شهادة أبو عامر، 20 تشرين الأول 2025 - معاناة الفلسطينيين وأمن إسرائيل: بين هدنة منتهكة وسلام لن يولد أبدًا
.
غزة بعد وقف إطلاق النار (صورة 1170×530، مُقتطعة) 1731624815
( الدمار يتكلم. لا أحد يستطيع الطعن في شهادته. إنه يشير إلى فاعليه، مسبّبيه، الساعين وراءه. من جهة النوعية الصادمة، ثمة الكارثي. لا يعني في ظهوره الصريح الفصيح تغييباً لمظاهر حياتية، إنما " تعهداً " بالحيلولة دون عودتها. إنه نوع من النفي المطلق، تهديد الموتى أنفسهم بالظهور، حيث لا يُمثَّلون حتى في شاهدات قبور لهم. أي كما أسيء إليهم بالغ الإساءة في الحياة إنسانياً، ثمة الوجه الآخر: في الموت. ثمة القيمة صفر وما دونه للحياة. الصمت الصارخ والمجلجل للمدمَّر والذي يطارد المدمّر وفظاعة " فعلته " بجلاء. والشهادة تفاعل الصوت المنجرح والمنكوب مع " الشيء " المضروب والمعطوب كثيراً، إنها تهويل للحدث كما هو الحدث في فجيعة الدائر فيه وباسمه، وإدانة تاريخ حيث يتردد عويل الجغرافية هنا وهناك. على الأقل أن غزة في المشهد الكارثي ، لا تدع الناظر مركَّزاً على هول الحادث فيها فقط، بقدر، ما تحيله هو نفسه إلى منظور، كأي جهة تعيش الحالة هذه، أي تكون هي الناظرة وهي المستجوِبة للناظر نفسه أخلاقياً.)
المترجم
يبدو أن الفلسطينيين محكوم عليهم بالعيش في دوامة من المعاناة التي لا تنتهي، وكأن الألم أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، وكأن مصائرهم مكتوبة بالحزن والدماء. في كل مرة تلوح فيها بارقة أمل للسلام أو هدنة تهدف إلى وقف النزيف، تكشف إسرائيل عن وجهها الحقيقي وتبدأ الدورة من جديد. يُعلن السلام أمام الكاميرات، وتُسجل الهدنة على الورق، ثم في اليوم التالي، تُشعل القصفات النيران من جديد. وهكذا يتكرر المشهد حتى يفقد الفلسطينيون الأمل في الهدوء، لأنهم يعلمون أن العاصفة ستعقبه.
منذ بدء ما يُسمى "عملية السلام"، لم يذق الفلسطينيون طعم السلام الحقيقي.
اتفاقيات عديدة، ومفاوضات لا تُحصى، ووعود لم تُنفذ.
في كل مرة تُخطى خطوة نحو الأمل، تُنصب العراقيل، وترتفع الأصوات الإسرائيلية لتتحدث عن "الأمن"، وكأن الأمن لا يتحقق إلا على حساب حياة الآخرين. تستخدم إسرائيل هذه الكلمة ذريعة دائمة لتبرير كل شيء: الحصار، والقصف، والمجاعة، والقتل.
إذا مات طفل، تقول إنه كان يدافع عن نفسه؛ وإذا دُمر منزل، تدعي أنه كان لحماية سلامتها؛ وإذا اشتعلت غزة، تدعي أنها تُحارب "الإرهاب". ولكن من سيُداوي جراح الأمهات؟ من سيعيد الحياة إلى مدينة تغصّ بالموت كل يوم؟ في غزة، الواقع أقسى من أن تصفه الكلمات. إنها مكان يعيش فيه الناس على حافة الهاوية. شوارعها محترقة، وبيوتها مدمرة، وأطفالها يتضورون جوعاً، ومستشفياتها مكتظة. لا يعيش الناس هناك كغيرهم؛ بل يناضلون يوماً بعد يوم. لا تدري الأمهات إن كنّ سيطعمن أطفالهن غداً، ولا يدري الآباء إن كانوا سيعودون أحياءً من بحثهم عن الماء.
كل شيء في غزة صعب: حتى التنفس تحدٍّ، وحتى الصمت يصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
كانت الهدن المعلنة على مر السنين، مهما كان اسمها أو وساطتها، متشابهة: قصيرة، هشة، تُكسر قبل أن يجف حبرها. وما إن يتنفس الناس الصعداء، حتى تعود الطائرات لتملأ السماء. وما إن يظن طفل أن القصف قد توقف، حتى يمزق انفجار آخر نومه.
وهكذا، أصبحت الهدنة فخاً مؤقتاً piège provisoire ، مجرد فاصل صامت بين حربين.
أما بالنسبة لوقف إطلاق النار الحالي، فقد كان الفلسطينيون يأملون أن يكون مختلفًا، وأن يمنحهم بصيص أمل. لكن إسرائيل، كعادتها، لم تحترمه.
لم يمضِ وقت طويل حتى انتهكت وقف إطلاق النار وأطلقت موجة جديدة من القصف والدمار. سقط عشرات الأبرياء، وأُبيدت عائلات بأكملها، وتحولت المنازل إلى مقابر جماعية. أمطرت السماء نارًا، وانطبقت الأرض على جثث القتلى.
في غضون ساعات، فقدت غزة ما تبقى من هويتها، بينما يراقب العالم في صمت مطبق. تبرر إسرائيل موقفها، ويبقى العالم صامتًا، ويدفع الفلسطينيون الثمن وحدهم.
الهدنة التي وُضعت لمنح الناس الأمن تحولت إلى خداع آخر. ووقف إطلاق النار الذي كان الجميع يتحدث عنه أصبح مجزرة جديدة. وكأن كل اتفاق في هذا الصراع محكوم عليه بالفشل قبل أن يرى النور. كيف يمكن للسلام أن يسود في أرض لا تزال تحت الاحتلال؟ وكيف يمكن لوقف إطلاق النار أن يصمد في غياب الإرادة الحقيقية؟
الحقيقة أن إسرائيل لا تسعى إلى سلام دائم une paix durable ، بل إلى لحظات صمت تُعيد خلالها تنظيم استعراض قوتها. كل هدنة فرصة لها لالتقاط أنفاسها، ثم تعاود الهجوم. أما الفلسطيني، فلا يجد لحظة راحة لدفن موتاه قبل أن يسمع دوي الطائرات العائدة. يعيش في دوامة موت لا نهاية لها، لا بداية لها ولا نهاية، بل استمرار للمعاناة la continuité de la souffrance .
في شوارع غزة اليوم، يسير الناس بين الأنقاض كما لو كانوا يسيرون في مقابر. طفل يحمل دميته الممزقة، وأم تجر ابنها الجريح بحثًا عن مستشفى، وأب يرفع رأسه إلى السماء متسائلًا: "أين العدل؟" لكن السماء صامتة، والعالم منشغل بالحديث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وكأن دماء الفلسطينيين لا قيمة لها، وكأن معاناتهم مجرد حدث عابر في الأخبار.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الظلم، لا تزال هناك أسباب للعيش في غزة. من تحت الأنقاض يولد الأطفال؛ ومن بين الركام ترتفع صرخات الأمل؛ ويخرج الناس ليقولوا للعالم: نحن باقون. ليس لديهم طائرات، ولا صواريخ، لكنهم يملكون ما تفتقر إليه إسرائيل: الإيمان بعدالة قضيتهم. وهذا يكفيهم للصمود، حتى عندما لا يبقى شيء. في نهاية المطاف، لا أمن بدون عدل، ولا سلام بدون مساواة، ولا هدنة بدون التزام.
طالما لم تُدرك إسرائيل أن أمنها لا يُمكن بناؤه على دماء الفلسطينيين، فستبقى في خوفٍ دائم، لأن الخوف الحقيقي ليس من الصواريخ، بل من الحقيقة: لا أحد يستطيع أن يعيش بسلامٍ بمنأى عن جراح الآخرين.
دماء الفلسطينيين ليست ثمنًا يُدفع من أجل أمن أي أحد؛ إنها وصمة عار على جبين الإنسانية الصامتة.
وستبقى غزة، رغم كل ما تُعانيه، شاهدةً على أن العدالة لا تموت، حتى وإن سُحقت تحت الأنقاض.
(ينظر أيضًا المقالات اليومية التي تنشرها بريجيت شالان من جماعة غزة: نقل مكان الطوارىء " Urgence déplacé " على موقع حركة التضامن الدولية في فرنسا وموقع "لو بوينغ"، والمقال الأسبوعي على موقع "ألترميدي"، وعلى حساب لجنة فلسطين الطلابية في مونبلييه على إنستغرام).
émoignage d’Abu Amir, le 20 octobre 2025 - La souffrance des Palestiniens et la sécurité d’Israël : entre une trêve violée et une paix qui ne naît jamais
ملاحظة من المترجم: وضْع العنوان من قبلي، بما يتناسب ومحتوى المقال/ الشهادة ، حيث لم أبقيت على محتواه !
.
غزة بعد وقف إطلاق النار (صورة 1170×530، مُقتطعة) 1731624815
( الدمار يتكلم. لا أحد يستطيع الطعن في شهادته. إنه يشير إلى فاعليه، مسبّبيه، الساعين وراءه. من جهة النوعية الصادمة، ثمة الكارثي. لا يعني في ظهوره الصريح الفصيح تغييباً لمظاهر حياتية، إنما " تعهداً " بالحيلولة دون عودتها. إنه نوع من النفي المطلق، تهديد الموتى أنفسهم بالظهور، حيث لا يُمثَّلون حتى في شاهدات قبور لهم. أي كما أسيء إليهم بالغ الإساءة في الحياة إنسانياً، ثمة الوجه الآخر: في الموت. ثمة القيمة صفر وما دونه للحياة. الصمت الصارخ والمجلجل للمدمَّر والذي يطارد المدمّر وفظاعة " فعلته " بجلاء. والشهادة تفاعل الصوت المنجرح والمنكوب مع " الشيء " المضروب والمعطوب كثيراً، إنها تهويل للحدث كما هو الحدث في فجيعة الدائر فيه وباسمه، وإدانة تاريخ حيث يتردد عويل الجغرافية هنا وهناك. على الأقل أن غزة في المشهد الكارثي ، لا تدع الناظر مركَّزاً على هول الحادث فيها فقط، بقدر، ما تحيله هو نفسه إلى منظور، كأي جهة تعيش الحالة هذه، أي تكون هي الناظرة وهي المستجوِبة للناظر نفسه أخلاقياً.)
المترجم
يبدو أن الفلسطينيين محكوم عليهم بالعيش في دوامة من المعاناة التي لا تنتهي، وكأن الألم أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، وكأن مصائرهم مكتوبة بالحزن والدماء. في كل مرة تلوح فيها بارقة أمل للسلام أو هدنة تهدف إلى وقف النزيف، تكشف إسرائيل عن وجهها الحقيقي وتبدأ الدورة من جديد. يُعلن السلام أمام الكاميرات، وتُسجل الهدنة على الورق، ثم في اليوم التالي، تُشعل القصفات النيران من جديد. وهكذا يتكرر المشهد حتى يفقد الفلسطينيون الأمل في الهدوء، لأنهم يعلمون أن العاصفة ستعقبه.
منذ بدء ما يُسمى "عملية السلام"، لم يذق الفلسطينيون طعم السلام الحقيقي.
اتفاقيات عديدة، ومفاوضات لا تُحصى، ووعود لم تُنفذ.
في كل مرة تُخطى خطوة نحو الأمل، تُنصب العراقيل، وترتفع الأصوات الإسرائيلية لتتحدث عن "الأمن"، وكأن الأمن لا يتحقق إلا على حساب حياة الآخرين. تستخدم إسرائيل هذه الكلمة ذريعة دائمة لتبرير كل شيء: الحصار، والقصف، والمجاعة، والقتل.
إذا مات طفل، تقول إنه كان يدافع عن نفسه؛ وإذا دُمر منزل، تدعي أنه كان لحماية سلامتها؛ وإذا اشتعلت غزة، تدعي أنها تُحارب "الإرهاب". ولكن من سيُداوي جراح الأمهات؟ من سيعيد الحياة إلى مدينة تغصّ بالموت كل يوم؟ في غزة، الواقع أقسى من أن تصفه الكلمات. إنها مكان يعيش فيه الناس على حافة الهاوية. شوارعها محترقة، وبيوتها مدمرة، وأطفالها يتضورون جوعاً، ومستشفياتها مكتظة. لا يعيش الناس هناك كغيرهم؛ بل يناضلون يوماً بعد يوم. لا تدري الأمهات إن كنّ سيطعمن أطفالهن غداً، ولا يدري الآباء إن كانوا سيعودون أحياءً من بحثهم عن الماء.
كل شيء في غزة صعب: حتى التنفس تحدٍّ، وحتى الصمت يصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
كانت الهدن المعلنة على مر السنين، مهما كان اسمها أو وساطتها، متشابهة: قصيرة، هشة، تُكسر قبل أن يجف حبرها. وما إن يتنفس الناس الصعداء، حتى تعود الطائرات لتملأ السماء. وما إن يظن طفل أن القصف قد توقف، حتى يمزق انفجار آخر نومه.
وهكذا، أصبحت الهدنة فخاً مؤقتاً piège provisoire ، مجرد فاصل صامت بين حربين.
أما بالنسبة لوقف إطلاق النار الحالي، فقد كان الفلسطينيون يأملون أن يكون مختلفًا، وأن يمنحهم بصيص أمل. لكن إسرائيل، كعادتها، لم تحترمه.
لم يمضِ وقت طويل حتى انتهكت وقف إطلاق النار وأطلقت موجة جديدة من القصف والدمار. سقط عشرات الأبرياء، وأُبيدت عائلات بأكملها، وتحولت المنازل إلى مقابر جماعية. أمطرت السماء نارًا، وانطبقت الأرض على جثث القتلى.
في غضون ساعات، فقدت غزة ما تبقى من هويتها، بينما يراقب العالم في صمت مطبق. تبرر إسرائيل موقفها، ويبقى العالم صامتًا، ويدفع الفلسطينيون الثمن وحدهم.
الهدنة التي وُضعت لمنح الناس الأمن تحولت إلى خداع آخر. ووقف إطلاق النار الذي كان الجميع يتحدث عنه أصبح مجزرة جديدة. وكأن كل اتفاق في هذا الصراع محكوم عليه بالفشل قبل أن يرى النور. كيف يمكن للسلام أن يسود في أرض لا تزال تحت الاحتلال؟ وكيف يمكن لوقف إطلاق النار أن يصمد في غياب الإرادة الحقيقية؟
الحقيقة أن إسرائيل لا تسعى إلى سلام دائم une paix durable ، بل إلى لحظات صمت تُعيد خلالها تنظيم استعراض قوتها. كل هدنة فرصة لها لالتقاط أنفاسها، ثم تعاود الهجوم. أما الفلسطيني، فلا يجد لحظة راحة لدفن موتاه قبل أن يسمع دوي الطائرات العائدة. يعيش في دوامة موت لا نهاية لها، لا بداية لها ولا نهاية، بل استمرار للمعاناة la continuité de la souffrance .
في شوارع غزة اليوم، يسير الناس بين الأنقاض كما لو كانوا يسيرون في مقابر. طفل يحمل دميته الممزقة، وأم تجر ابنها الجريح بحثًا عن مستشفى، وأب يرفع رأسه إلى السماء متسائلًا: "أين العدل؟" لكن السماء صامتة، والعالم منشغل بالحديث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وكأن دماء الفلسطينيين لا قيمة لها، وكأن معاناتهم مجرد حدث عابر في الأخبار.
ومع ذلك، ورغم كل هذا الظلم، لا تزال هناك أسباب للعيش في غزة. من تحت الأنقاض يولد الأطفال؛ ومن بين الركام ترتفع صرخات الأمل؛ ويخرج الناس ليقولوا للعالم: نحن باقون. ليس لديهم طائرات، ولا صواريخ، لكنهم يملكون ما تفتقر إليه إسرائيل: الإيمان بعدالة قضيتهم. وهذا يكفيهم للصمود، حتى عندما لا يبقى شيء. في نهاية المطاف، لا أمن بدون عدل، ولا سلام بدون مساواة، ولا هدنة بدون التزام.
طالما لم تُدرك إسرائيل أن أمنها لا يُمكن بناؤه على دماء الفلسطينيين، فستبقى في خوفٍ دائم، لأن الخوف الحقيقي ليس من الصواريخ، بل من الحقيقة: لا أحد يستطيع أن يعيش بسلامٍ بمنأى عن جراح الآخرين.
دماء الفلسطينيين ليست ثمنًا يُدفع من أجل أمن أي أحد؛ إنها وصمة عار على جبين الإنسانية الصامتة.
وستبقى غزة، رغم كل ما تُعانيه، شاهدةً على أن العدالة لا تموت، حتى وإن سُحقت تحت الأنقاض.
(ينظر أيضًا المقالات اليومية التي تنشرها بريجيت شالان من جماعة غزة: نقل مكان الطوارىء " Urgence déplacé " على موقع حركة التضامن الدولية في فرنسا وموقع "لو بوينغ"، والمقال الأسبوعي على موقع "ألترميدي"، وعلى حساب لجنة فلسطين الطلابية في مونبلييه على إنستغرام).
émoignage d’Abu Amir, le 20 octobre 2025 - La souffrance des Palestiniens et la sécurité d’Israël : entre une trêve violée et une paix qui ne naît jamais
ملاحظة من المترجم: وضْع العنوان من قبلي، بما يتناسب ومحتوى المقال/ الشهادة ، حيث لم أبقيت على محتواه !