د. حسام الدين فياض - القراءة كنهج حياة في المجتمعات المعاصرة: نحو فهم سوسيولوجي لعلاقتها بالتقنية والوعي الإنساني في السياق العربي

” القراءة ليست مجرد فتح كتاب، بل فتح أفق جديد للعقل والمجتمع، حيث يلتقي الفكر بالوعي، وتتحول الفكرة إلى فعل للتطور والتقدم “ (الكاتب).
” ويبقى الطلاب الآخرون. أولئك الذين لا يقرأون والذين ترعبهم باكراً إشعاعات " المعنى ". أولئك الذين يظنون أنهم أغبياء... وأن الكتاب حرم عليهم إلى الأبد... وأنهم سيبقون دون جواب إلى الأبد... وقريباً دون أسئلة “ (بناك، 2015، ص. 87).

- المقدمة:
لم تعد القراءة في المجتمعات المعاصرة نشاطاً ثقافياً هامشياً أو ممارسة مرتبطة بالنخب الفكرية فحسب، بل غدت إحدى الركائز الأساسية في تشكيل الوعي الإنساني وإعادة إنتاج المعرفة داخل البنى الاجتماعية الحديثة. فالمجتمعات التي تتوسع فيها دائرة القراءة هي المجتمعات التي تمتلك قدرة أعلى على إنتاج المعنى، وعلى بناء إنسان قادر على الفهم النقدي للواقع الذي يعيش فيه. وقد أشار عالم الاجتماع بيير بورديو إلى أن المعرفة الثقافية ليست مجرد تراكم معلومات، بل هي شكل من أشكال " الرأسمال الثقافي " الذي يحدد موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية ويؤثر في قدرته على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة (Bourdieu, 1986, p. 243).

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى القراءة باعتبارها ممارسة اجتماعية عميقة تتجاوز بعدها المعرفي الضيق لتتحول إلى أسلوب حياة يومي، يعيد من خلاله الإنسان تشكيل علاقته بالعالم وبالآخرين وبذاته. فالكتاب ليس مجرد مادة للقراءة، بل فضاء رمزي تتشكل فيه الأفكار وتتبلور فيه الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمجتمع والتاريخ. وفي ظل التحولات الرقمية التي يعيشها العالم اليوم، برزت إشكالية جديدة تتعلق بطبيعة العلاقة بين القراءة التقليدية المرتبطة بالكتاب الورقي وبين الوسائط الرقمية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. غير أن هذه العلاقة، إذا ما نُظر إليها بمنظور سوسيولوجي أوسع، لا ينبغي أن تفهم بوصفها علاقة صراع، بل بوصفها علاقة تكامل معرفي يمكن أن تسهم في توسيع دائرة القراءة وتعزيز حضورها في حياة الإنسان المعاصر.

أولاً- القراءة كنهج حياتي في تشكيل الوعي الاجتماعي:

حين تتحول القراءة إلى عادة يومية، فإنها تتجاوز حدود الترف الثقافي لتصبح جزءاً من البناء الداخلي للفرد. فالمجتمعات الحديثة تقوم في جوهرها على إنتاج المعرفة وتداولها، والقراءة تمثل الأداة الأساسية التي تسمح للفرد بالدخول إلى هذا الفضاء المعرفي. ولهذا يرى المفكر الثقافي ريتشارد هوجارت أن الثقافة القرائية ليست مجرد نشاط معرفي، بل هي شكل من أشكال المشاركة في الحياة الثقافية للمجتمع (Hoggart, 2009 (1957),p.112). بمعنى أدق هي اعتياد القراءة بوصفها وسيلة لاكتساب المعرفة وتنمية الوعي.

ومن الناحية السوسيولوجية، تمارس القراءة وظيفة مزدوجة. فهي من جهة تتيح للفرد اكتساب المعارف وتوسيع آفاقه الفكرية، ومن جهة أخرى تمنحه القدرة على إعادة تفسير الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه. فالإنسان القارئ لا يتعامل مع العالم بوصفه معطى ثابتاً، بل بوصفه موضوعاً للفهم والتحليل والنقد. وهذا ما يجعل القراءة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتشكيل العقل النقدي القادر على مساءلة البنى الاجتماعية والثقافية.

ولعل أحد أهم أبعاد القراءة يتمثل في قدرتها على تشكيل ما يمكن تسميته " الوعي التأملي ". فالقارئ لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يدخل في حوار مستمر معها، الأمر الذي يعزز قدرته على التفكير التحليلي وعلى بناء موقف معرفي مستقل. وفي هذا السياق يشير الفيلسوف عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس إلى أن الثقافة القرائية كانت أحد الشروط الأساسية لظهور الفضاء العمومي الحديث، حيث أتاحت القراءة للناس المشاركة في النقاشات الفكرية والسياسية وتكوين رأي عام نقدي (Habermas, 1989, p. 27).

ثانياً- القراءة بوصفها آلية لإنتاج الرأسمال الثقافي:
إن النظر إلى القراءة من منظور سوسيولوجي يقود إلى فهمها باعتبارها أداة أساسية لإنتاج الرأسمال الثقافي داخل المجتمع. فالأفراد الذين يمتلكون عادات قرائية راسخة يتمتعون عادة بقدرة أعلى على التحليل والتفكير المجرد وعلى فهم التحولات الاجتماعية المعقدة. وهذا ما يفسر العلاقة الوثيقة بين القراءة وبين القدرة على الإبداع والابتكار.

فالابتكار
في جوهره ليس سوى نتيجة لتفاعل طويل بين المعرفة والخيال. والقراءة هي المجال الذي يتيح لهذا التفاعل أن يحدث. فكل كتاب يقرأه الإنسان يضيف إلى تجربته الفكرية بعداً جديداً، ويمنحه أدوات إضافية لفهم العالم. ومن هنا يمكن القول إن القراءة تمثل " وقوداً معرفياً " يغذي العقول القادرة على إنتاج الأفكار الجديدة.

ولا يقتصر أثر القراءة على المستوى الفردي فحسب، بل يمتد إلى مستوى المجتمع بأسره. فالمجتمعات التي تتوسع فيها دائرة القراءة تكون عادة أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وعلى تطوير مؤسساتها العلمية والثقافية. ولهذا السبب ارتبطت عمليات النهوض الحضاري الكبرى عبر التاريخ بازدهار حركة القراءة والترجمة والنشر.

ثالثاً- القراءة والتقنية (من ثنائية الصراع إلى منطق التكامل):
مع انتشار الوسائط الرقمية والهواتف الذكية، برزت مخاوف عديدة من أن تؤدي هذه الوسائط إلى تراجع القراءة. غير أن هذا التصور يقوم غالباً على رؤية تبسيطية للعلاقة بين المعرفة والتقنية. فالتحول الرقمي لا يعني بالضرورة تراجع القراءة، بل قد يفتح أمامها آفاقاً جديدة لم تكن متاحة في السابق.

لقد أصبح الوصول إلى الكتب والمعارف اليوم أكثر سهولة بفضل المكتبات الرقمية والمنصات التعليمية المفتوحة. وأصبحت النصوص متاحة للقارئ في أي زمان ومكان، الأمر الذي يوسع دائرة المشاركة في المعرفة. وفي هذا السياق يشير الباحث في " ثقافة القراءة " روبرت دارنتون إلى أن الثورة الرقمية لا تمثل نهاية الكتاب، بل تمثل مرحلة جديدة في تاريخ تداول المعرفة (Darnton, 2010, p. 45). إن تم توظيفها بشكل إيجابي ومتوازن من قِبل أفراد المجتمع.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التقنية ذاتها، بل في كيفية توظيفها. فالشاشة الرقمية يمكن أن تكون أداة للتشتت المعرفي إذا استخدمت بطريقة عشوائية، لكنها يمكن أن تتحول إلى أداة فعالة لتعزيز القراءة إذا تم توظيفها ضمن رؤية معرفية واضحة. وهنا تتجلى أهمية بناء علاقة تكاملية بين الكتاب والشاشة، حيث يصبح الكتاب مصدراً للتأمل العميق، بينما تتحول الوسائط الرقمية إلى أدوات مساعدة للوصول إلى المعرفة وتوسيعها.

رابعاً- سُبل تعزيز ملكة القراءة في الحياة اليومية:

إن تحويل القراءة إلى أسلوب حياة يتطلب بناء بيئة ثقافية تشجع عليها داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالعادات القرائية لا تتشكل بصورة عفوية، بل تنمو تدريجياً من خلال الممارسة اليومية. ولهذا فإن تخصيص وقت منتظم للقراءة يمثل خطوة أساسية في ترسيخ هذه العادة.

كما تلعب المؤسسات التعليمية دوراً محورياً في تنمية حب القراءة، ليس فقط من خلال المناهج الدراسية، بل أيضاً عبر تشجيع الطلاب على القراءة الحرة وعلى اكتشاف الكتب التي تنسجم مع اهتماماتهم الفكرية. فالقراءة التي تنبع من رغبة داخلية تكون أكثر تأثيراً واستمرارية من القراءة المفروضة لأغراض الامتحان.

ومن الوسائل المهمة كذلك ربط القراءة بالحياة اليومية. فالإنسان الذي يقرأ عن قضايا المجتمع والثقافة والتاريخ يبدأ تدريجياً في رؤية العالم من زوايا متعددة، الأمر الذي يعزز قدرته على التفكير النقدي وعلى فهم التعقيدات التي تحكم الواقع الاجتماعي.

خلاصة
، يبني الإنسان بيوتاً لأنه يعرف أنه حي، لكنه يكتب كتباً لأنه يعلم أنه فان. وهو يعيش ضمن جماعات لأن لديه غريزة التجمع، لكنه يقرأ لأنه يعلم أنه وحيد. وهذه القراءة هي صحبة له لا تحل مكان أية صبحة أخرى، ولا تستطيع أية صحبة أخرى أن تحل محلها. وهي لا تقدم له أي تفسير قطعي حول مصيره، لكنها تنسج شبكة متينة من التواطؤات بينه وبين الحياة (بناك، 2015، ص. 158).

خامساً- القراءة في المجتمعات العربية (العوائق البنيوية والثقافية أمام تحولها إلى ممارسة يومية):
عند الانتقال من التحليل العام لأهمية القراءة بوصفها أسلوب حياة إلى السياق الاجتماعي العربي، تظهر مفارقة لافتة للنظر تتمثل في التباين بين المكانة الرمزية المرتفعة التي يحتلها الكتاب في الوعي الثقافي العربي وبين محدودية الممارسة اليومية للقراءة لدى قطاعات واسعة من المجتمع. فالثقافة العربية، منذ بداياتها التاريخية، قامت على مركزية المعرفة والنص، غير أن هذا الإرث الرمزي لم يتحول دائماً إلى عادة اجتماعية راسخة في الحياة اليومية المعاصرة. ويرى المفكر عبد الله العروي أن إحدى الإشكاليات البنيوية في الثقافة العربية الحديثة تكمن في الفجوة بين إنتاج المعرفة وتداولها اجتماعياً، إذ تبقى المعرفة في كثير من الأحيان محصورة في المجال الأكاديمي أو في الدوائر النخبوية، من دون أن تتحول إلى ممارسة ثقافية واسعة داخل المجال الاجتماعي. ويعني ذلك أن المثقفين منعزلون نسبياً عن مجتمعهم، ولذلك فإن أزمتهم تهمهم هم بالدرجة الأولى، ولا تمس المجتمع إلا عرضاً، وهو ما يفضي إلى ضياع فرص وهدر إمكانات، بدل أن تعكس الثقافة تحولات المجتمع العفوية وتتأثر مباشرةً بتناقضاته (العروي، 1997، ص. 173- 179).

ويعتقد العروي أن أزمة المجتمع العربي المعاصر هي في أساسها أزمة ثقافة وأزمة غياب مسؤولية المثقف، اتجاه تحسين ظروف مجتمعه، وهو ما جعل هذه الأزمة تنعكس سلباً على مختلف المجالات الأخرى السياسية والثقافية والاجتماعية ، كما اعتبر العروي أن أغلبية المثقفين في المجتمع العربي يمثلون الفكر التقليدي السلمي، أما الفئة الثانية منهم تمثل الفكر الانتقائي، وكلا الفكرين يحذفان العمق التاريخي، ما يؤدي إلى عدم فهم الواقع وإدراكه في صورته الحالية (معروف. ملاح، 2016، ص. 235).

إن تشخيص العروي للأزمة بوصفها أزمة ثقافة وأزمة مسؤولية المثقف يفتح باباً لفهم ظاهرة العزوف عن القراءة في المجتمعات العربية. فإذا كانت المعرفة تبقى في الغالب حبيسة الأوساط الأكاديمية أو النخبوية، فإنها لا تتحول إلى قيمة اجتماعية يومية داخل المجتمع. ونتيجة لذلك لا تتشكل تقاليد راسخة للقراءة بوصفها ممارسة ثقافية عامة، بل تبقى مرتبطة بالتعليم النظامي أو بالنخب المثقفة.

ومن جهة أخرى، فإن هيمنة الفكر التقليدي لدى بعض المثقفين، أو الفكر الانتقائي لدى فئة أخرى، كما يصف العروي، تؤدي إلى ضعف القدرة على إنتاج خطاب ثقافي قادر على تفسير الواقع التاريخي والاجتماعي بلغة مفهومة ومؤثرة في المجتمع. وعندما يعجز الخطاب الثقافي عن الارتباط بقضايا الناس وتحولاتهم اليومية، تتسع المسافة بين الثقافة المكتوبة والوعي الاجتماعي العام، الأمر الذي يضعف الدافع إلى القراءة.

كما أن غياب الدور الاجتماعي الفاعل للمثقف يسهم في تحويل الثقافة إلى نشاط رمزي محدود التأثير، بدلاً من أن تكون أداةً لفهم الواقع وتغييره. وفي هذه الحالة لا ينظر إلى القراءة باعتبارها وسيلة لاكتساب الوعي والمعرفة، بل تصبح نشاطاً هامشياً لا يرتبط مباشرة بحياة الأفراد أو بقدرتهم على فهم العالم من حولهم.

وبذلك يمكن القول إن العزوف عن القراءة ليس مجرد ظاهرة تربوية أو تعليمية، بل هو في جانب منه انعكاس لبنية ثقافية أعمق تتسم بضعف تداول المعرفة اجتماعياً، وبانفصال نسبي بين المثقف والمجتمع. ومن ثم فإن تجاوز هذه الظاهرة يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الثقافة والمجتمع، بحيث تتحول المعرفة إلى ممارسة اجتماعية حية، ويستعيد المثقف دوره في ربط الفكر بالواقع والتاريخ، وهو الشرط الضروري لإحياء الاهتمام بالقراءة داخل المجال الاجتماعي.

بالمقابل يرتبط ضعف الممارسة القرائية بطبيعة البنية التعليمية السائدة في عدد من البلدان العربية، إذ تقوم في كثير من الأحيان على أنماط تعليمية تقليدية تركز على الحفظ والاستظهار أكثر من تنمية الفضول المعرفي والقدرة النقدية لدى المتعلم. وقد أشار المفكر والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري إلى أن البنية المعرفية التقليدية في التعليم العربي ساهمت في إعادة إنتاج أنماط فكرية لا تشجع على القراءة الحرة ولا على الحوار النقدي مع النصوص الفكرية " وأن الثقافة العربية بحاجة ماسة وملحة إلى إعادة كتابة تاريخها (...) فتاريخ الثقافة العربية الراهن ما زال مجرد تكرار واجترار لنفس التاريخ الذي كتبه أجدادنا، وأنه ما زال خاضعاً لنفس الاهتمامات والإمكانات التي وجهتهم وتحكمت في رؤاهم " (الجابري، 2002، ص. 332). ويقر الجابري بأن الحركة في الثقافة العربية كانت وما تزال حركة اعتماد لا حركة نقلة وبالتالي فزمنها مدة بعدها " السكون "، لا الحركة ، وهذا على الرغم من جميع التحركات والاهتزازات والهزات التي عرفتها (الجابري، 2002، ص. 42).

بذلك يشير تصور الجابري إلى أن الحركة داخل الثقافة العربية لم تتخذ في الغالب طابع التحول البنيوي الخلاق، بل بقيت حركة اعتماد وإعادة إنتاج لما هو قائم، الأمر الذي يجعلها تبدو في ظاهرها حركة، لكنها في العمق أقرب إلى السكون المعرفي. وفي هذا السياق يمكن فهم تدهور الحالة الثقافية وضعف ممارسة القراءة داخل البنى التقليدية، إذ عندما تغيب دينامية التجديد الفكري وتتحول الثقافة إلى إعادة تدوير للمعارف ذاتها، تتراجع الحاجة الاجتماعية إلى القراءة بوصفها أداة للاكتشاف والتغيير، وتصبح ممارسة محدودة لا تتجاوز الأطر التعليمية أو النخبوية، بدل أن تكون فعلاً ثقافياً يومياً يشارك في تشكيل الوعي الاجتماعي.

ويُضاف إلى هذه العوامل بعدٌ اقتصادي وثقافي يتمثل في محدودية البنية التحتية الداعمة للكتاب والقراءة، مثل ضعف انتشار المكتبات العامة، وضيق سوق النشر، وارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالقدرة الشرائية لشرائح واسعة من المجتمع. وتشير تقارير ثقافية صادرة عن اليونسكو إلى أن تنمية القراءة بوصفها ممارسة اجتماعية يومية لا تتحقق إلا بوجود سياسات ثقافية مستدامة تضمن إتاحة الكتاب وإدماج القراءة في الحياة العامة للمجتمع (UNESCO, 2019, p.34).

وهكذا يكشف لنا هذا الواقع أن ضعف القراءة لا يرتبط فقط بعوامل ثقافية، بل يتصل أيضاً بطبيعة البنى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المتأخرة تنموياً، إذ يجد الفرد نفسه منشغلاً بتأمين احتياجاته الأساسية، فيغدو الوقت والموارد المخصَصة للقراءة محدودين. وفي مثل هذه السياقات تتحول القراءة من حاجة معرفية يومية إلى فعل يُنظر إليه بوصفه ترفاً ثقافياً، لا أولوية حياتية، وهو ما يفسر استمرار ضعف الممارسة القرائية رغم الدعوات المتكررة إلى تعزيز الثقافة والاطلاع.

من خلال ما تقدم نستنتج أن ضعف القراءة في كثير من المجتمعات العربية لا ينبغي تفسيره بوصفه عزوفاً فردياً عن المعرفة بقدر ما يعكس شبكة معقدة من العوائق البنيوية والمؤسسية التي تؤثر في تشكل العادات الثقافية للأفراد. فإن لم يكن الذنب ذنب التلفزيون أو شبكة الإنترنت أو الجنون الاستهلاكي، فسيكون الحق على هجمة الإلكترونيات، وإن لم يكن الخطأ خطأ الألعاب الإلكترونية فسيكون خطأ المدرسة: تعلم القراءة بشكل خاطئ، عدم ملائمة البرامج المدرسية، عدم كفاءة المدرسين، سوء حالة الصفوف، قلة المكتبات (بناك، 2015، ص. 29). ولذلك فإن تعزيز القراءة في هذا السياق يتطلب بناء بيئة ثقافية واجتماعية داعمة تجعل من الكتاب جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، وتحول القراءة من نشاط ثقافي محدود إلى ممارسة اجتماعية واسعة تسهم في توسيع دائرة الوعي وتعزيز الرأسمال الثقافي داخل المجتمع.

- خلاصة القول:

إن القراءة، بوصفها أسلوب حياة ونهجاً يومياً، تظل الركيزة الأساسية لتشكيل الوعي النقدي وبناء الرأسمال الثقافي لدى الأفراد والمجتمعات. ويؤكد التحليل السوسيولوجي أن العلاقة بين الكتاب والشاشة الرقمية ليست صراعاً بقدر ما هي جدلية تكاملية، إذ يمكن للوسائط الرقمية أن تكون أدوات فعالة لتعزيز الممارسة القرائية وتوسيع دائرة المعرفة، إذا ما استخدمت ضمن رؤية معرفية واعية.

ومع إدراك العوائق البنيوية والثقافية التي تعاني منها بعض المجتمعات العربية، مثل محدودية المكتبات العامة، وضعف سياسات النشر، وأنظمة التعليم التي تركز على الحفظ، يصبح من الواضح أن تعزيز القراءة لا يقتصر على تشجيع الفرد على التفاعل مع النصوص، بل يتطلب بناء بيئة اجتماعية ومؤسسية تدعم تحويل الكتاب إلى ممارسة يومية، تجعل القراءة جزءاً من الحياة العامة، وتعطيها بعداً جماعياً، لا مجرد نشاط فردي.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام الإنسان المعاصر هو القدرة على خلق توازن بين الكتاب والشاشة، بين الفضاء التقليدي للمعرفة وبين الوسائط الرقمية الحديثة، بما يجعل القراءة أسلوب حياة فعالاً ومؤثراً. فالكتاب يظل البوصلة الفكرية التي توجه الإنسان نحو التأمل والتحليل، بينما توفر الشاشة أدوات لتوسيع الأفق، والوصول إلى مصادر معرفية متنوعة. وعندما يتحقق هذا التكامل، تتحول القراءة من مجرد نشاط ثقافي إلى ممارسة يومية تغذي الفكر، وتثري الشخصية، وتقوي القدرة على المشاركة الفاعلة في الحياة الاجتماعية، وصولاً إلى إنتاج معرفة قادرة على إحداث تغييرات مجتمعية حقيقية ومستدامة.

ليست القراءة مجرد فعل تقني لتصفح الصفحات، بل هي لقاء هادئ بين الإنسان والعالم، لقاء تتجاوز فيه الذات حدود تجربتها الضيقة لتدخل في حوار طويل مع عقول وأزمنة أخرى. فالكتاب ليس أوراقاً مكدسة بالحروف، بل هو ذاكرة البشرية وهي تفكر في نفسها، وتعيد مساءلة وجودها ومعنى حضورها في التاريخ. ومن هنا تغدو القراءة فعلاً فلسفياً بامتياز، لأنها تحرر العقل من مسلماته اليومية، وتدعوه إلى التأمل والسؤال والشك الخلاق.

وفي الوقت ذاته تحمل القراءة بُعداً سوسيولوجياً عميقاً، إذ لا يقرأ الإنسان بمعزل عن المجتمع، بل يقرأ داخل شبكة من القيم والمعاني والتجارب المشتركة. فالمجتمع الذي يقرأ هو مجتمع يوسع أفقه الرمزي ويمنح أفراده قدرة أكبر على فهم واقعهم وإعادة تشكيله. لذلك ليست القراءة مجرد ترف ثقافي، بل هي ممارسة اجتماعية تعيد توزيع الوعي داخل المجتمع، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتغيير.

وهكذا يصبح الكتاب أكثر من رفيق صامت، إنه مساحة يلتقي فيها الفكر بالحياة، ويتحول فيها السؤال الفردي إلى أفق إنساني مشترك. فالقراءة، في جوهرها، ليست هروباً من الواقع، بل عودة أعمق إليه، لأنها تمنح الإنسان القدرة على أن يرى العالم بعينٍ أكثر اتساعاً، وأن يدرك أن كل صفحة تقرأ إنما تضيف لبنة صغيرة في بناء الوعي الإنساني. والختام يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع مجتمع لا يقرأ أن يصنع تاريخه، أم يكتفي بإعادة استهلاك ما يصنعه الآخرون؟
------------------------------------------------
- المراجع المعتمدة:
  • العروي، عبد الله. ثقافتنا في ضوء التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط4، 1997.​
  • الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط8، 2002.​
  • معروف، ملاح. 2016. الثورة الثقافية أساس تحديث المجتمع العربي في فكر عبد الله العروي. مجلة أنسنة للبحوث والدراسات، المجلد(7)، العدد (2)، الجزائر، 2016.​
  • بناك، دانيال. متعة القراءة. ترجمة، يوسف الحمادة. بيروت: دار الساقي، ط1، 2015.​
  • UNESCO. Reading in the Mobile Era: A Study of Mobile Reading in Developing Countries. Paris: UNESCO Publishing, 2019.​
  • Bourdieu, Pierre. The Forms of Capital. In Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood Press, 1986.​
  • Darnton, Robert. The Case for Books: Past, Present, and Future. New York: Public Affairs, 2010.​
  • Habermas, Jurgen. The Structural Transformation of the Public Sphere. Cambridge: MIT Press, 1989.​
  • Hoggart, Richard. The Uses of Literacy: Aspects of Working‑Class Life. Penguin Modern Classics. London: Penguin Books Ltd, 2009(1957).​
----------------------------------------------------------------------
* د. حسام الدين فياض/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة/ قسم علم الاجتماع/ كلية الآداب في جامعة ماردين (تركيا).
باحث وأكاديمي في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية. له عدد من المؤلفات السوسيولوجية؛ (سلسلة نحو علم اجتماع تنويري)، بالإضافة إلى العديد من الأبحاث العلمية والمقالات الفكرية التي تجمع بين النظرية السوسيولوجية والفكر الاجتماعي والثقافي النقدي المعاصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى