قراءة فى رواية رقصة الهيكل العظمى للكاتب حاتم رضوان بقلم مصطفى فودة

قراءة فى رواية رقصة الهيكل العظمى
للكاتب حاتم رضوان
بقلم مصطفى فودة
هى الرواية الرابعة للكاتب حاتم رضوان وقد سبقتها مجموعتان قصصيتان وقصة للطفل *، صدرت عن الهيئة العامة لقصورالثقافة عام 2025 فى مائة وثمان صفحات، وقد انتهجت أسلوبا سرديا غير تقليدى فى ثلاثة وأربعين فصلا قصيرا أو مشهدا متصلا ومنفصلا أشبه بالقصص القصيرة .
الرواية نفسية بامتياز حول شخصية محورية هى هبة الكاشف تعانى من اضطرابا نفسيا بالغا، أفاض السارد فى وصف شخصيتها الخارجية والنفسية وسلوكها على مدار الرواية بطريقة متشظية وكأنه يعكس شخصيتها المريضة، فهى تتمتع بجمال وجاذبية أنثوية كما أنها شخصية مغامرة ومندفعة دون تفكير أو حساب كل ممنوع لديها مرغوب، لديها هوس باقتحام المجهول تحركها نزوات عابرة ، تعرضت لحادث مروث أثناء قيادتها سيارتها المرسيدس والتى انقلبت بها عدة مرات أدى إلى شلل بالنصف السفلى وأكملت حياتها فوق كرسى متحرك، كما تعرضت من قبل وهى طفلة فى العاشرة من عمرها إلى صدمة موت أمها التى وُصفت بالممسوسة وماتت محترقة ثم موت جدتها ثم أبيها، تعانى هبة من الكوابيس المرعبة والخيالات والأوهام، يخيل إليها أن هناك شبحا يتسلط عليها أو جنيا محبوسا تحت جلدها يصفه السارد بعدة أوصاف على مدار الرواية فتارة بالكائن الناري أوالهلامي أو الشبحى أوالنوراني .
لعبت ثيمة الرقص دورا لافتا بالرواية فعنوان الرواية يبدأ بكلمة رقصة "رقصة الهيكل العظمى" وهى رقصة فى الفلكورالإسكيمو يطلق على شبح هيكل عظمى كان دائم الرقص عندما كان حيا وبعد موته صار هيكله يرقص أيضا، وتنتهى الرواية برقصة صوفية "رقصة صوفية/ يا روح"ص98 ، وقد تخلل الرواية أنواع عديدة من الرقص مثل الدبكة اللبنانية ورقصة القمر لمايكل جاكسون ورقصة غجرية/طاعون الرقص ص51 وهى حالة من الهيستريا الجماعية للرقص ظلت عدة أيام بفرنسا عام 1518 مما أدى إلى وفاة بعضهم، عشقت هبة الكاشف الرقص منذ طفولتها رغم معاقبة أبيها لها فقد كان الرقص مصدر سعادتها وعلاجا لها، وآمنت أن للرقص فلسفة وبمقولة نيتشه "لنعد كل يوم يمر بنا دون أن نرقص فيه ولو مرة واحدة يوما مفقودا"ص91، وآمنت أن الرقص موهبة تولد مع البنت منذ صرختها الأولى "حاجة فى الجينات كده...وكما يوجد صوت نشاز فى الغناء هناك أيضا جسم نشاز(فى الرقص)"ص95 .
سمات السرد بالرواية :
اتخذ البناء السردى فى الرواية شكل فصول قصيرة متصلة ومنفصلة فى ثلاثة وأربعين فصلا قصيرا أشبه بالقصص القصيرة ، ومن ثم كان التشظى فى الحدث والزمن وفى الشخصية سمة لافتة بالرواية فبدأت الرواية بحادث انقلاب سيارة هبة الكاشف أى من منتصف أحداث الرواية ثم مضى السرد بين العودة للوراء واستعادة الماضى والإستباق إلى المستقبل ثم العودة للحاضردون مراعاة التعاقب الزمنى الخطى التقليدى بل مضى محطما ذلك التعاقب فكان أشبه بحركة المد والجزر فى البحار مما جعل السرد أكثر تشويقا وجاذبية وأكثر ملاءمة لاضطراب الشخصية الرئيسية .
اتسم السرد بالأداء المشهدى والإيقاع المناسب للمشهد فعلى سبيل المثال مشهد الحادث وإيقاعه السريع"ثوان فارقة لم يفصلها عن الموت غير خطوات قليلة ص9 ومشهد تسلل الشبح إلى غرفة هبة وإيقاعه البطئ المناسب للمشهد "من البوابة الخلفية للحلم يتسلل إلى غرفتها،خفيفا مثل أفعى ملساء تنزلق بهوء من تحت الباب المغلق" ص94 ، كما اتخذ السرد سمة المزج بين الواقع والخيال والحلم فكثيرا ما يدل السياق أو عبارات به على الخيال أو الحلم فى الحدث كما فى مشهد إغتصاب الشبح لهبة الكاشف حيث وردت بها عبارة "من البوابة الخلفية للحلم" ص94، وكذلك مشهد حملها وإجهاضها ص95،97 ، ومثل حفل زفافها مع الشبح الذى حضره جمال عبد الناصر وسامية جمال ورشدى أباظة وعبد الحليم حافظ "رأت نفسها فى حلم داخل حلم"ص76، كذلك زواجها المكتوب بالدم أثناء الجامعة كان موضع شك بين الحقيقة والخيال ص84 ، كما كان بالسرد بعدا عجائبيا فى مشاهد قهقهات عالية ، طعنة الشيخ ، صاحب العين الواحدة والألف ذراع وسقوطها من الطائرة فى فصل مصارعة الأمواج ص49
اتخذ السرد رؤية الراوى العليم (الرؤية من الخلف أى رؤية كل شئ أكثر مما تعرف الشخصية ذاتها) فاستخدم ضمير الغائب الذى أتاح له رؤية بلا حدود بما يحدث فى أعماق شخصية هبة الكاشف، إلا أنه قد سمح لصوت بعض الشخصيات بالمشاركة بالتعليق المباشرأو بمنولوج داخلى ميزه بخط غامق مثل تعليق جدتها"انتى وأمك فولة وانقسمت نصين"ص12، كذلك حديث النفس بصوت هبة عند موت أبيها "اليوم اكتمل يتمك"ص31 وفى الحوار بين هبة الكاشف والغجرية قارئة الودع فكسر تعدد الأصوات المحدود للشخصيات رتابة الصوت الواحد .
الموروث الشعبى والفنون :
حفلت الرواية بالمورث الشعبى مثل الشبح والجن والممسوس والرُقية والغجرية وقراءة الودع وبعض المقولات الشعبية مثل"تعرف الست من كعوبها"، يعنى زى ما يقول العرب :"امرأة كعوب"ص56 ، ومثل موروث مولد البنت ومعها موهبة الرقص، كما حفلت بالغناء والفن التشكيلى مثل لوحة الكابوس للفنان التشكيلى السويسرى هنرى فوسيلى "تمددت على ظهرها واهنة وخائرة، تتدلى ذراعها لأسفل من على حافة الرير،تتمثل مستنسخ لوحة لفنان تشكيلى عالمى"ص94 .
جماليات اللغة :
اتسمت لغة الرواية بالجمال التعبيرى وبالجمل القصيرة والإيقاع المناسب للمشهد -كما قدمنا سابقا- كما اتسمت بالحسية والمجاز فمثلا "بين يوم وليلة تفتحت زهرة أنوثتها، زار خراط البنات، مرر يده الساحرة على مسطحاتها، تشكل تضاريسها، فنفخ فيه من روحه، فأورقت وأينعت، وأنبتت تلالا وهضابا، عنده أدركت منذ وقت مبكر قيمة ما امتلكت من كنوز ظاهرة ومخفية..تعرف ما تبدى وما تخفى كفنان احترف التشكيل، يجيد لعبة النور والظلال"ص20، كما كانت فى بعض عناوين بعض الفصول لغة مجازية مثل "فراشات المريدين تحوم على أعتاب فتنتها"،"تمر فيشتعل الشارع"ص23 ، "طعنة الشبح"، وكف العفريت، وكانت اللغة تعبيرية بامتياز فى مشهدى اغتصاب هبة الكاشف من الشبح ص95 ومن الطبيب الذى أجرى لها الإجهاض ص97 (ونرى أنهما مشهدين كابوسيين حدثا فى خيال الشخصية)، كما كانت رمزية مثل "قطار الموت السريع" كما اتسمت اللغة بسمات فنية تشكيلية وكأنها ترسم بورتريها للغجرية قارئة الودع " تتأمل وجهها حاد الملاح تشكل خريطته عدد (عددا) من الأخاديد الغائرة ، امرأة غجرية عجوز بحلقة من الفضة معلقة بإحدى فتحتى أنفها يتدلى من أذنيها قرط مخروطى ضخم وأسفل ذقنها وشم أخضر لطائر جارح هبطت إليها من زمن ماض ترتدى جلبابا زاهى الألوان موشى بورود كبيرة يضيق عند الوسط لتسع عند قدميها"ص،وتراسل الحواس فى"لأول مرة تعرف أن للنظرة طعما"ص50. وقد كانت اللغة الفصحى اليسيرة هى لغة السرد بصفة عامة إلا فى بعض المواضع السردية مثل "لتغرق لشوشتها"ص28 كذلك استخدم بعض العبارات العامية لتعبرعن صوت بعض الشخصبات فى جمل قصيرة ميزها باللون الغامق مثل حديثها لنفسها"يا أرض اتهدى مفيش عليكى قدى"ص35، وصوت الجدة "انتى وأمك فولة وانقسمت نصين"ص12 .
كان الحوار قليلا نظرا لأن الرواية نفسية حيث يقل فيها الحوار الخارجى ويكثر الحوار الداخلى(المنولوج) وقد كان مزيجا من العامية والفصحى ومن الحوار الخارجى حوارهبة الكاشف مع الغجرية قارئة الودع ص68
- شايفة إيه يا شابة؟
- ضباب .
- ركزى أكتر.
- ورا الضباب باب .
- خطى وراه .
وقد استخدم الكاتب بعض المسكوكات اللغوية الكلاسيكية مثل"عود على ذى بدء"ص35 وبعض كلمات معجمية مثل "رضفتيها" وتعنى الركبة فى عبارة "وتنورات ضيقة وقصيرة تعلو رضفتيها"ص23، كذلك كلمة "رهجة" الغبار وتعنى الغبار الكثيف، وقد بين معناها بالهوامش فى آخر الرواية ونرى ان ذلك قد يبطئ من السرد قليلا .
نهاية الرواية :
انتهت الرواية بنهاية مغلقة وحاسمة وهى تخلى هبة الكاشف عن نزقها واندفاعاتها والعودة إلى الله والاقتراب منه وبلغة صوفية وبعبارات من كتاب المواقف والمخاطبات للنفرى"يا عبد الجأ إليَّ فى كل حال أكن لك فى كل حال"ص99 وبجزء من قصيدة للشاعر الصوفى جلال الدين الرومى .
ونرى أنها نهاية مناسبة ومبررة فنيا للشخصية إذ سيقتها مقدمات وتساؤلات عن ما يحدث فى حياتها ولماذا يعصيها القلب كلما أرادت أن تضع الله داخله ولماذا كلما قررت العودة إلى الله هاجمتها الوساوس ص15 وتساؤلات عن الإيمان وهل هو مجرد طقوس وحركات تؤديها دون أن تلمس روحها، وقرأت من قبل كلمات للصوفى شمس الدين التبريزى"ليست الصلوات أو المناسك التى تؤدونها تقربكم من الله، بل قلوبك الصافية ، المليئة بالرحمة هى التى تجعلكم قريبين منه"ص14 فكانت مقدمات موفقة للنهاية فى رحاب التوبة والعودة إلى الله تعالى .
إ ذن نجح الكاتب فى كتابة رواية نفسية بطاقة تخيلية كبيرة وشخصية مركبة عانت من التشتت والتمزق والمرض النفسى بأداء سردى ومشهدى بديع ولغة جمالية وتعبيرية رائعة وبنهاية مغلقة سبقتها مقدمات للعودة إلى رحاب الإيمان .
--------------------------------------------------------------------------------------------------
هامش : الكاتب طبيب عظام من مواليد بنها محافظة القليوبية – مصر- وله أربع روايات وهم طرح النهر 2007 ،بقع زرقاء 2014 ، زاوية الشيخ 2021 والرابعة رقصة الهيكل العظمى 2025 موضوع القراءة ، كما له مجموعتان قصصيتان هما اللعب تحت المطر ، مثل رتينة كلوب قديمة 2022 ، كما له قصة للأطفال بعنوان زيزو وظاظا فى قصر الأسرار 2007 .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى