أتأمل "الطريق الصامت" لهدى حجاجي، فأجدني أمام نص لا يكتفي برسم مشهد العودة، بل يعيد صياغة مفهوم "الاغتراب داخل الألفة". القصيدة تنهض على ثنائية حادة منذ البداية: (الدار/النار)، وهي ليست مجرد قافية عابرة، بل هي جوهر الصراع الدرامي؛ فالمشي هنا فعل معلق بين البحث عن أمان مفقود والهروب من جحيم ذاتي لا يهدأ.
ما استوقفني تقنياً هو هذا الانتقال الذكي في الإيقاع؛ تبدأ الكاتبة بجمل قصيرة لاهثة تعكس حالة التشتت "أمشي ولا أعرف"، ثم يمتد النفس الموسيقي فجأة عند استحضار صورة الأهل. هذا التمدد ليس صدفة، بل هو تجسيد لاتساع مساحة الذاكرة أمام ضيق الحاضر. الأم التي تفتح الباب قبل الوصول، والأب الذي يمنح الأمان بصمته، هما "الأيقونات" التي جعلت المكان (الدار) مكاناً أليفاً، وبغيابهما تحول الباب إلى حاجز نفسي صلب.
استخدام "أنسنة الأشياء" في قولها "الظلال على الجدران كأنها تتنفس معي" يعكس عمق الوحدة؛ فحين يصمت البشر، تبدأ الجدران بالكلام. والأسئلة هنا ليست فلسفية مجردة، بل هي "ثقيلة" تضغط على حركة الجسد، وكأن كل سؤال هو خطوة إلى الوراء رغم المشي للأمام.
اللحظة التنويرية في النص تكمن في "الرفض" عند عتبة الباب. مدت يدها لكن شيئاً ما في الداخل استعصى على الوضوح. هنا نلمس تفتت الهوية؛ الخوف ليس من "النار" الخارجية، بل من مواجهة "الذات المكتملة" التي فقدت روحها. الكاتبة ببراعة حولت "البيت" من ملاذ إلى مرآة كاشفة، وحين أدركت أن شيئاً ما قد مات في داخلها، فقد المكان قيمته الوظيفية، وأصبح "الرحيل المستمر" هو الحقيقة الوحيدة.
النص في مجمله هو قراءة سيكولوجية لمفهوم "الفقد المعنوي". فالكاتبة لم تعد، والرحلة لم تنتهِ، لأن "الدار" الحقيقية كانت تسكن الوجوه التي رحلت، وما بقي هو مجرد "ظل" يحمل صمتاً أثقل من أي صوت. هدى حجاجي في هذا النص، لم تكتب شعراً بل حفرت في جدار الصمت الإنساني لترينا أن العودة أحياناً تكون أقسى من التيه.
*************************
الطريق الصامت
بقلم الكاتبة هدى حجاجى
أمشي ولا أعرف
هل أنا عائدة إلى الدار
أم هاربة من النار…
الطريق صامت،
وكل قرار في قلبي يشبه الاستغفار.
أستعيد وجوهًا مرّت في حياتي،
أمٌّ كانت تفتح الباب قبل أن أصل،
وأبٌ يبتسم دون أن يسأل عن الطريق الذي تأخرت فيه،
وأصدقاء كانوا يختبئون في الضحك والسكوت.
الهواء بارد والظلال على الجدران كأنها تتنفس معي،
خطوتي خفيفة، لكن كل خطوة تثقل قلبي بآلاف الأسئلة،
أسئلة لا يجد لها صدى إلا في الصمت المطلق للطريق.
عندما وصلت إلى الباب، توقفت.
مددت يدي… لكن شيئًا ما في الداخل رفض أن يكون واضحًا،
شيئًا لم أكن أبحث عنه… ولم أجرؤ على مواجهته.
ثم أدركت فجأة:
لم أكن أخشى النار، ولم أكن مترددة في العودة إلى الدار…
كنت أخشى أن أجد نفسي هناك، مكتملة،
لكن شيئًا قد مات في داخلي، شيئًا لم يعد يعرفه أي طريق،
ولا أي دار، ولا أي وجوه.
الطريق لم ينتهِ، ولم أعد أعود،
كنت مجرد ظل يمشي،
يحمل في صدره صمتًا أثقل من أي صوت،
يبحث عن نفسه، بين الدار والنار، بين الحقيقة والوهم…
ولا أحد يعلم أين تنتهي الرحلة.
ما استوقفني تقنياً هو هذا الانتقال الذكي في الإيقاع؛ تبدأ الكاتبة بجمل قصيرة لاهثة تعكس حالة التشتت "أمشي ولا أعرف"، ثم يمتد النفس الموسيقي فجأة عند استحضار صورة الأهل. هذا التمدد ليس صدفة، بل هو تجسيد لاتساع مساحة الذاكرة أمام ضيق الحاضر. الأم التي تفتح الباب قبل الوصول، والأب الذي يمنح الأمان بصمته، هما "الأيقونات" التي جعلت المكان (الدار) مكاناً أليفاً، وبغيابهما تحول الباب إلى حاجز نفسي صلب.
استخدام "أنسنة الأشياء" في قولها "الظلال على الجدران كأنها تتنفس معي" يعكس عمق الوحدة؛ فحين يصمت البشر، تبدأ الجدران بالكلام. والأسئلة هنا ليست فلسفية مجردة، بل هي "ثقيلة" تضغط على حركة الجسد، وكأن كل سؤال هو خطوة إلى الوراء رغم المشي للأمام.
اللحظة التنويرية في النص تكمن في "الرفض" عند عتبة الباب. مدت يدها لكن شيئاً ما في الداخل استعصى على الوضوح. هنا نلمس تفتت الهوية؛ الخوف ليس من "النار" الخارجية، بل من مواجهة "الذات المكتملة" التي فقدت روحها. الكاتبة ببراعة حولت "البيت" من ملاذ إلى مرآة كاشفة، وحين أدركت أن شيئاً ما قد مات في داخلها، فقد المكان قيمته الوظيفية، وأصبح "الرحيل المستمر" هو الحقيقة الوحيدة.
النص في مجمله هو قراءة سيكولوجية لمفهوم "الفقد المعنوي". فالكاتبة لم تعد، والرحلة لم تنتهِ، لأن "الدار" الحقيقية كانت تسكن الوجوه التي رحلت، وما بقي هو مجرد "ظل" يحمل صمتاً أثقل من أي صوت. هدى حجاجي في هذا النص، لم تكتب شعراً بل حفرت في جدار الصمت الإنساني لترينا أن العودة أحياناً تكون أقسى من التيه.
*************************
الطريق الصامت
بقلم الكاتبة هدى حجاجى
أمشي ولا أعرف
هل أنا عائدة إلى الدار
أم هاربة من النار…
الطريق صامت،
وكل قرار في قلبي يشبه الاستغفار.
أستعيد وجوهًا مرّت في حياتي،
أمٌّ كانت تفتح الباب قبل أن أصل،
وأبٌ يبتسم دون أن يسأل عن الطريق الذي تأخرت فيه،
وأصدقاء كانوا يختبئون في الضحك والسكوت.
الهواء بارد والظلال على الجدران كأنها تتنفس معي،
خطوتي خفيفة، لكن كل خطوة تثقل قلبي بآلاف الأسئلة،
أسئلة لا يجد لها صدى إلا في الصمت المطلق للطريق.
عندما وصلت إلى الباب، توقفت.
مددت يدي… لكن شيئًا ما في الداخل رفض أن يكون واضحًا،
شيئًا لم أكن أبحث عنه… ولم أجرؤ على مواجهته.
ثم أدركت فجأة:
لم أكن أخشى النار، ولم أكن مترددة في العودة إلى الدار…
كنت أخشى أن أجد نفسي هناك، مكتملة،
لكن شيئًا قد مات في داخلي، شيئًا لم يعد يعرفه أي طريق،
ولا أي دار، ولا أي وجوه.
الطريق لم ينتهِ، ولم أعد أعود،
كنت مجرد ظل يمشي،
يحمل في صدره صمتًا أثقل من أي صوت،
يبحث عن نفسه، بين الدار والنار، بين الحقيقة والوهم…
ولا أحد يعلم أين تنتهي الرحلة.