تعقيب على مقالة السياسة واللغة الإنكليزية لجورج أورويل

تعد مقالة جورج أورويل "السياسة واللغة الإنكليزية" من أشهر مقالاته، وأثارت، ولا تزال تثير، صخباً ولغطاً منذ ظهورها في العام 1946. ولعلّ شدّة الاهتمام بها تعود، في اعتقادي، لأسبابٍ عدة، منها شهرة الكاتب نفسه، والزمن الذي ظهرت فيه (عقابيل الحرب العالمية الثانية وحالة الاستقطاب السياسي الشديد آنذاك)، وصحة انشغال الكاتب بأساليب تشكيل اللغة السياسية في عصره لتناسب موضوعها وأهدافها. ويعبّر أورويل عن انشغاله هذا باتهامات تتسم بالتعميم، وغير مبرهنة بما يكفي في اعتقادي (الحديث هنا عن اللغة الإنكليزية).
غير أن الواجب يقتضي تأكيد دقة توصيف أورويل مراوغة اللغة السياسية، بما يشبه ما نسميه في العربية "التقعر اللغوي"، ويُقصد به الكلام من أقصى قعر الفم، ويعني في المجاز إظهار الفصاحة والبراعة والتمايز في استخدام الترادف والاشتقاق وصيغ الكلام المختلفة؛ وهو بهذا المعنى بعيد كل البعد عما قاله أبو حيان التوحيدي عن وجوب "تعوّد المسموع الجاري، ولا تتمقتَ بأدبكَ إلى الناس" (البصائر والذخائر، ج1، ص 56). لما في ذلك من تكلف بعيد عن الطبع السهل، والتعمق في غريب الكلام المنفر، والتشدق، والإغراق في المجاز؛ فإضفاء التنويع في استخدام كلمات تؤدي المعنى ذاته لا يُعدّ أسلوباً قويماً في الخطاب بوجه ما.
قد يبدو الأمر سهلاً للوهلة الأولى، لكنه ليس كذلك لمن يشتغل في الترجمة؛ فاختلاف قواعد الاشتقاق بسبب تباين القواعد النحوية بين اللغات غير المتشابهة يخلق مشكلة للمترجم في الوصول إلى فكرة النص الأصلي. لكن أورويل لا يتحدث هنا، بطبيعة الحال، عن الترجمة، بل عن "الابتذال" و"الشطارة" في "اختراع" كلمات يظن أصحابها أنهم يخاطبون بها جمهورهم بلغة قياسية راقية. وتبقى الإشارة إلى ضرورة الرجوع للنص الأصلي للمقال، كلما أمكن ذلك، لصعوبة نقل المعنى الدقيق للعبارات والمصطلحات التي يستعملها أورويل كأمثلة للتدليل على صحة كلامه، والتي تخضع لاعتبارات شديدة المحلية بالنسبة إليه.
يعود أول ذكر للمقالة بعنوانها الحالي إلى كانون الأول 1945، ثم نُشرت في العام 1946 في مجلة (Horizon) [volume 13, issue 76, pages 252–265]، أي في نهاية الحرب العالمية الثانية؛ ولعل هذا يفسر، في جزءٍ منه، اللغة المكثفة والحادة التي يتناول فيها أورويل موضوعه. وأكثر ما كان يشغله، في ما أرى، الطريقة التي صُممت بها اللغة السياسية لتصبح "الأكاذيب حقيقة، والقتل سلوكاً محترماً يمكن تفهمه". ويستعير مجازاً لوصف هذه اللغة السياسية بأنها تعطي الريح الخفيفة العادية مظهراً عاصفاً وصلباً؛ أي كيف تخلق الدعاية السياسية [البروباغاندا] حقائق على الأرض لإحفاء السلوك السياسي القبيح، وسعي رجال السياسة لتنفيذ سياسات تضليلية لبقائهم في السلطة أو على قمة الهرم السياسي والحزبي. ويستخدمون، في سبيل ذلك، تعابير إعلامية مشوهة يخفون بها معنى أقوالهم الحقيق بدل نقله كواقع متاح لجمهورهم.
ويوظف أورويل كل هذا في روايته "مزرعة الحيوانات" حيث نكتشف قدرة اللغة السياسية على "سرقة" الثورة من أبنائها، فيخبرنا كيف "اتفق أصحاب المزارع على اللجوء إلى كثير من المبالغة والتهويل، وحتى إلى الكذب والافتراء، لإقناع "حيواناتهم" بعبثية الثورة التي أشعلتها تلك الحيوانات الطائشة... ووجوب وقوف الحيوانات العاقلة إلى جانب أصحاب المزارع".
وفي الحقيقة نعاني -نحن العرب- من هذا الاستخدام السياسي الغامض للغة، كما هو حال تأويل نتائج قرار مجلس الأمن 242؛ فما زلنا عالقين حتى اللحظة بين التفسيرين الفرنسي والتفسير الإنكليزي للقرار.
يطرح أورويل أمثلة عديدة للغة السياسية الإنكليزية السائدة في عصره، والتي تتضمن الكثير من الغموض والنفاق النفعي (المانع للوصول إلى الوضوح في رأيه). ويعبر، دون مواربة، عن مقته، بل عدائه الشديد لتلك اللغة الطنّانة المخادعة المستخدمة عند أتباع الاتجاهات السياسية الرئيسة آنذاك، أي الليبراليين الرأسماليين بجميع فئاتهم، والماركسيين التقليديين بمن فيهم الفوضويون وأصحاب الفكر اليساري المتطرف، وغيرهم.
ونعلم، بحكم التجربة والخبرة والمثاقفة، بقاء العديد من المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بلا حل إلى حدٍّ ما. فما موقف السياسي منها؟
يقر أورويل بالتعريف الكلاسيكي للإنسان بوصفه "حيواناً سياسياً يعيش في محيطٍ سياسي"، وهذه الصفة، في ما أرى، لا تعني قيمة مطلقة تدل على الوجود الإنساني المتضمن في المحيط السياسي، بقدر ما تعني صفة قهرية ملازمة للغة أقرب ما تكون للإرث الماركسي: "الإنسان عبد الكلمة".
لكن الإنسان كائن اجتماعي يخضع لقوانين الاجتماع الإنساني كشرط جوهري لوجوده ولعيشه المشترك مع الآخرين، أي عدم انقياده للعزلة؛ وهذا ما يقترح النظر إلى البنية الاجتماعية الإنسانية بوصفها بعداً سياسياً في الدرجة الأولى يمنحه قيمة وإرادة تقاوم وطأة الأنظمة الشمولية القاهرة وأثرها في طبيعته.
ولذلك لا يقر رجل السياسة بانتهاء الحلول؛ فلكل مشكلة حل، ويوهمنا بقبضه على خيوط المشكلة كافة، واستطاعته التحكم بها، بل التلاعب بها كيفما ومتى يشاء. ولا يحبذ السياسي استخدام كلمة "مشكلة"، ويفضل عليها "قضية" أو "مسألة" بصيغ المفرد والجمع لا فرق. فكلمة مشكلة تسبب له أرقاً لأنها تحملها في طياتها بوادر الفشل في العثور على حل، بينما تنطوي كلمة قضية على "تسوية ما" أو "مساومة"، وهذه ميزة لا تحتملها كلمة "مشكلة"؛ فضلاً عن إحالة كلمة "مسألة" إلى أنطولوجيا رياضية قابلة للتعيين في فضاء ما. فبعض العبارات تخلق فينا شعوراً غامضاً حين تعجز عن نقل الحقائق الملموسة، مثل تخيل المظهر الصلب للريح "المحضة" النقية الخفيفة.
ولكن ماذا نعني بقولنا "لغة سياسية"؟
هل تختلف عن لغتنا التي نتحدث بها؟ هل هي لغة اصطلاحية أم وظيفية؟ أم هي جميع ما ذُكر مع بعض التعديلات الظرفية المناسبة لموضوعها وأهدافها؟
لعل الإجابة "الأورويلية" تتحدد بدرجة "غموض" هذه اللغة و"نفاقها" و"مجازاتها" وعدم تضمينها أي معنى حقيقي؛ وسيكون هدفها إخفاء الحقائق بدلاً من الإفصاح عنها.
ويمثل الخطاب السياسي دفاعاً عمّا لا يمكن الدفاع عنه كما يقول أورويل؛ ولو حاول هذا الخطاب اتخاذ أية خطوة دفاعية فسوف يكون ذلك عبر حجج غير منطقية وغير مقبولة يصعب علينا تحملها، رغم عدم توافقها مع الطروحات المرجعية للجهة السياسية المدافعة. فثمة كثير من الأكاذيب نعرفها ونتعايش معها رغم الأضرار الحقيقة الهائلة المسببة لها، وتختلف في المظهر والجوهر عن المزاعم السياسية النمطية المخصصة لإقناع الناخبين بالتصويت لمنصة سياسية معينة. وتسعى الكلمة إلى تغيير معايير الإقناع السياسي بتضخيم هذه التعابير والتشديد على أهميتها، طالما دعت الحاجة.
وهكذا نصل إلى خلاصة موقف أورويل في تحديد الخطوط "الببغائية" والاستجابات الانعكاسية للغة السياسية؛ فلا يمكن للغة السياسية استلاب عقولنا وحشوها بعبارات "مسبقة الصنع" ما لم نكن نمتلك القابلية والاستعداد لذلك، فكل ما يدخل عقولنا من هذه العبارات يعمل مخدراً لجزء من أدمغتنا.
ونحن نعلم تمام العلم كيف شكلت اللغة البنية الأساسية لرواية 1984، حيث يصف الفصلان الرابع والخامس منها لغة جديدة أطلق عليها أورويل اسم "نيوسبيك" اعتمدها الحزب الحاكم (الحزب الإنكليزي الاشتراكي) لتحوير اللغة بصورة كاملة. واخترعت بهدف السيطرة على أنماط تفكير المواطنين، والتخلص من المصطلحات والتعابير المهددة لنظام الحكم واستبدالها بمصطلحات أخرى لتعزيز ما يطلق عليه أورويل "التفكير المزدوج Doublethink"، أي حمل الكلمة الفكرة ونقيضها.
ويقول أورويل بتبعية "نيوسبيك" لقواعد اللغة الإنكليزية في نحوها، لكن ضمن شروط أكثر صرامة وتعيينات أكثر حدّة؛ فنُبذت المترادفات أو المعاني المزدوجة المتناقضة والمجازات غير المرغوب فيها، ليستطيع مواطنو الدولة التحدث بها بجانب اللغة القديمة "أولدسبيك".
وطالما نحن عبيد للكلام- كما ذكرنا آنفاً- فهذا يشير إلى العلاقة الوطيدة بين الوعي واللغة والتفكير، وأساليب التلاعب اللغوي بآليات الوعي والتفكير لنصبح فعلاً عبيد للكلمات عبر إيحاءات ذات قوة وتأثير في الأحاسيس، وبالتالي الإدراك برمته. فالمتحدث يمتلك القدرة، لبلاغته وتشابيهه ومجازاته، على خلق صورة في ذهن السامع، لها تأثير مباشر عليه.
هذا الهاجس الأورويلي مستمد لا شك من دور اللغة في فرض سيطرة رجال السياسة، وما يلعبه "الكلام المزدوج" في إضفاء الصفة المضللة على اللغة السياسية. ودورها الخطير في تشكيل الوعي وبناء المعتقدات والأفكار عن طريق الكلمات والمجازات ومستويات اللغة النسقية والذهنية وتحولها إلى منتج سياسي موضوعي (يصف أورويل في رواية 1948 الأخ الأكبر بقوله: "لم يكن ثمة ما يسمع ما كان يقوله الأخ الكبير، فقد كانت مجرد كلمات تشجيعية معدودة تشبه تلك الكلمات التي لا يستطيع أحد تمييزها و التي كان يتمتم بها من معمعة المعارك". *
يخبرنا أورويل، بصدق، عن وقوعه هو نفسه في المحاذير التي أشار إليها؛ إذ ليس جميع ما أتت عليه هذه المقالة صحيحاً بدرجة مطلقة. ومن المنطق القول بوجود استخدام صيغ المبني للمجهول بحكم الدور القواعدي والوظيفي والبلاغي لهذه الصيغة، ولا يمكن شطبها ببساطة، نظراً لأن كتّاب بعينهم لا يروق لهم أورويل، يستخدمون هذه الكلمة أو تلك... هذه الصيغة أو غيرها.
وكثيراً ما لعبت صيغ المبني للمجهول دوراً بلاغياً هاماً في النثر أو الشعر، ولا يمكننا الاتفاق مع أورويل بفقدان النص أو صاحبه للمصداقية المطلوبة باستخدام هذه الصيغة؛ كما تتلاقح جميع اللغات في ما بينها لدرجة يصعب فيها الاستغناء عن هذه العلاقة التكافلية. والإنكليزية ليست نمطاً شاذاً عن هذا؛ فالكثير من الكلمات الدخيلة من اللغات الأجنبية هي في معظمها ذات طابع تخصصي وصفي فريد لا وجود لمقابل إنكليزي له.
وقد أحصى البعض ما نسبته 20% من صيغ المبني للمجهول في مقالته هذه لوحدها. مع التأكيد أن قاموس ويبستر استعرض دراسات إحصائية لتكرار صيغة المبني للمجهول مقابل صيغة المبني للمعلوم في الدوريات المختلفة أظهرت أن أعلى نسبة صيغ المبني للمجهول في الإحصائيات المذكورة (عددها ثلاثة) لا تتعدى 13% ** . وكثيراً ما لعبت صيغ المبني للمجهول دوراً بلاغياً هاماً سواء في النثر أو الشعر، ولا يمكننا الاتفاق مع أورويل بأن استخدام هذه الصيغة يفقد النص أو صاحبه للمصداقية المطلوبة.
والإنكليزية ليست نمطاً شاذاً عن هذا، فالكثير من الكلمات الدخيلة من اللغات الأجنبية (الفرنسية الوسيطة والحديثة واللاتينية والعربية والإغريقية والألمانية.. ولغات المستعمرات.. إلخ) هي في معظمها ذات طابع تخصصي وصفي فريد لا وجود لمقابل إنكليزي له مثل alcohol العربية و déjà vuالفرنسية وAlgebra وAlgorithms ذات الأصول العربية أو schadenfreude (وقد نبهني إلى هذه الكلمة الأخيرة أحد الأصدقاء مشكوراً في سياق النقاش حول مقالة أورويل هذه). وهذا يشبه طلب الاستغناء عن عديد من الكلمات ممن يستخدم اللغة العربية بحجة كونها دخيلة مثل رزنامة وبرنامج وبهارات وبنكرياس وغيرها.
حظيت مقالة أورويل بهذا الاستقبال الحافل نظراً لسمعة كاتبها، وليس لقيمة تحتويها بحد ذاتها، ولهجومه الشرس على رجال السياسة (من يحبهم أصلاً!). ، ولعل هذا ليس من اختراع أورويل، فما زلنا نردد الحكمة الكونفوشيوسية: "خلق مجاز الأسماء للأغراض السياسة أفسد المجتمع". بهذا المعنى، يرى أورويل استخدام السياسي "الخبيث" لكلمات رنانة (مثل: الظواهر والاستراتيجية والمنهجية والبروليتاريا والديمقراطية) وهو لا يقصد بها توضيح فكرة ما، وإنما حجبها خلف جدار من الغموض، مثلما يفعل "المحتال" الذي يربك ضحيته بالكلام السريع والمعقد.
ويمنحنا الواقع العربي المعاصر قراءة مقالة أورويل بحيوية استثنائية كافية لندرك أن "الأمراض اللغوية" المشخصة لا تقتصر على اللغة الإنكليزية، فهي صالحة لتشريح أي خطاب سلطوي. وتكاد تغص المصطلحات السياسية العربية المعاصرة بالكثير من هذا "التضليل" (Bamboozlement) الذي حذر منه أورويل، خاصة في البيانات الرسمية. فيصبح ـ"الهروب نحو البلاغة" الملجأ الأخير لكل سلطة عاجزة عن مواجهة الحقائق العارية.
ومن هنا يكتسب تحذير أورويل -في سياق لغتنا العربية- أبعاداً إضافية، فنحن نعاني من الترهل اللفظي (اقرأها الإنشاء)، وهو ما يسميه أورويل "الكلمات التي لا معنى لها" فنجدها في الخطاب الذي يقدس "الرنين" على حساب "المعنى"، فتكثر الجمل الاعتراضية الطويلة والنعوت المكررة (مثل: "الجهود الدؤوبة والمستمرة واللامحدودة")، وهي كلمات لا تضيف معنى بل تعمل مثل "اسفنجة صوتية" أو "مخدر صوتي" يغطي على غياب الإنجاز الفعلي والإبانة.
كل هذا يضاف إلى "موضة" المصطلحات "المستوردة"، والكلمات المقحمة للإيحاء بالعمق، فيغرق الخطاب في حشو مفاهيم "مُعربة" قسراً لإضفاء صبغة "علمية" زائفة على أفكار بسيطة أو متهافتة، ويمكن رصد ظاهرة "الفرنكوفونية" أو "الأنكلوفونية" لا سيما في خطاب النخبة، حيث تتناسل كلمات مثل "أجندة"، "باراديم"، أو "جيواستراتيجية" "جيوبوليتكي" في سياقات بسيطة للإيهام بقدسية النص وصعوبة نقده.. إلى جانب صيغ المبني للمجهول التي تحمل في طياتها -وإن بطريقة غير مباشرة أو لا واعية- التهرب من المسؤولية؛ فاستخدام عبارات مثل "تَقَرر" أو "يُلاحظ أن" أو "سُفكت الدماء" أو "تقتضي المصلحة الوطنية" أو "تَقَرَّرَ اتخاذ إجراءات"؛ هو الجوهر الذي تحذر منه المقالة في اختفاء "الفاعل الحقيقي" من الناحية السياسية، أي الحكومة أو المسؤول، خلف ستار المجهول، تماماً كما حذر أورويل من هرب السياسيين من المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
يحذرنا أورويل من أننا حين نستخدم هذه التعبيرات الجاهزة، فإننا نسمح للغة بالتفكير نيابة عنا. إذا عجزنا عن وصف أزمة سياسية دون اللجوء إلى تلك "الاستعارات الميتة"، فقد استسلمنا بالفعل لقوالب السلطة اللغوية التي صُممت لتمويه الحقيقة دون إظهارها.
ويمكن الإشارة إلى الكثير من هذه الاستعارات "الميتة" أو المستهلكة في الصحافة العربية كتعابير فقدت قدرتها على إثارة الخيال وأصبحت مجرد "قطع غيار" لغوية جاهزة تُركب في أي مقال دون تفكير. كما أن العديد منها -ومنها ما حذر أورويل من استخدامها-؛ هي تراكيب لغوية كانت "حية" ومبتكرة في زمن مضى، لكن كثرة تداولها حولتها إلى "قطع جامدة" يستخدمها الكاتب دون أدنى مجهود ذهني. مثل "زوبعة في فنجان"، أو "ذر الرماد في العيون"، أو "قلب الطاولة"، "جعجعة بلا طحن"، "قاب قوسين أو أدنى"، "عاد بخفي حنين"، ، معالجة الأمر بمقتضاه"، "في مهب الريح"، "خارطة طريق"، "الضرب بيد من حديد"، أو "الكرة في ملعب الطرف الآخر"... وما إلى ذل؛ هي نماذج من "اللغة المعلبة"، والمشترك بينها غياب الصورة الذهنية. فعندما يكتب الصحفي "زوبعة في فنجان"، فهو لا يتخيل زوبعة ولا فنجاناً، بل يضع العبارة آلياً كـ "سدادة" للفراغ.
هذا هو الخطر الذي نبهت إليه المقالة، أي أن تفطر اللغة "نيابة عن الكاتب". فضلاً عن الاستسهال الفكري، فاستخدام هذه الكليشيهات في الخطاب العربي المعاصر يعفي الكاتب من دقة الوصف، دون أدنى جهد لتشريح طبيعة الخلاف أو حجم المشكلة، يكتفي بـ "زوبعة في فنجان" لتسخيف الحدث دون دليل.
وللغرابة؛ تنتقل هذه "العدوى الاستعارية اللغوية" مثل (انتشار النار في الهشيم)؛ فبمجرد استخدامها من كاتب معروف، سيتبعه البقية، مما يؤدي إلى "نمذجة" الوعي الجمعي في قوالب مجازية ضيقة تخدم السلطة أو الرأي العام السائد.
فحين نقرأ عبارة "قاب قوسين أو أدنى" لا نتخيل "قوساً" ولا "مسافة"، بل توضع آلياً كمعادل لغوي لكمة أبسط وأوضح وتلقائية وهي "تقريباً. فـ"قاب قوسين أو أدنى" جملة "سابقة التجهيز" تعفي الكاتب من عناء ابتكار وصف طازج يعبر عن اقتراب الحدث فعلياً. علماً أنها في الأصل صورة بليغة تعبر عن شدة القرب، لكن كثرة تداولها في الصحافة السياسية حولتها إلى "حشو لفظي"Verbal Filler . تشبع عمليات التجميل التي باتت شائعة في يومنا هذا.
ومثلها "الضرب بيد من حديد" كنوع من الادعاء الفارع بالقوة لإضفاء هيبة وهمية على "الريح العادية أو المحضة" ورغم عنف الصورة في المجاز لكن استخدامها البارد يتحول إلى وصف الإجراءات البيروقراطية أو القانونية الغامضة، لكنها تمنع القارىء، في ذات الوقت، من طرح أسئلة حقيقية: مَن الذي يضرب؟ ومَن المضروب؟ وما هي "اليد" أصلاً؟ إنها استعارة تُستخدم لتغطية الفشل في السياسة بغلاف من القوة اللفظية.
وما نقول عن "في مهب الريح"؟ ... إن مكمن التهافت هنا يعود إلى المعنى الذي ترمي إليه العبارة، أي الهروب الأقصى نحو "البلاغة العاطفية". حين نقرأ أن "عملية السلام في مهب الريح"، نستنتج أن الكاتب أو المحلل يتجنب التشريح المادي لأسباب الإخفاق، ليتحول التعبير إلى حالة من المأساوية "الشاعرية" بديلاً عن تقديم تشخيص سياسي دقيق، وكأن الفشل قدراً طبيعياً (ريح عادية) وليس نتيجة قرارات بشرية.
بقي أن نلاحظ كيف يسمح مبدأ التعميم المستعمل في المقالة بتوجيه الاتهامات على الصعد المختلفة كافة، دون تمييز ودون مزاعم مبرهنة، باستخدام توصيفات معيارية ذات سمة عمومية للغة السياسية ومقارنتها بما هو متاح في اللغة الإنكليزية "غير السياسية". ولكن هذه الحماسة بالعودة إلى استعمال الجذر السكسوني لا تعني ثراءً في اللغة وفقراً في اللغات الأخرى؛ فالمشكلة في استخدام كلمة "فاشية" لا تعني وجود مشكلة في الأسلوب البلاغي. كما أن القبح كحكم قيمة لا علاقة له بمعنى النفاق أو الشر، وليس بالضرورة أن تمت الكلمات السكسونية القصيرة بصلة إلى "الحقائق أو الخير" أكثر من كلمات اللغات الأخرى لذات المعنى***
ولا بأس من الإشادة بما ورد من ملاحظات توجيهية في المقالة حول ضرورة استخدام الصور والأحاسيس لتوضيح المعنى قبل اللجوء إلى الكلمات، وجعل المعنى مختاراً للكلمة التعبيرية عنه وليس العكس، وتجنب الكلمات والعبارات المبتذلة والمختلطة.
إن القارئ الذي يتأمل نصيحة أورويل بالابتعاد عن الكلمات "الميتة" التي تفكر نيابة عن الكاتب، سيُصدم حين يجد أورويل "العملي" قد صنف زملائه بكلمات إقصائية جاهزة مثل "يهودي"، أو "مثلي"، أو "شديد العداء للبيض". وكأن أورويل "المنظّر" كان يشرح لنا كيف نكشف زيف اللغة، بينما كان أورويل "الشرطي الإمبراطوري" يمارس هذا الزيف ببراعة خلف الستار.
وهذا أكثر من زلة عابرة، إنه تجسيد حي لفساد اللغة الذي حذر منه؛ حيث تحولت بلاغته عن الحرية إلى قناع يخفي تحته ممارسات قمعية. ويرى يعض النقاد مثل فرانسيس ستونور سوندرز وغابرييل روكهيل أن أورويل كان مصاباً بنوع من "الاستعلاء النزيه". فقد كان يرى في نفسه الشخص الوحيد الذي يمتلك "الحقيقة المجرّدة"، وهذا يمنحه حقاً أخلاقياً متخيلاً لكسر القواعد التي يضعها للآخرين.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما يطالب أورويل الكاتب بالنزاهة والوضوح، تكشف الوثائق التي نشرتها فرانسيس ستونور سوندرز**** أنه في العام 1949 سلم أورويل قائمته الشهيرة (التي تضم 38 اسماً لمثقفين وصحفيين اعتبرهم "متعاطفين مع الشيوعية") إلى صديقته سيليا كيروان التي كانت تعمل في "قسم توجيه المعلومات" (IRD) التابع للخارجية البريطانية. لقد سقط أورويل في فخ "اللغة كأداة إقصاء" في اللحظة التي كان ينظر فيها للغة كأداة تحرر."
وفي الحقيقة لا يمكن فصل "تنظير" أورويل اللغوي عن خلفيته المهنية الأولى؛ فقد خدم كشرطي إمبراطوري في بورما (1922-1927). فقد صبغ هذا "الماضي البوليسي" لاوعيه السياسي بنزعة المراقبة والتصنيف. ورغم تبنيه لاحقاً لخطاب تحرري، إلا أن عقلية "ضبط النظام" ظلت كامنة في نصوصه. والدليل على ذلك مقالته هنا التي يمارس فيها دور "شرطي اللغة" الذي يطارد المفردات المتمردة، وهو ذات الدور الذي مارسه واقعياً حين طارد المثقفين "المشبوهين" في قوائمه السرية." يحلل غابرييل روكهيل كيف أثر هذا الماضي البوليسي على لاوعيه السياسي، معتبراً أن أورويل ظل في جوهره 'شرطياً إمبراطورياً يطارد الأفكار المتمردة."*****
ويرى روكهيل أن أورويل طبق مفهوم التفكير المزدوج Doublethink الذي ابتكره في روايته "1984" على نفسه بامتياز؛ وهو القدرة على اعتناق فكرتين متناقضتين في آن واحد. فقد برز كشخص مؤمن بـ "الحرية المطلقة" ومنظّراً لها، لكنه مارس في ذات الوقت "رقابة مطلقة" كمخبر. كان يقدس "الوضوح" في مقالاته، ويمارس "الغموض والسرية" في تقاريره الأمنية. فيظهر كحارس للحرية الفكرية والشفافية، بينما كان في ممارسته الواقعية مخبراً سرياً يساهم في الرقابة الإيديولوجية. وكما يقول روكهيل، يثبت هذا الانفصام تحول الوضوح اللغوي إلى سلاح في يد السلطة إذا انفصل عن الالتزام الأخلاقي الميداني، وأن هذا الانفصام حوّل أورويل إلى أداة طيعة في يد أجهزة الدعاية الغربية لضرب اليسار الراديكالي******
رأى أورويل في عقله الباطن انطباق قوانينه عن وضوح اللغة على الأشرار (الشموليين) لكشف كذبهم، أما هو، المثقف النزيه، فيحق له استخدام اللغة السرية والوشاية لسمو هدفه المتمثل في حماية الديمقراطية.
هذه هي النرجسية التي تجعل المثقف يرى نفسه فوق النقد.
يبرر البعض استخدام أورويل لتلك الأساليب القذرة لرؤيته الستالينية كخطر وجودي. بالنسبة له، لم تكن الوشاية بهؤلاء خيانة لليسار، بل حماية لليسار "الغربي" الديمقراطي من الاختراق السوفيتي والشمولية الشرقية. لكن هذا التبرير يسقط أمام حقيقة تضمينه القائمة ملاحظات عنصرية وجنسية لا علاقة لها بالأمن القومي.
هذا الفعل، حسب روكهيل، كان النتيجة المنطقية لمسار أورويل الذي انزاح تدريجياً نحو "اليسار المتوافق" مع الإمبريالية البريطانية ليرتمي في أحضان مؤسسات الغرب متوهماً قدرته على استخدامها كأداة لضرب خصمه الإيديولوجي، ليقع في الفخ ذاته الذي حذرنا منه؛ فمارس التفكير المزدوج، واستخدم أساليب التصنيف، والإقصاء، وتكوين القوائم السوداء، والوشاية السرية، وهي الركائز الأساسية للممارسة الشمولية.. ويؤكد روكهيل أن أورويل كان يمارس عنصرية إمبراطورية مغلفة بالعداء للشيوعية: "لم يكتفِ أورويل بتقديم قائمة بخصومه السياسيين؛ بل قدم خارطة عرقية وجنسية لأولئك الذين اعتبرهم "غير بريطانيين"... لقد كان هذا عمل رجل ظل، في جوهره، شرطياً إمبراطورياً.
يبرز تحليل روكهيل بوصفه مرجعاً دقيقاً لتشريح هذه البنية. فيوضح كيف رعت الاستخبارات الأمريكية بعض التوجهات المحددة في ميادين الفلسفة والثقافة، وعملها الدؤوب على تركيب وهندسة "ماركسية غربية" منزوعة الدسم تتخلى عن الصراع المادي والطبقي وتتجه نحو النقد الثقافي والأكاديمي. واستهدفت هذه الرعاية تحييد المثقفين الراديكاليين، وتحويل طاقاتهم نحو قضايا نظرية لا تهدد بنية رأس المال، وتضمن، في الوقت عينه، توجيه سهام النقد نحو المنظومة السوفييتية.
ويشرح روكهيل آليات تمويل الاستخبارات الغربية لنخب "اليسار المتوافق"، وتحويلهم كأداة طيعة لضرب الحركات الاشتراكية وتشويهها من الداخل، ويضع الإطار النظري لـ "الحرب العالمية الفكرية" ويناقش كيف استبدلت الماركسية الثورية بما يسميه "اليسار المتوافق" (Compatible Left). فيجادل بأن الاستخبارات والمؤسسات الرأسمالية (مثل مؤسسة فورد والـCIA) روجت لنسخة من الماركسية (الماركسية الغربية، خاصة مدرسة فرانكفورت) تكون "آمنة" ولا تشكل تهديداً للوضع القائم. فاستخدمت هذه النخب الثقافية لضرب "الاشتراكية الموجودة فعلياً" وتشويه الحركات المناهضة للإمبريالية تحت غطاء "النقد الأكاديمي".
يستند روكهيل إلى أبحاث أرشيفية توضح الروابط المالية والمؤسسية بين هذه التيارات الفكرية وأجهزة الدولة الإمبريالية، ويرى أن شهرة أورويل الكاسحة في الغرب لم تكن مصادفة، بل لأن أعماله (مثل مزرعة الحيوان و1984) قدمت النقد الأفضل "من داخل اليسار" للمشروع السوفيتي. وكان الأمر بالنسبة للاستخبارات الغربية، "السلاح الأمثل"؛ لأنه يهاجم الشيوعية باسم "الاشتراكية الديمقراطية"، مما يجعل نقده أكثر إقناعاً للشباب والمثقفين من نقد الرأسماليين التقليدين.
من جهتها، تشير سوندرز، إلى أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) هي من قامت بتمويل إنتاج فيلم كرتوني لرواية "مزرعة الحيوان" وتوزيعه عالمياً كأداة دعائية، وهو ما يؤكد أن أورويل (سواء بعلمه أو من دونه) أصبح جزءً من "ماكينة" الحرب الباردة الثقافية.
لكن روكهيل يذهب أبعد من ذلك؛ فهو يضع أورويل ضمن إطار "صناعة النظرية الإمبريالية": فيعتبر إسهام أورويل الفعال في صياغة "يسار" يرفض الثورة الفعلية ويركز فقط على نقد الاستبداد (المحصور في الطرف الآخر)، مما أدى في النهاية إلى تحييد الحركات العمالية في الغرب وجعلها "متوافقة" مع النظام الرأسمالي. ومثل هذا التناقض يجعل "قضية أورويل" واحدة من أكثر السجالات الفكرية إثارة للجدل في التاريخ الحديث. فالغرابة تكمن في أن أورويل لم يكن مجرد كاتب، بل كان "ضمير اليسار"، وهو الشخص الذي شرّح في مقالته المترجمة هنا كيف تُستخدم اللغة لخداع الوعي وتبرير ما لا يمكن تبريره. وثمة عدة تفسيرات لهذا التناقض الصارخ الذي تشير إليه سوندرز وروكهيل، ففي مقالته، يهاجم أورويل اللغة التي "تمنح مظهر الصلابة للريح المحضة". لكن النقاد يرون أنه سقط في الفخ ذاته؛ فبينما كان يحذر من "الأخ الأكبر"، كان هو نفسه يمارس دور "عين الأخ الأكبر" بإرسال قوائم بأسماء زملائه. هذا يعكس "انفصاماً" بين المُنظّر والممارس.
ويجدر بالقارئ العربي تأمل النص بعين ناقدة؛ فالمفارقة التاريخية تكمن في أن صاحب دعوة "الوضوح والنزاهة اللغوية" هو ذاته الذي مارست لغته الخاصة -في سياقات أخرى- نوعاً من الإقصاء والوشاية.
خاتمة: أورويل ضد أورويل
إن قراءة مقال "السياسة واللغة الإنكليزية" اليوم لا تكتمل إلا بوضع القلم الذي كتبه تحت مجهر النقد التاريخي. لقد قدم لنا أورويل في هذا النص "كتالوغ تشغيل" للحرية اللغوية، ومشرطاً لاستئصال أورام البلاغة الزائفة، لكنه في الوقت ذاته، قدّم لنا -بفعلته التاريخية- درساً قاسياً في النرجسية الأخلاقية والعمى الإيديولوجي. وتكمن مأساته، واقعياً، في أنه سقط في فخ التفكير المزدوج الذي حذرنا منه في روايته "1948"؛ فقد أقنع نفسه بأن الوشاية هي قمة النزاهة، وأن التصنيف العرقي والجنسي هو محض دقة وصفية. وهذا ما حوّله من ضمير اليسار إلى عين السلطة.
لقد كان الشرطي الإمبراطوري الكامن في وعيه الباطن أقوى من المثقف الثائر الذي يظهر على الورق. إن قراءة أورويل اليوم تتطلب منا تقديراً لجماليات منطقه اللغوي، وحذراً من تناقضاته السياسية التي جعلت من لغته "الواضحة" أداةً في يد أجهزة لم تكن تسعى دائماً للحقيقة. فما بين أيدينا أحد أكثر النصوص تأثيراً وإثارة للجدل في القرن العشرين لجهة تشريح العلاقة العضوية بين فساد الفكر وفساد اللغة، وكيف يبدأ الاستبداد من التلاعب بالمفردات.
ولكن، وجب التنويه إلى أن هذا النص يحمل خصوصية بنيوية شديدة؛ فأورويل يكتب عن "أمراض" اللغة الإنجليزية (مثل الاستعارات الميتة، والحشو اللفظي، والكلمات التي لا معنى لها). لذا، فإن الترجمة مهما بلغت دقتها، قد تفقد بعض "الظلال" الدلالية التي يقصدها في لغته الأم. إن وعورة هذا النص تكمن في أنه عن اللغة باللغة؛ لذا أنصح القارئ بمزيد من الصبر والشغف أثناء القراءة، ومراجعة الهوامش للحفاظ على الفكرة الرئيسة ، ووضع النص الأصلي (الإنكليزي) بمحاذاة هذه الترجمة، ليس لاختبار دقتها، بل لاستشعار "الجرس" والموسيقى والتركيب الذي يهاجمه أورويل أو يمتدحه.
وتكمن صعوبة الترجمة بسبب الأمثلة العديدة التي تفتقر لمقابل "حرفي" لها في اللغات الأخرى؛ لا سيما أن معظمها أتى على هيئة مجازات واستعارات وكنايات لا تمت بصلة للمعنى الأصلي للكلمة الرئيسة في العبارة (علماً أن هذه المجازات ذاتها يمكن التعبير عنها بلغة مختلفة في سياقات أخرى وهو ليس موضوع هذه المادة). وسوف يلاحظ القارئ تعمد ترجمة بعض الكلمات بطريقة معجمية لتقريب فكرة أورويل في توضيح ملاحظاته النقدية. ولا مناص من العودة للنص الأصلي، كلما أشكل الأمر على القارىء.
ومن هنا فهذه الترجمة والتعقيب عيلها دعوة للقارئ لتبني قواعد أورويل الست ليس بوصفها وصايا مقدسة من قديس سياسي، بل بوصفها أدوات نقدية نستخدمها ضد أورويل نفسه وضد كل خطاب سلطوي -سواء كان غربياً أو شرقياً- يحاول حجب الحقيقة خلف جدار من البلاغة الميتة.
إن قيمة هذا المقال اليوم لا تكمن في نزاهة صاحبه، بل في قدرة هذه القواعد على فضح أي "زمار" يدفع له "الأخ الأكبر" أجره، حتى لو كان هذا الزمار هو جورج أورويل ذاته.
..................
*قد يبرز مبرر أخلاقي لهجوم أورويل على اللغة، أما ما عدا ذلك فيبدو كلامه مجرد ادعاء أجوف؛ إذ لا يمكن تخلص أية لغة من مجازاتها، ولا يمكن القضاء على لغة المعيش اليومي للناس. وليس هذا فحسب، فالسؤال الأهم سيكون: ما الفائدة من ذلك؟ طالما تُعدّ هذه اللغة مبتذلة وفاسدة، فلماذا مازال الناس يتداولونها دون أي شعور بذنب.
ومن جديد لا يؤدي هذا إلا إلى استدامة الفكر السطحي حتى لو كان براقاً، ولا يعمل أكثر من سبغ المظهر الصلب على الرياح النقية الخفيفة.
**للمزيد راجع، Dictionary of English Usage p. 720. Merriam-Webster.
*** للمزيد انظر، Menand, Louis (19 January 2003). "Honest, Decent, Wrong". The New Yorker. Retrieved 21 October 2021.
****تشير فرانسيس ستونور سوندرز إلى المفارقة الصارخة في انتهاء أمر الرجل الذي صاغ مصطلح "شرطة الفكر" في رواية "1984" للتحذير من المراقبة الشمولية، ليلعب دور "المخبر" لصالح ذراع دعائي سري للدولة، فلم يكتفِ برصد التوجهات السياسية، بل ضمن قائمته ملاحظات شخصية حول العرق والميول الجنسية (وهذه الأخيرة كعلامة إدانة أو كدليل على أن الشخص "غير موثوق" أو "قابل للابتزاز") ، بما يعكس جانباً من الراديكالية المتطرفة في عدائه للستالينية التي أعمت بصيرته عن مبادئه الليبرالية. وترى سوندرز أن هذا الفعل يفكك صورة أورويل "كقديس سياسي" أو مدافع نقي عن الحريات، حيث تحول من منتقد للرقابة إلى ممارس لها عبر محاولة إقصاء هؤلاء الأشخاص من العمل الثقافي والإعلامي في الغرب. وتنقل الملاحظات التي كتبها أورويل بخط يده في "دفتره الأزرق" قبل تسليمه القائمة لتستنتج أن أورويل كان يمارس "تحرياً شخصياً" يتسم بالضيق والتعصب والتحيز المسبق الذي يتجاوز الصراع الإيديولوجي، وليس مجرد تقويم سياسي موضوعي للأمن القومي. فقد أضاف -كما تشير سوندرز في سياق تحليلها لهذه الملاحظات إلى الطابع الإقصائي لهذه التصنيفات- ملاحظات "إثنية" و "عرقية": "كان هناك دفتر ملاحظات أدرج فيه [أورويل] أسماء "الشيوعيين المتخفين"... وبجانب الأسماء، أضاف ملاحظات شخصية: "يهودي؟"(مثل نيل راو، إسحاق دويتشر، وسيدني مائير)، "يهودي إنكليزي"، "يهودي بولندي"(ركز على من هم من أصول بولندية أو من أوروبا الوسطى واصفاً إليهم بأنهم "ليسوا إنكليزاً بما يكفي"... فعلى سبيل المثال، كتب بجانب اسم تشارلي شابلن: "يهودي؟"، وبجانب بول روبسون (الفنان الأمريكي الأسود): "شديد العداء للبيض". كما أشار إلى البعض بصفتهم "هنود" أو "معادين للبيض". وتضيف سوندرز في تحليلها: "كانت قائمة أورويل بمثابة ممارسة خاصة للتعصب... إن إدراجه لفئات "مثلي الجنس" أو "يهودي" كوسيلة لتحديد عدم الموثوقية السياسية يظهر سقطة صادمة في القيم ذاتها التي ادعى الدفاع عنها." انظر، Saunders, Frances Stonor. Who Paid the Piper? The CIA and the Cultural Cold War. (London: Granta Books, 1999), pp. 298-299.[راجع أبضاً الترجمة العربية : من الذي دفع للزمار: الحرب الباردة الثقافية، المخابرات المركزية الأمريكية وعامل الفنون والآداب (2009 ، الطبعة الرابعة). ف. س. سوندرز. ترجمة طلعت الشايب، مراجعة عاصم الدسوقي. المشروع القومي للترجمة. القاهرة. مصر. ]
*****Rockhill, Gabriel. Who Paid the Pipers of Western Marxism?. New York: Monthly Review Press, 2025), Chapter 1, p. 18.
****** المصدر السابق ص 15-21

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى