د. محمد لبيب سالم - حوار مع صديقي الملحد

من واقعة حقيقية جرت عام 2003

في حوار هادئ وطويل وعميق مع صديق عزيز أثناء العمل في الجامعة بأمريكا عام 2003، وكان هذا الصديق رجلًا رائعًا في أخلاقه، راقيًا في تفكيره، عقلانيًا إلى حد بعيد، طُرح عليه سؤال ظل حاضرًا في الذاكرة إلى اليوم: كيف لا يؤمن بالله، وهو من أصحاب العقول التي تستطيع بسهولة أن تستدل على الخالق من خلقه؟


جاء الرد هادئًا وواثقًا:
لأنه لا يريد أن يؤمن بشيء لا يراه.

رددت في هدوء مماثل: ولكن كثيرًا من الأشياء لا نراها ونؤمن بها، كالهواء، والكهرباء، والمغناطيسية، والجاذبية، وغيرها.

رد بهدوء وثقة أكبر: لا أريد أن أؤمن بشيء لا أراه ولا أحسه.

فقلت: ولكن هناك أشياء كثيرة لا نراها ولا نحسها مباشرة، ومع ذلك نؤمن بها من خلال آثارها، بل إن بعض الظواهر الكهروكيميائية نفسها، خاصة في مستوياتها الدقيقة، لا تقع تحت الحس المباشر، ومع ذلك لا ينكرها العلم.

ثم جاء الاعتراض الثالث أكثر تحديدًا: لا أستطيع أن أؤمن بشيء لا أستطيع أن أقيسه.

وهنا حضرتني ابتسامة هادئة، وقلت له: وهل يمكن قياس الحب؟ وهل يمكن قياس الاحتياج إلى إنسان قريب؟ وهل يمكن الإمساك بالخوف أو الشوق أو الطمأنينة ووضعها على ميزان؟ وهل يستطيع الإنسان أن يشعر بالموت قبل أن يحدث، أو أن يتحسس الفكرة وهي تتولد في دماغه، أو يلمس المعنى وهو يعبر أعماقه؟
ثم قلت له: يا صديقي، ليس معنى أننا لا نستطيع أن نرى الأشياء أو نسمعها أو نلمسها أو نقيسها في لحظة معينة أنها غير موجودة. إن تاريخ العلم نفسه يعلّمنا هذا الدرس بوضوح. فنحن لم نكن نعرف كثيرًا من الحقائق التي أصبحت اليوم من أساسيات العلم. ولم يكن جهل الإنسان بها دليلًا على عدم وجودها، بل كان دليلًا على قصور أدواته في ذلك الوقت.

عندها جاء السؤال الذي بدا أنه جوهر الاعتراض كله: ولكن كيف يقال إن الله يسمع الناس جميعًا، ويراهم جميعًا، ويسجل كل ما يفعلونه ظاهرًا وباطنًا، وفي اللحظة نفسها؟ كيف يحدث هذا؟ أليس ذلك ضد ما نعرفه؟

وهنا عادت الابتسامة نفسها، وقلت له: بالأمس فقط نُشر لك بحث يثبت كيف تتواصل الخلايا المناعية عبر إشارات متعددة في اللحظة نفسها، وكيف تنشأ بينها وبين الخلايا السرطانية علاقات شديدة التعقيد من خلال بروتينات ورسائل متزامنة في اللحظة نفسها. ويكفي أن نتأمل كذلك العلاقة بين خلايا الدماغ وبقية أعضاء الجسم، وما يتطلبه ذلك من آلاف العمليات البيولوجية الدقيقة التي تجري على مستويات مذهلة من السرعة والدقة.

جاء الرد متحفظًا: الوضع مختلف.

قلت له:
نعم، مختلف، لكنه ليس مستحيلًا. فإذا كانت المخلوقات المحدودة تحمل في داخلها هذا القدر المدهش من التزامن والتواصل والتعقيد، فكيف يُستكثر على الخالق الإحاطة المطلقة والقدرة الكاملة؟ إن المشكلة أحيانًا ليست في الفكرة ذاتها، بل في محاولة قياس المطلق بأدوات المحدود، ومحاكمة قدرة الخالق إلى قوانين المخلوق.
ثم انقطع الحوار فجأة، لا لأن الفكرة انتهت، بل لأن الصديق طلب تأجيل الحديث إلى وقت آخر، إذ كان مرتبطًا بموعد مهم يقلقه كثيرًا ويغير مزاجه ويحرمه النوم من شدة التفكير فيه.

سألته برفق: وما الأمر الذي يرهقك نفسيًا إلى هذا الحد؟
بعد تردد قال: هناك من ضايقني كثيرًا، ولا أدري ماذا أفعل حتى آخذ حقي منه، بل إن أخذه يبدو صعبًا جدًا.
وهنا قلت في هدوء: وهذا هو بالتحديد أحد المعاني العميقة التي تجعل الإيمان بالله مريحًا، ومعضدًا، ونافعًا. فحين يؤمن الإنسان بالله، لا يشعر أنه متروك لظلم البشر بلا سند، ولا أن حقه يضيع في الفراغ. بل يبقى داخله يقين بأن هناك قوة أكبر من كل قوة، وعدلًا أعلى من كل عدل، وأن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع.

فضحك وقال: وكيف أضمن ذلك مع ربك؟

قلت له:
يكفيك أولًا هذا الإحساس العميق بأن هناك سندًا قويًا، حتى لو بدأ أثره نفسيًا. يكفي أن يشعر الإنسان أن مظلمته ليست غائبة عن عين ترى، ولا عن علم يعلم، ولا عن قدرة تستطيع أن تنصفه عاجلًا أو آجلًا. وهذا وحده يمنح النفس راحة، ويمنعها من الانكسار، ويعطي للحياة معنًى حين يضيق الواقع عن إنصاف الإنسان.

عندها ابتسم وقال: لديك حق… على الأقل نفسيًا.

ثم انصرف وهو يقول: أراك لاحقًا يا صديقي. وبقيت أنا ومعي الابتسامة،، وبقي الدعاء،

و الحمد لله.رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى