هدى حجاجي - طقس الشاعر بين القهوة والدخان قراءة في نص الشاعر عبدالرزاق البحري

هذا النص كأنه لحظة اعترافٍ هادئة، لحظة يجلس فيها الشاعر وحيدًا أمام فجرٍ يتسلل ببطء، وقهوةٍ تتصاعد منها الرغوة، وعشر سجائر تحترق مثل دقائق العمر. النص ليس قصيدة بالمعنى التقليدي فقط، بل هو مشهد داخلي لشاعر يحاور نفسه بينما العالم من حوله يزداد غموضًا وثقلًا.
يبدأ النص مع ابتسامة الفجر، تلك اللحظة الهشة التي تتفتح فيها أطراف الليل الأخيرة. في هذا التوقيت بالذات يعانق الشاعر قصيدته سرًا، كأن الشعر فعلٌ خفي يشبه الصلاة أو الاعتراف. الندى حاضر، والسماء غطاء، والقوافي رداء. هنا يبدو الشاعر ككائنٍ يعيش داخل الشعر، لا يكتبه فقط بل يتدثر به ليحتمي من العالم.
يتكرر إعلان الهوية:
شاعر...
كأن الشاعر يذكّر نفسه بما تبقى له في هذا العالم. لكنه إعلان يحمل شيئًا من الدهشة والحيرة أيضًا، إذ يقول: "شاعر في ذهول النداء"، وكأن النداء الذي يستجيب له الشاعر ليس واضحًا تمامًا، بل يأتيه من مكانٍ بعيد وغامض.
لكن هذا الصفاء الأولي لا يستمر طويلًا. فجأة تدخل عناصر الحياة اليومية: عشر سجائر، وقهوة بلا سكر. هنا يتحول المشهد إلى طقسٍ معروف لدى كثير من الشعراء؛ القهوة والدخان رفيقا التفكير الطويل. غير أن القهوة هنا بلا سكر، في إشارةٍ واضحة إلى مرارة التجربة، بينما السماء نفسها تبدو "موبوءة"، وكأن الشاعر يشعر بأن حتى الفضاء الواسع لم يعد نقيًا كما كان.
في منتصف النص يبدأ الصراع الحقيقي: صراع الشاعر مع نفسه. يقول:
أقرأني... فلا أعرفني
إنها لحظة اغتراب عميقة، حين يصبح الإنسان غريبًا حتى عن نصه وعن حبره. الحبر نفسه يتحول إلى هباء، والأماني إلى بضائع معروضة على أرصفة الأمنيات في سوقٍ غريب تحكمه معادلة البيع والشراء.
ويتفاقم هذا الشعور حين يصف المسافة بينه وبين نفسه بأنها ضيقة لكنها مرهقة. إنها مفارقة وجودية؛ فالقرب الشديد من الذات قد يكون أحيانًا أكثر إرهاقًا من البعد عنها، لأن الإنسان حينها يواجه كل الأسئلة التي كان يؤجلها.
ثم ينتقل النص إلى نقدٍ واضح للمشهد الثقافي، حين يتحدث عن الترهات من الكلمات العقيمة وزيف الرواة والقصائد المبهمة. هنا يبدو الشاعر كمن ضاق بالضجيج الأدبي الذي يملأ الساحة دون أن يحمل جوهرًا حقيقيًا.
تعود القهوة والسجائر مرة أخرى كإيقاعٍ ثابت في النص. القهوة لم تنتهِ بعد، والرغوة ما تزال تشبه الشاعر. إنها صورة جميلة توحي بأن الشاعر يرى نفسه في تفاصيل فنجانه الصغير، بينما الشمس ما تزال خلف الماء، كأنها مترددة في الظهور.
لكن ما يمنع الضوء من الاكتمال ليس الزمن، بل الوجع وبعض التفاصيل الخفية. تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية لكنها تصنع داخل الشاعر عاصفة لا يراها أحد.
وفي المقطع الأخير تتخذ القصيدة نبرة أكثر قتامة. حين يغيب السكر في حضرة الملح، يصبح الطعم كله مالحًا. وحين يصبح الجهل سيد الموقف، تتحول المدينة إلى قبر كبير لا فرق فيه بين الحضور والغياب.
هنا يصل النص إلى خلاصة مريرة:
مدينة بلا أفق، بلا رجاء.
وهكذا ينتهي المشهد كما بدأ: شاعر، قهوة، سجائر، وفجرٌ متردد. لكن ما تغيّر هو أن الشاعر بعد هذا الحوار الطويل مع نفسه يدرك أن العالم حوله لم يعد يمنحه وعدًا حقيقيًا، وأن الشعر نفسه أصبح محاولة للبقاء وسط مدينةٍ فقدت قدرتها على الحلم.
النص في جوهره اعتراف شاعري كثيف يلتقط لحظة العزلة التي يعيشها المبدع، حيث تتداخل القهوة بالدخان، والقصيدة بالوجع، والفجر بسؤالٍ قد لا يجد جوابًا.


Messenger_creation_6CA7FE0D-146D-4A6A-BEAF-63DAFCCC2E63.jpeg


النص
قراءة سردية لھذا النص

قهوة وقلم
بقلمي الشاعر عبدالرزاق البحري
بني مالك/تونس

كلما يبتسم الفجر
وتورق ٱخر أطراف الليل
أعانقها في الخفاء
تحت وجاء الندى
شاعر والقوافي رداء
شاعر والسماء غطاء
شاعر في ذهول النداء
شاعر والقصيييييدة .... ماء
عشر سجائر...
والدقائق العشر الأخيرة...
من عمر الأنبياء
أشتاقني... ياوجعي
قهوتي بلا سكر
موبوءة هاذي..... السماء
أقرأني.... فلا أعرفني
حبري هباء
كل الأماني
على أرصفة الأمنيات
بيع... شراء
ضيق المسافة بيني وبيني
ترهقني الترهات...
من الكلمات العقييييمة
يرهقني زيف الرواة
والقصائد المبهمة
عشر سجائر
وقهوتي ماانتصفت
مازالت الرغوة تشبهني
ولا زالت الشمس خلف الماء
يعيقها وجعي
وبعض التفاصيل الخفية
عن سكر غاب في حضرة الملح
الجهل مصيبة
بوعنان يشهد
أن الغياب والحضور سواء
طالما أن المدينة قبر
لا رجاء... لا رجاء

عبدالرزاق البحري
بني مالك/تونس
في 15/12/2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى