فاتن فاروق عبدالمنعم - سلاسل وأجنحة د. أماني عبد السلام

العنوان:
سلاسل للتقييد وكبح جماح الانطلاق المفضي إلى العمل والإبداع والتغيير، وأجنحة للانطلاق اللامحدود حيث يريد المحلق بلا معوقات تذكر ليخط ويدبج ما يراه دون وجل أو تهيب، فالعنوان وحده هو إبداع يحسب للكاتبة.
الإهداء:
هو وصية للأجيال القادمة كأنه ميثاق تبرمه كي لا ينفصم عرى الخير الذي تبغيه الكاتبة لبلادنا، هو بوح يليق بنفس شفيفة تعتمل بكل جميل.
ثم تتحفنا الكاتبة بأبيات من نظمها فتقول:
يا أيها الصديقُ هاك محابسُك
قد فتحت قضبانها
اخرج، فمالك خائف؟
قد كنت تقسم أن هذا الكرب زائل
قد كنت تدعو باليقين
ودون سؤلك ألف حائل
(ارجع إلى ربك) فقل
يارب إني مرتعب
يارب خذ بيدي إلى أن أطمئن
يارب أهلكني التعب
الطرق ذائبة
ولاهبة....إذا لم تهد هذا الجاهل الأعمى
فمن؟
المحابس فكت والقضبان التي ستمضي عليها بلا معوقات، انطلق ولا تخف كم قلت أن هذا الكرب زائل، وأنت تدعو الله بيقين لا يريم، رغم كثرة الحوائل والمعوقات ولكنها الثقة في الله، ارجع إلى ربك تعني استمر في اللجوء إليه والاعتصام به كي يزداد يقينك طالما أنك مازلت خائفا مرعوبا حتى يطمئن قلبك رغم أن الطرق ذائبة وليست أرض صلبة تمضي عليها بثبات واطمئنان، وملتهبة تحرق من يقترب، وإن لم يهد الله هذا الجاهل الأعمى فمن له إذن؟ والسؤال بقدر ما يحمل الاستفسار بقدر ما يأوي الإجابة، فهو جاهل لم يتلقى التعليم الجيد أو المعلومة الصحيحة، وهو الأعمى من كثرة الفتن التي تحيط به ولم يتحسب لها من قبل إيمانيا ومعرفيا.
الرواية تنطلق بنا في عالمها الرحب من خلال شخوصها المختارة على عين الكاتبة تستنطقهم لينسجوا ما تعتق في داخلها من فكر بين ورؤية واضحة وعوالم متداخلة متشابكة لهؤلاء الشخوص الذين يتراوحون ما بين السلاسل والأجنحة، فهم مكبلون بالسلاسل ويحلقون بالأجنحة في آن، أو هكذا هم يتوهمون على تنوع وتباين مستوياتهم الاجتماعية التي تراوحت بين البرجوازية أو الارستقراطية القديمة وبين أولئك العصاميون الذين يجتهدون كي يشبوا عن الطوق ويجدوا لهم مكانا تحت الشمس.
بمبضعها تفتح تقيحات في جسد الأمة لتستخرج مداده القميء فتسفر عن الفساد المتجذر حتى في أرقى المؤسسات العلمية والتي من المفترض أن ترقى بنا إلى مراقي نستحقها على تنوعها فإذا بها غارقة في الفساد والإفساد المقنن من خلال الجوس العميق في نفوس شخوصها وعرض تقلب حالاتها صعودا وهبوطا من الضعف إلى القوة أو العكس بحنكة ودربة في متتالية تبين عن مبدعة حكاءة تجيد فنون التشويق فلا يسع قارئها إلا أن يقول ما تريد أن تأصله بيننا "في النهاية لا يصح إلا الصحيح"
ناهد هيكل الشخصية المحورية كحجر زاوية يدور حولها بقية شخوص هذه الرواية فهي المصفدة في أغلالها فلم ينصفها آلها الذين كبحوا انطلاقها بتكبيلها بجملة من التقاليد البالية من الجمود المفرط دون إفساح المجال للمشاعر الإنسانية الجميلة أن تورق وتزهر داخلها فلا تتصحر نفسها فتؤذي نفسها وتؤذي كل من يمت لها بصلة، كأنها اللعنة التي أصابت كل من ينتمي لها فلم تتورع عن أن تكون سببا في موت ابنها وسجن زوجها وحرمان أبنائها من أبيهم لتكون هي نفسها في حياتهم ليست إلا سلاسل من لهيب، وتتنفس ابنتها الصعداء بوفاتها.
تستمر الكاتبة في سردها المشوق تعري شخصياتها في حرفية عالية، عمرو المعيد بكلية العلوم، الشاب الوسيم المحاط بالمعجبات والحبيبات اللآتي تقعن في براثنه مصاب بتضخم الذات وعلو الأنا وعلى الرغم من حبه لأمل فهو الحريص على بقاء العاشقات الأخريات لا لشيء إلا لإرضاء غروره اللامحدود وبطبيعة الحال يضن على أمل التي يحبها بالزواج، لأنه في الحقيقة لا يحب سوى نفسه، حتى حانت اللحظة الفاصلة التي تعرى فيها ليس أمام زملائه بالجامعة فحسب وإنما أمام نفسه وبطبيعة الحال هو من يهرب من هذا التعري منذ تفتح وعيه لعلمه بأنها القاصمة لأنه رأى داخله المنتفخ وقد انتفخ على فراغ مدوي فكان هذا التعري الانهيار المحقق لأنه أسقطه من قمة البرج إلى الأرض وهو الهش سهل الكسر حتى ولو كان أستاذا بكلية العلوم.
ناهد هيكل الأم المتسلطة بل السيكوباتية التي تهدم وتعدم شخصية أبنائها عن عمد، فلا يقوى أحدهما على اختيار ما لا ترضاه حتى الزوج أو الزوجة هي التي تختار وهما عليهما الرضوخ غير المشروط لتورثهما تعاستها على عكس المفترض أنها تجاهد كي لا يمر أبنائها بتجربتها المريرة وكأنها الوجه الآخر لعمرو.
تصدع قوة الإيمان عند نورهان الملتزمة دينيا مع توالي الخطوب دون بزوغ بادرة أمل تضيء داخلها المعتم المحترق، والذي ترجم من خلال التخفف من الحجاب على نحو ما كأنها تعبد الله على شفا حفرة.
الرواية تشير بنعومة إلى التصدع الذي أصاب الهوية منذ عقود والهزيمة النفسية التي خلفت جملة من الأمراض الاجتماعية التي يحتاج علاجها إلى جملة من إجراءات تحتاج إلى عقود لتحقيقها وكلما حاول البعض الالتزام والتأكيد على الإلتزام بالهوية الدينية وضعت أمامه العراقيل تلو العراقيل، بدءا من الأم السليطة ناهد هيكل التي ترى أن ارتداء ابنتها للحجاب هو "هلاهيل" مرورا بجملة النقاض في مجتمع الجامعة انتهاء بقمة الهرم الذين أفسدوا على أسامة نقائه، وعمرو النرجسي المصاب بتضخم الذات والذي أصيب بصدمة حضارية عندما وطأت قدماه أرض أمريكا واكتشف أن لا أحد يعيره أدنى اهتمام، واكتشف أن الحرية في أمريكا هي حرية العري والكفر، وليست حرية الاحتشام والإيمان بالله، فهذه الأخيرة تعرض صاحبها للاتهام بالتطرف والإرهاب، وهنا سلاسل أخرى تقترن بالأجنحة المجازية في بلد توصف بأنها أم الحريات.
وكأنها راصدة للتغيرات التي حدثت في مصر في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس مبارك والاقتران الفج بين الفاسدين من رجال المال والأعمال والساسة والذين يرغمون من يقترب منهم على أن يكون فاسدا مثلهم وإلا سيحرم من عسلهم وحنطتهم، بل ويتعاملون بفكر العصابات فلو أن أحدهم ارتبط بعمل معهم وفكر في فك هذا الارتباط فإنهم لابد وأن يتخلصون منه أو يتحسب هو لذلك فيتراجع ويصبح فاسدا بالإكراه فلما لم يفعل ألقي به في السجن بتهم مخلقة وتجسد الكاتبة هذا بعلاقة أسامة بسعيد شرويدة.
وتتدرج المبدعة أماني عبد السلام معنا في الأحداث حتى نصل إلى انطلاق شرارة الثورة التونسية وردود فعل الشارع في مصر وحالة اليأس التي تسيطر على الناس فلا أمل في تغيير يذكر لذا انصرفوا عما يبث بقناة الجزيرة بدم بارد، حتى امتدت إلى مصر وفي سرد مشوق نسجته بقلمها لتبين عن تفاصيل ذات دلالة.
آخر عهد الرئيس المخلوع والذي ترهل وفقد القدرة على الاستمرارية بنفس النهج فحاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يريدون أن يمدوه ببعض من إكسير الحياة، وجوه جديدة مقبولة بالشارع لم تتلوث أيديهم بما تلوثوا هم به فلما رفض المهندس أسامة الرضوخ قال سعيد لحسنين "ماذا نفعل؟"
فيقول حسنين: أصله فقري بيحب الفقر.
فقال سعيد: إذن زده فقر، يعني اطرده من العمل، فالثراء لا يكون إلا من خلالهم ومادونهم يرتعون في فقر مدقع.
الرواية معزوفة ألم ووجع متجسد، كادر اتسع للجميع دون انتقائية أيدلوجية كي يرى الكل، الكل، كأن الكاتبة تضع بصمتها بطريقتها المثلى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى