالس البلدية.

كما أن من التحديات التي برزت في بعض التجارب توسع ظاهرة التوظيف غير المرتبط بالحاجة الفعلية للمؤسسة البلدية. فالمؤسسات المحلية، شأنها شأن أي مؤسسة عامة، تحتاج إلى جهاز إداري مهني ومتوازن ينسجم مع طبيعة الخدمات والموارد المتاحة. أما التوسع غير المدروس في التعيينات، سواء بدوافع اجتماعية أو سياسية، فإنه يؤدي إلى تضخم الجهاز الوظيفي واستنزاف جزء كبير من الموارد المالية البلدية، الأمر الذي يقلل من قدرة البلديات على توجيه مواردها نحو المشاريع التنموية وتحسين البنية التحتية والخدمات العامة.

ومن زاوية قانونية وإدارية، فإن إدارة الموارد البلدية تتطلب وجود منظومة واضحة للمساءلة والرقابة، سواء على مستوى المجالس المنتخبة أو الجهاز التنفيذي داخل البلدية. فالموارد العامة هي أمانة قانونية وأخلاقية، وإدارتها تستوجب الالتزام بمبادئ الشفافية والمحاسبة وفق القوانين والأنظمة الناظمة للحكم المحلي. وعندما تضعف آليات الرقابة أو لا يتم تفعيلها بالشكل المطلوب، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام قرارات إدارية أو مالية لا تنسجم دائمًا مع متطلبات الإدارة الرشيدة.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن العمل البلدي بطبيعته عمل تراكمي يقوم على الاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل المؤسسة. فالكادر الإداري والفني في البلديات يمثل رصيدًا مهنيًا مهمًا ينبغي الاستفادة منه في التخطيط واتخاذ القرار، وذلك ضمن إطار واضح من توزيع الصلاحيات بين المجلس المنتخب بوصفه جهة تقريرية، وبين الإدارة التنفيذية بوصفها الجهة المسؤولة عن تنفيذ السياسات والقرارات.

إن تعزيز فاعلية المجالس البلدية يتطلب إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة في تشكيل القوائم الانتخابية، وتكريس مفهوم العمل المؤسسي القائم على الشراكة بين المجلس المنتخب والجهاز الإداري، إضافة إلى تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة القانونية بما يضمن حماية المال العام وتحقيق أعلى درجات الكفاءة في إدارة الموارد المحلية.

كما أن الدور المجتمعي في مراقبة أداء المجالس البلدية لا يقل أهمية عن الدور المؤسسي. فالمشاركة المجتمعية الواعية، والمتابعة المستمرة لأداء المؤسسات المحلية، تشكل عنصرًا مهمًا في تعزيز الشفافية وترسيخ ثقافة المساءلة الديمقراطية.

وفي المحصلة، فإن البلديات ليست ساحة للصراعات أو المصالح الضيقة، بل مؤسسات عامة وجدت لخدمة المواطنين وإدارة شؤون المدن والقرى وفق معايير العدالة والكفاءة وسيادة القانون. ومن هنا، فإن تطوير تجربة الحكم المحلي يتطلب ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز ثقافة العمل المؤسسي، بحيث تكون المصلحة العامة هي البوصلة التي توجه القرار البلدي.

إن نجاح المجالس البلدية في أداء دورها التنموي والخدمي يبقى مرهونًا بقدرتها على الجمع بين التمثيل الديمقراطي الحقيقي والكفاءة الإدارية، بما يضمن إدارة رشيدة للموارد، ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات المحلية ودورها في خدمة المجتمع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى