Yehuda Amichaï Mohammad-Rezâ Abdolmalekiân
نعم، أتحدث عن شاعريْن بينهما مسافات جغرافية وزمانية ومعتقدية، لكنهما في الكثير مما أفصحا عنه، وآمنا به، كما تقول مواقفهما، وكتاباتهما " الشعرية هنا "، يقرّبان بين المسافات تلك، و" يفلتران " ما هو ثقافي، ديني، واجتماعي في آن، ومن جهة الحضور الزمني: الشاعر اليهودي المعروف جيداً: يهودا عميحاي Yehuda Amichaï" 1924-2000 "( قرأت في مكان ما، بالفرنسية، أن الاسم عبري، ويعني: شعبي حي Mon Peuple vit )، والشاعر الإيراني المشهور والمعاصر الأحدث من جهته: محمد رضا عبدالملكيان Mohammad-Rezâ Abdolmalekiân" 1956-...".بين وفاة عميحاي وولادة عبدالملكيان " 36 "، وهي فترة تؤخَذ في الاعتبار التاريخي، الثقافي، الاجتماعي، التربوي والمعتقدي، جهة الظروف وملابساتها، حيث الأول عاض شبابه في خضم الحرب العالمية الثانية وشهد أوارها وأهوالها، وأدرك ما يعنيه أن يكون داعية سلام لا حرب، أن يبحث الصديق لا العدو، كرمى حياة مشتركة. الحرب لا تستولي على العمر الذي عاشه أحدنا في ظلها زمنياً، وانطلاقاً من نوعيتها طبعاً، إنما تغيّر في تكوينه النفسي وذاكرته ورؤيته للآتي بالتأكيد.
الحياة دعوى إلى التشارك من حيث الجوهر، لكنها جيّرت تحت وطأة الظروف وزعم شرعنتها.
في الأدب ثمة فسحات لهذا الهمّ الكوكبي، وبمساعي الخيال توسيعاً لمغازي الحرب و" مخازيها " وتعميقها، وحدهم ممن يدركون أي ويلات تستولدها الحرب، من خلال مفهوم " العدو" يمكنهم الإدلاء بشهادتهم.
أشير هنا، في التقديم لهذين الشاعرين، إلى مما ينير هذه العلاقة ويصوّب المضلّل ضمناً، انطلاقاً من رؤية كاتب، ومفكر هو كارل شميت، كما يستعرض أحد الباحثين فكرته وأنا أوجزها:
( كل علاقة، في جوهرها، هي علاقة مع الآخر. الصورة النقية للعلاقة، مجردة من كل مضمون جوهري، هي دائمًا وحصرًا علاقة الذات مع اللاذات. عندما تمتلئ هذه الصورة النقية للعلاقة، عندما يُنسب إليها مضمون، فإنها تظهر في صورتين: العداء والضيافة. وهكذا، فإن العلاقة مع الآخر، علاقة الغيرية، مجردة من دلالاتها الميتافيزيقية، تكشف عن نفسها كعلاقة ضيافة أو عداوة، أي كعلاقة سياسية وأخلاقية.
في المعرفة الاشتقاقية واللغوية نجد صدى هذه الحقيقة الميتافيزيقية. بيّن إميل بنفنيست، في كتابه الكلاسيكي "مفردات المؤسسات الهندو-أورُبية"، أن مصطلحي "عدو" و"مضيف" يشتركان في الجذر نفسه: "hostis". تجمع هذه الكلمة اللاتينية بين المعنى السلبي للأجنبي - عدو مُهدِّد وخطير ومعادٍ - والمعنى الإيجابي والمُفضَّل للأجنبي - ضيف. إليكم التفسير الذي اقترحه بنفنيست:
«من بين المصطلحات الشائعة في مفردات لغات أورُبا في عصور ما قبل التاريخ، يكتسب هذا المصطلح [*hostis*] أهمية خاصة: فكلمة *hostis* اللاتينية تُقابل *gasts* في اللغة القوطية و*gostĭ* في اللغة السلافية القديمة، والتي اشتُقت منها أيضًا كلمة *gos-podĭ* بمعنى "سيد"، وهي مُشتقة من *hospes*. لكن معنى *gasts* القوطية، و*gostĭ* السلافية القديمة، هو "مضيف"، بينما معنى *hostis* اللاتينية هو "عدو".» ولتوضيح العلاقة بين "مضيف" و"عدو"، من المُسلّم به عمومًا أن كلتيهما مُشتقتان من معنى "أجنبي"، وهو معنى لا يزال موجودًا في اللغة اللاتينية؛ ومن هنا جاء "غريب ودود ← مضيف" و"غريب عدائي ← عدو". (بينفينيست 1969: 92)
و:في كتابه "مفهوم السياسة"، يُقدّم شميت سلسلة من التعريفات ليُبيّن أن السياسة، لكي تُعتبر مستقلة، يجب أن تمتلك معيارًا مميزًا، تمامًا كالاقتصاد والجماليات والأخلاق. ويُحدّد شميت هذا المعيار في ثنائية الصديق والعدو: "إن التمييز المحدد للسياسة، الذي يُمكن اختزال الأفعال والدوافع السياسية إليه، هو التمييز بين الصديق والعدو" (شميت 1989: 66)...)
يُنظر حول ذلك:
Ernesto Sferrazza Papa: L’autre, l’ennemi, l’hôte : politiques pour celui qui vient
إرنستو سفيرزا بابا: الآخر، العدو، الضيف: سياسات القادم ( طبعاً، يجري التركيز هنا على كتاب جاك دريدا: سياسات الصداقة، الذي قمتُ بترجمته كاملاً عن الفرنسية، مع إضافات، وصدر حديثاً عن دار " أهوار- بغداد ".
أشير في مثالي الثاني إلى الأكثر قرباً من موضوعنا، ربطاً مع مفهوم مقابل للعدو، والمعني هو " نيتشه "، الأشهر من أن يعرَّف بهذا الصدد:
قول نيتشه،في " ماوراء الخير والشر" إذا لم يكن هناك يقين بشأن الصداقة أو العداوة، فذلك لأنه لا يوجد يقين بشأن التناقض بينهما. بين الصديق والعدو، كما يقول نيتشه، لا يستطيع المجنون (الفيلسوف الجديد) أن يختار. حيث لا يلزم سوى القليل جدًا لكي يتوقف الصديق أو العدو عن كونه صديقًا أو عدوًا.
ينظر حول ذلك أيضاً :
Jacques Derrida - ""Politiques de l'amitié", suivi de "L'oreille de Heidegger"", Ed : Galilée, 1994, p44
جاك دريدا - "سياسة الصداقة"، متبوعًا بـ "أذن هايدغر"، دار النشر: غاليليه، 1994، ص 44
يستدعي ذلك موقف فرويد من أي قيمة مثارة هنا وهناك" لا خير مطلق، لا شر مطلق، لا عداوة مطلقة...إلخ "، والذين ينشغلون بما هو فكري ومن خلال تحرّي ما هو تاريخي ومتغيرات كل مفهوم، يكونون شهوداً ذوي قيمة في هذا الشأن .
لهذا كان العنوان والذي يشير إلى شاعرين معروفين تماماً، يساقان في نطاق " خمّى " المطلق الموجَّه، العدو. وبعيداً عن مفهوم " الشعب " إذ إن النظام بمنظومته الأخلاقية حاضر هنا، والكاتب برؤيته لما يجري وإرادة البحث عن الحقيقة والشجاعة المطلوبة، مسميتان هنا.
رغم التباعد الزمني المذكور، ورغم سخونة الرؤية المتبادلة بين طرفين، ورغم الضخ الإعلامي والتعبوي وخاصية التجييش العقائدية وغيرها، نجد هناك خروجاً عمّا هو قطيعي. وفي الوقت الذي يكون المطروح : ليس التواجه. فعميحاي لا يتحدث عن إيران، وكذلك عبدالملكيان لا يتحدث في جملة قصائده المختارة لا يتحدث عن إسرائيل( في التقديم عنه ثمة إشارة إلى العراق. أي حرب الأعوام الثمانية بين العراق وإيران. لكن الجوهر يتمحور حول الحرب والموقف منها)، حيث إن محتوى المسطور يقرّبهما من بعضهما بعضاً، رغم أن عميحاي لحظة اقتفاء سرديته الحياتية، أكثر حضوراً، إن روحي موقعه، وتاريخه، والمناخ السياسي الذي عاش فيه وشهد توتراته الكبرى.
لكن الرهان على السلام، ولو في زوايا معينة، يهيب بالمأهول بالحياة لأن ينظر في أمره، ويلغي المسافة الركامية.
وما تمكنتُ من نقله عن الفرنسية بداية، جهة تنوير الاسم :الشخصية وشذرة معلومات عنه، ومختارة، تعزيز لهذه العلاقة، وفي الوقت عينه، سعي إلى النظر عالياً، وعن بعد، ومعايشة السلام رغم كل أهوال الحرب ذات الصفة الكونية المصغرة التي نعيشها هنا في رقعات جغرافية واسعة" حيث الولايات المتحدة وإسرائيل مقابل إيران، في الواجهة ، لكن ماذا عن دول المنطقة، وتبعات هذه الحرب الفظيعة/ الكارثية هنا وهناك عالمياً؟ كما لو أنهما حاضران برهان السلام ووجوبه سريعاً.
لقد أوردت اسميهما وفق تسلسلهما الزمني كما ذكرت، ليكون هناك مجال لمقابلتهما ببعضهما بعضاً.
لم يأت هذا السعي من جهتي اعتباطي، فأنا كغيري، أرى مجرد التفاعل مع وضع مركَّب كهذا، والتنور به، تقليص لساحة الحرب الفضائية ومسرحها الأرضية والبحرية، وفي الصميم، الحفاظ على ذاكرة جماعية مؤهلة لأن تجعلنا شركاء الحياة وبناتها معاً. في الحرب يحتاج المرء" المشارك فيها " إلى شجاعة ليتمكن من المواجهة، وتجنّب الإصابة أو الموت مع آخر، كما يُطلَب منه، بينما في السلم، خارج أتون الحرب، فالشجاعة المسماة خلاف تلك، تتوقف على المعني المفرد المرصود أحياناً، وبناء على مبدأ دون احتساب للنتيجة، لأن العلاقة مختلفة، و" العدو : شخصاً أو فكراً " غير مرئي، ليكون هو الشاهد والشهيد معاً.
يهودا عميحاي: حارس القدس
Yehuda Amichaï
المراجِع
كان يهودا عميحاي حكيمًا من بين الحكماء الذين قد يصادفهم المرء في القدس. حمل عبء هذه "مدينة السكاكين"، هذه المدينة، جرحٌ في الجانب النازف من التاريخ، مدينة الوحدة أيضًا، فالسكاكين والوحدة تنبعان من جذر واحد في اللغة العبرية. لم ينسَ القدس. وهو أكثر الشعراء اليهود ترجمةً منذ الملك داود.
وُلد في أرض الجلادين، وعلى لغتهم، في فورتسبورغ، ألمانيا، عام ١٩٢٤. نشأ في أسرة متدينة هاجرت إلى إسرائيل عام ١٩٣٥. أكمل تعليمه العالي في مدارس دينية. خدم في الفيلق اليهودي بالجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية. انتمى إلى جيل البلماح (جيش التحرير اليهودي)، وقاتل في حرب الاستقلال عام ١٩٤٨ وحملة سيناء، لكنه سيتذكرها لحبها للآخرين، لا للقتال. درس الأدب والكتاب المقدس، وعمل أستاذاً لسنوات عديدة. توفي بعد صراع طويل مع المرض، في مسقط رأسه، واختلط رماده برماد أجداده. كان ذلك في الثاني والعشرين من أيلول عام 2000. في خريف الفصول، في خريف آمال كثيرة لهذا المناضل المتحمس من أجل السلام. كان عمره 76 عاماً.
عاشق السلام
"أنا عاشق للسلام!" هكذا أعلن، ورفض أن يُخلّد ذكره بأي تكريم، ومنع أي شخص من الإشارة إليه كشاعر وطني لإسرائيل. وقد أصبح كذلك الآن. اقترب عدة مرات من الفوز بجائزة نوبل، ولكن بما أن أغنون قد حصل عليها عام 1966، ورابين وبيريز حصلا عليها لاحقاً للسلام، فقد تم تجاهله. رأت لجنة التحكيم السويدية أن إنسانية أعماله العظيمة تستحق جائزة نوبل للسلام بدلاً من جائزة نوبل في الأدب. نهج غريب حقاً. من حياته المضطربة وإعادة تعلمه لغة جديدة، لم يستخلص سوى درس واحد: الأمل. تحرر من كل القيود الدينية والسياسية. وبعيدًا عن النزعة القومية، يناضل شعره ضد الحرب والعزلة.
كان رجل سلام ورحمة بكل معنى الكلمة.
أرجوكم، لا ترموا حجرًا آخر. إنكم تُثيرون الفتنة في أرضي، أرضي المقدسة، أرضي المفتوحة. إنكم تُحركونها نحو البحر، والبحر لا يريدها. البحر يقول: "ليس في داخلي".
كان ينتمي إلى ذلك الجيل الذي سيكتشف المحرقة، وكتابه "لا الآن ولا هنا" يحمل أثرها المدمر. لم ينعزل في هذا الألم الذي لا يوصف، تاركًا لآخرين مثل بول سيلان مهمة الشهادة. لم تعد لغته الألمانية الأم، بل العبرية، لغة الأنبياء، ولغة عامة الناس أيضًا. لغة الحياة اليومية، لغة الأشياء، لغة جثث الحرب، لغة جمال العشاق والأطفال. لقد حدثنا عن المجتمع الإسرائيلي، الذي غالبًا ما استطاع أن يجسد نبضه من خلال مواقفه الشجاعة والكريمة. في جنازته في الخامس والعشرين من سبتمبر/أيلول عام 2000، وقف آلاف الناس ليودعوه، الشاعر العظيم ومؤسس اللغة العبرية. لقد منح معنىً لحياة الكثيرين، وللأمة بأسرها. كان جميع المسؤولين حاضرين، لكن هذا كان سيُغضبه بشدة، فقد كان هذا الرجل البسيط يكره التكريمات والأكاذيب التي تُصاحبها.
إلى متى سيفرضون علينا
عهود العذاب،
ومعاهدات اليأس؟
هكذا كان يُشير إلى معظم السياسيين. قلّما شهدنا مثل هذا التلاحم بين شاعر وشعبه، كما كان الحال في زمن الأنبياء، وكان لأميخاي صوتٌ قويٌّ وجريءٌ يُذكّر الجميع بمتطلبات الأخوة الإنسانية. شاعرٌ للجميع، لا لنخبةٍ مُختارة، تحدّث عن الأمل والسلام، وعن جرح الحروب والكراهية القاسي والقاتل. رجلٌ صالح - هذا ما كان عليه هذا الشاعر أيضًا، الذي حمل سلاح الكلمات ليعلّم الجميع محبة جارهم. لا يُمكن قراءة شعره وتحقيقه إلا من خلال محبة الآخرين. تتردد كلمات أميخاي بدقة كدقة المطر على الأرض.
له معجبون في جميع أنحاء العالم. في إسرائيل، انتقده البعض لكونه مجرد شاعر للتصدير، نظرًا لسرعة ترجمة أعماله. وهذا، بالطبع، رأي خاطئ، فكثيرًا ما يصعب ترجمة حداثاته في اللغة العبرية. لكن من الصحيح أن اللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، تُجسّد حداثته البسيطة والمباشرة بشكل جيد. يهتم أميحاي بأن يُفهم. ثم هناك استياء البعض منه لكونه الشاعر المُخالف للتقاليد في إسرائيل المعاصرة، المُتمرد المطلق. فهو قادر على عقد مقارنات بين الله والميكانيكي المحلي الفقير. لذلك، كل شيء قابل للنقاش البنّاء.
قصائده عن الحب، وعن الحياة اليومية، وعن الحرب التي تقتل الخير فينا، وعن نقده اللاذع لوطنه، تُخاطبنا مباشرةً وبعمق. لا ينسى المرء قصيدة لأميحاي بعد قراءتها. إنه في مكانة شعراء عصره العظام. وقد أعجب به صديقه المقرب، أهارون أبيلفيلد. شاعرٌ عادل، رجلٌ عادل، يترك بصمةً جميلةً في أخاديد الحق. وهكذا، كما كتب، يتقدم الناس على الأرض: "منتصبين أو منحنين، ممدودين كخيمة أو محطمين بالحزن، رؤوسهم منحنية كالمذنبين أو مرفوعة، يحتجون على الموت، أو مغمضين أعينهم".
وأمرنا أن نسير ورؤوسنا مرفوعة. لقد لامس جوهر النعمة.
أنا متعصبٌ للسلام: قاتلٌ أسود ذو عيون زرقاء يذبح الشعر المجعد. شعرٌ أملسٌ مُدمرٌ يُهلك البشرة السوداء، وآخر يقطع لحمي ببراعة، وآخر يُقسم دمي. فقط من لا لون لهم، فقط الشفافون هم الطيبون: هم من يُنيمونني بسلامٍ في الليل، ومن خلالهم أنظر لأرى السماء. (أميهاي)
جيل بريسنيتزر
القدس
على سطح مبنىً في البلدة القديمة، ثمة غسيلٌ في آخر ضوء النهار:
ملاءة بيضاء لعدو، منشفة يمسح بها عدوي
عرقه عن جبينه.
في سماء البلدة القديمة، ثمة طائرة ورقية.
وفي الطرف الآخر من الخيط، ثمة طفلٌ لا بسبب الجدار لا أراه.
رفعنا أعلامًا كثيرة، ورفعوا أعلامًا كثيرة.
ليجعلونا نعتقد أنهم سعداء.
ليجعلوهم يعتقدون أننا سعداء.
ترجمة: ميشيل إيكهارد إليال (مجموعة: ملامسة النعمة *Frôtir la grâce*، ٢٠٠٠)
ابني تفوح منه رائحة السلام
ابني تفوح منه رائحة السلام
عندما أنحني عليه،
ليس مجرد رائحة صابون.
كل واحد منا كان طفلاً تفوح منه رائحة السلام
وفي جهات الأرض لم يعد هناك طاحونة هواء واحدة تدور
يا أرضاً مخرَّقة كالثياب
حيث لا يمكن إصلاحها
وأجداد قساة وحيدون في القبور.
صمت الأطفال المشوه.
ابني تفوح منه رائحة السلام.
رحم أمه
وعده بما
لا يستطيع الإله أن يعدنا به.
ترجمة: ميشيل إيكهارد إليال وبيني زيفر
أريحي رأسكِ على كتفي (1978)
أريحي رأسكِ على كتفي
فكتفي
تعلم أشياءً
يعجز عقلكِ عن تخيلها
ولا يستطيع فمكِ قولها
يقول القدر
أن يكون أحدنا كالريح
والآخر كشجرة في مهب الريح
أو كشجرة في يومٍ بلا ريح
يقول القدر
ميلادكِ أثناء الحرب
ينذر بنهايتي.
نهايتي ستكون نهايتكِ اليوم
إلى متى سيظلون يفرضون
علينا عهود العذاب،
ومعاهدات اليأس؟
دعيني أعبر عنها هكذا:
الوقت لا يكفي لنكون
معًا مرتين
لعمرٍ واحد.
دعيني أعبر عنها هكذا:
حتى هذا الحنان، حتى هذا القلب المحدود
ليس إلا كتفًا.
استريحي، استريحي، من أجل هذا.
ترجمة شخصية عن الإنكليزية
عند عودتي
لن أستقبل عند عودتي بأصوات أطفال،
أو نباح كلب وفيّ، أو دخان أزرق، كما
في الأساطير.
لستُ أنا من سينظر إلى أعلى، كما ورد في الكتاب المقدس، فيرى كبشًا.
لقد عبرتُ الحدود إلى اليتم.
ولم أعد يُطلق عليّ لقب جندي مُسرّح منذ زمن طويل.
لم أعد أتمتع بالحماية.
لكنني ابتكرتُ الدموع الجافة.
ومن ابتكر الدموع الجافة في هذا العالم،
ابتكر بداية نهاية العالم، والشق، والخراب، والنهاية.
الترجمة: كوليت سالم
أربع قصائد عن الحرب والسلام (1982)
أ
في حديقة صغيرة، ليست نائية عن بيتي، ثمة لوحة رخامية نُقشت عليها أسماء الجنود القتلى، مكتوبة بوضوح وترتيب، واحدًا تلو الآخر، كقائمة مستأجرين عند مدخل مبنى كبير خالٍ.
أفكر في ذلك الرجل ذي الشعر الأحمر الذي تهاوى هنا، في زوجته ذات الصوت الأجش.
أفكر في المرأة ذات الصوت الأجش، في الرجل الذي مات منذ سنوات.
أفكر كيف أصبحت تلك المرأة ذات الصوت الأجش امرأة هادئة.
إن الفظاعة الحقيقية أولئك الذين ماتوا في الحرب.
لا مجال للاحتجاج على ذلك.
ذات مرة، انفجرت قنبلة قرب محل جزارة:
أُعيد ذبح اللحم مرارًا وتكرارًا.
لكنها لن تؤذي أحدًا بعد الآن، ولم يبقَ منها إلا القليل من الدماء.
أنا متعصب للسلام: قاتل أسود ذو عيون زرقاء يذبح الشعر المجعد.
شعر أملس محطم يدمر البشرة السوداء، وآخر يمزق لحمي إربًا، وآخر ينثر دمي. فقط من لا لون لهم، فقط الشفافون هم الجيدون: فهم يسمحون لي بالنوم بسلام في الليل، وأنظر من خلالهم لأرى السماء.
ترجمة شخصية عن الإنكليزية
أحببناهم (1986)
عبر الليالي الطويلة، كانت غرفتنا معزولة ومغلقة بإحكام
كقبر داخل هرم
فوقنا: صمت غريب، كرمل متراكم
منذ الأزل أمام سريرنا.
عندما كانت أجسادنا تتمدد في نوم عميق،
الجدران كانت لا تزال تلتهم آخر ما تبقّى من أجور
كانت أرواحنا الصابرة لا تزال تحرسها.
هل تراهم الآن؟ قارب ضيق ينجرف إلى الماضي؛
وجهان يقفان على متنه؛ ووجوه أخرى تصطف.
وتخترق النجوم، نجوم حيوات مختلفة؛
وتجرفها مياه النيل في الأسفل.
وكأننا مومياواتان، كنا مقيدين بإحكام في ضمادات
الحب. وبعد قرون عديدة، عندما يحل الغسق؛
عالم آثار مبتهج - يحمل ضوءًا.
ترجمتي الخاصة عن الإنكليزية
يا للأسف، كنا اختراعًا رائعًا (1968)
بتروا فخذيكِ من وركيّ
بالنسبة لي،
ما زالوا جراحين.
جميعهم.
فكّونا.
واحدًا تلو الآخر
بالنسبة لي، ما زالوا مهندسين.
جميعهم.
يا للأسف. كنا اختراعًا رائعًا
رقيقًا.
طائرة مصنوعة من رجل وامرأة.
أجنحة وكل شيء آخر.
حلقنا قليلًا فوق الأرض.
حتى أننا طرنا قليلًا.
ترجمة آن لوازو عن الإنكليزية
أي نوع من الأشخاص؟
"أي نوع من الأشخاص إذن أنت ؟" أسمعهم يسألونني.
أنا شخص بروح معقدة،
وأدوات متطورة للشعور، ونظام ذاكرة مُحكم من أواخر القرن العشرين،
لكن بجسد عتيق،
وبإله أقدم من جسدي.
أنا شخص يناسب سطح الأرض.
الأماكن المنخفضة، والأقبية، والخنادق،
تُخيفني. قمم الجبال،
والمباني الشاهقة تُرعبني.
لستُ كشوكة مغروسة،
ولا كسكين حاد، ولا كملعقة متجمدة.
لستُ مسطحًا ومتخفيًا،
كملعقة مسطحة تزحف صعودًا وهبوطًا،
بل أنا في أحسن الأحوال مدقة ثقيلة خرقاء،
تسحق الخير والشر معًا،
لقليل من المذاق،
وقليل من العطر.
لا ترشدني الأسهم. أدير،
شأني بحذر وهدوء،
كوصية عظيمة بدأت تُكتب،
منذ لحظة ولادتي.
أقف الآن مُنهكًا على جانب الطريق، مُتكئًا على عداد وقوف السيارات.
بإمكاني البقاء هناك مجانًا.
لستُ سيارة، أنا إنسان،
إله-إنسان، إله-إنسان
أيامه معدودة.
هللويا
ترجمة شخصية عن الإنكليزية
سياح (1980)
في أحد الأيام، كنتُ جالسًا على الدرجات
جوارَ باب في برج داود.
كنتُ قد وضعتُ سلّتيَّ الثقيلتين بجانبي.
كانت مجموعة من السياح تُحيط
بدليلهم، وأصبحتُ مرجعهم.
أترى ذلك الرجل الذي يحمل السلّتين؟
إلى يمين رأسه مباشرةً، يوجد قوس يعود تاريخه
إلى العصر الروماني. إلى يمين رأسه مباشرةً.
لكنه يرحل، يرحل!
فكرتُ في نفسي: لن يأتي الخلاص إلا إذا
أخبرهم دليلهم:
أترى ذلك القوس الذي يعود تاريخه
إلى العصر الروماني؟ ليس مهمًا، ولكن بجانبه،
إلى اليسار، أسفل قليلًا، يجلس رجل
اشترى فواكه وخضراوات لعائلته.
ترجمة شخصية من الإنكليزية
يشفق الله على أطفال الروضة. يشفق الله على الصغار في الروضة،
يشفق على تلاميذ المدارس - وإن كان بدرجة أقل.
لا يشفق على الكبار،
يتركهم وحيدين.
أحيانًا يُحكم عليهم بالزحف على أربع
عبر الرمال الملتهبة،
للوصول إلى مركز الإسعافات الأولية،
ودماءهم تسيل منهم.
لا شك أنه سيشفق على
من يحبون حقًا،
يرعاهم، ويحميهم بظله
كما تحمي الشجرة النائم على مقعد الحديقة.
لا شك أننا سننفق عليهم حتى
آخر ما تبقى من لطف
الذي ورثناه عن أمهاتنا،
ليكون سعادتهم تحمينا
الآن وفي الأيام القادمة.
ترجمة آن لوازو من الإنكليزية
عند هبوط الظلام، يستيقظ الطائر من نومه، "لا تشتهِ"، يغرد.
"لا تصنع لنفسك صنمًا"، يصيح طائر آخر.
كانت السماء حمراء فوق بيتاح تكفا،
كباطن أجساد البشر.
وأنا، الذي سأموت لا محالة في إحدى السنوات القادمة،
أستيقظ من غفوة الظهيرة لأجل الخلود،
حتى يحلّ الليل.
يتبدد مزيج أبي وأمي
في داخلي إلى أجزاء منفصلة.
سعيد أنا كقفص فارغ بلا طائر.
حزين أنا كقفص فارغ بلا طائر.
رايتي الوحيدة هي ملابسي،
نشيدي الوحيد هو أنفاسي،
والكلمة الأولى والأخيرة هي:
"هنا".
ترجمة شخصية من الإنكليزية
راع ٍ عربي (1980)
راع ٍ عربي يبحث عن عنزته على جبل صهيون
على التل المقابل، أبحث
عن ابني الصغير
راعي عربي وأب يهودي
كلاهما في ضياع مؤقت...
التقى صوتانا فوق
بركة السلطان في الوادي الذي فصلنا
لا أحد منا يريد أن يقع ابنه أو عنزته
في براثن جبل هاد جايا. بعد ذلك وجدناهما وسط الشجيرات
وعادت إلينا أصواتنا
ضحك ودموع.
لطالما كان البحث عن عنزة أو ابن
بداية
دين جديد في هذه الجبال
Yehuda Amichaï : La vigie de Jérusalem
محمد رضا عبد الملكيان
عن الماء والمرآة
Mohammad-Rezâ Abdolmalekiân
روح الله حسيني
اللقاء
نظرتُ في المرآة
يا للأسف، لم يكن هناك سوى الوحدة، تمتد إلى ما لا نهاية!
من مجموعة "القمر في الضباب".
محمد رضا عبد الملكيان
وُلد محمد رضا عبد الملكيان Mohammad-Rezâ Abdolmalekiân عام ١٩٥٦، وهو، من بين أمور أخرى، شخصية بارزة في جيل "شعراء الحرب". ولذلك، تتسم أعماله بخطاب الكفاح الإيراني ضد العراق، إذ تحتفي بروح المقاومة وشجاعة الجنود الذين شاركوا في الحرب. ومع ذلك، لا يغفل الشاعر عن تناول مواضيع تتعلق بالحب والمشاعر الإنسانية الأخرى التي تُعاش في المجتمع الحديث. فهو، إن صح التعبير، يبتعد، لا سيما في أعماله الأخيرة، عن حماسه الثوري ليتناول مواضيع تتعلق بحساسيات الحياة المعاصرة. ومن هنا جاء تطور شعره وتوجهه إلى النثر. من الشكل الشعري النيماي، تطور شعره نحو تبني الشعر المرسل، وهو شكل أكثر مرونة للتعبير عن التجارب المعاصرة. وهذا، علاوة على ذلك، هو الشكل الذي أنتج فيه الشاعر أنجح أعماله. وقد ساهم في نجاحها بشكل خاص بساطة اللغة ووضوح الأفكار. ولعلّ تخلي الشاعر عن القصائد الطويلة وميله إلى نظم قصائد قصيرة، على شكل قصائد الهايكو، قد ساهما في ذلك. ومن الجدير بالذكر أن من بين أبرز أعماله قصيدتي "اللطف" و"أخاطبك ببساطة".
الجواب
"لماذا تخوض حربًا؟"
يسألني ابني.
بندقيتي في يدي
حقيبتي على ظهري
أشدّ رباط حذائي.
أمي، وفي يدها
مصحف ومرآة وماء
تزرع النور في قلبي.
"لماذا تخوض حربًا؟"
يسألني ابني مرة أخرى.
أجيب من صميم قلبي:
"حتى لا يسرق العدو مصباحك!"
من بعيد
معكِ
أنا بأمان
أنا ممتلئ بكل جمال
كوني ملجئي
حتى يزول ثقل الغربة
عن كاهلي
وتُرفع عيناي
من تعب الوحدة.
أنا قادم من بعيد
من حقول القمح
من حقول البطيخ
ومن أرض سمائها
لا تملك إلا رداءين
أحدهما أزرق يرتديه نهارًا
والآخر طويل يرتديه ليلًا
رداءٌ متدفق
في رقصة ألف ليلة وليلة
من النجوم المتلألئة.
أتيتُ من بعيد،
من أزقة الطفولة
من مدينة أبي الزاهية الألوان، التي رواها في ليالي الشتاء الطويلة
ومن عيني أمي المُحييتين
التي منحتني في نظرتها
كل حنانها.
صدقني!
الشعر في داخلي
تمرد الوحدة
وملحمة الصداقة
أحب بطريقة مختلفة
وأنا فريد بطريقة أخرى
لا يُقارن بي إلا نفسي
وأنت لا تُقارن إلا بنفسك
الذي كنتُ أبحث عنه لسنوات.
معكِ
أرى كل شيء أزرق
عيناكِ هما بهجة الصبر
شعركِ
تتابع الأمطار
وقلبكِ
أغنية البحار.
همس أطراف أصابع الريح
في حلم شعركِ العذب
جمالٌ شاعري
يلعب بقلبي،
ونبل كلماتكِ
يجعل
كل الكلمات الأخرى باهتة.
في المناظر الطبيعية في كل مكان
أراكِ
في النافورة، في النهر، وفي البحر
في الزهرة، في الشجرة، وفي الغابة
في الوادي، على الجبل، وفي الحقول
ومع ذلك
أُذهلني دائمًا
أنكم تجسدون الحب في كيان واحد
أنكم تجسدون الأمل في ثوب واحد.
من مجموعة اللطف La gentillesse .
العنوان
لتعرف وجهة نظري
اسأل الماء
البحر ما زال ينتظر
أغاني حب.
من مجموعة اللطف.
البحر الأسود
إلى جميع المهاجرين المنكوبين في بحار العالم المتجولة.
كل هذه الكراسي المهجورة!
وكل هذه الطيور الجوالة!
ألا تريدون العودة إلى دياركم؟
ليالٍ بعيدة
قوارب مليئة بالرعب
معاناة حمام الشرق
وفي عيونكم
كثافة الرعب.
كل هذه الأميال من المسافة
ألا تستطيعون حقًا الفرار من أنفسكم؟
أليس هناك مخرج؟
في ليلة انعدام الأمان هذه؟
حتى يتحول النور الخافت
لهذه الأرض الخفية
إلى شمس
اللطف؟
كل هذه الكراسي المهجورة!
وكل هذه الطيور الجوالة!
ألا تريدون العودة إلى دياركم؟
"لو كان هناك مكان آمن؟
لو كان هناك ميناء للاحتماء؟" "إنهم يطالبون بنظرك
ونظر الطيور المهاجرة
اربطهم، وجهاً لوجه مع صغار الحمام،
بمنظر هذا الميناء الخفي.
أين حُملتَ بعيدًا؟
أنت وهذه الطيور المعذبة
بهذا القارب المقلوب
في المياه البعيدة
وبهذا الاضطراب المظلم
للأمواج الهائجة؟
كل هذه الكراسي المهجورة
ونعمة الأم
وعاء من الماء الصافي
وهذان الرجلان المسنان المسكينان
اللذان وقفا يتألمان
على عتبة الباب
ينتظران قدومك
هذا القرآن، وهذا الماء، وهذه المرآة
والطيور المهاجرة
التي ورثت هذا البيت
والطيور المعذبة
التي لن تعود أبدًا.
من مجموعة "أخاطبك ببساطة Je te parle avec simplicité".
ملاحظة
الأطفال
يكبرون
ما أقصر الحياة!
من مجموعة "أخاطبك ببساطة".
تشامخاله، بلدة صغيرة في شمال إيران.
مواجهًا البحر
لا ألتفت نحو الغابة
ولا ألتفت إليك
مغزى كلامي مُلخّص
في هذه اللحظة بالذات
حيث تواجهني الموجة.
من تنتظر؟
ليس أنا
الذي يعيده البحر إلى الشاطئ.
اسأل عن عنواني
لأسماك البحر
البعيدة جدًا
والتي تبتلع الطعم
حتى لا يتلاشى تدفق
اتساع البحر
من أذهان الصيادين القدامى.
من مجموعة "أخاطبك ببساطة".
متسلق الجبال
لا أقول شيئًا
إلا هذه الشجرة
لا أريد شيئًا
إلا هذا الطائر
اتركني وشأني!
أريد، دون كتاب أو كلمة،
أن أعود إلى الجبل
إلى تلك البداية نفسها
حيث لم يكن سوى القمح
وآدم.
من القصائد الجديدة، المنشورة في مختارات شعرية.
الوصية
لا تكتبي شيئًا
على هذا الحجر
أو اكتبي فقط:
نصل عشبٍ مضطرب
كان قد ضاع
كل الحملان.
من القصائد الجديدة، المنشورة
في مختارات شعرية.
الطائر الثاني
ابنتي
في طريقكِ
سلمي على الطائر الأول!
الطريق إلى الجنة
يبدأ حتمًا
بالطائر الثاني.
من القصائد الجديدة، المنشورة في مختارات شعرية.
ستانبول
تغرق القوارب في سباتٍ عميق
والسفن أيضًا
بقيتُ وحيدًا مع البحر
ومع القصيدة
التي ضاعت بيننا
أليست هذه القصيدة؟
التي أكتبها الآن؟
أو ربما هي هذه
التي يهمس بها البحر
ويحملها بعيدًا، بعيدًا، في أعماقه
يغرق الجميع في النوم
لا يوجد سوى البحر وقصيدة واحدة فقط.
من القصائد الجديدة، المنشورة في مختارات شعرية.
Mohammad-Rezâ Abdolmalekiân
De l’eau et du miroir
==