أ. د. عادل الأسطة - تحت أعواد المشانق : حول قانون الإعدام الإسرائيلي

آخر ما قرأته بخصوص إعدام الأسرى الفلسطينيين كان رأيا للوزي ( ايتمار بن غفير ) وقد أدرج ترجمته عن العبربة مؤمن مقداد ونصه :
" قانون الإعدام للأسرى ينطبق على 80% منهم، الشخص في الضفة الغربية الذي يخرج للقتل عقوبته الإعدام إلزاميا.
قمنا بإزالة ومعالجة جميع الذرائع، القانون يشمل عناصر النخبة، ورئيس الشاباك قال لي إن هذا القانون يزيد من قوة الردع."
وأول ما كثر الحديث عن إقرار القانون كتبت :
" عندما علق جمال باشا السفاح القوميين العرب على أعواد المشانق أزف موعد نهاية الدولة / الإمبراطورية العثمانية ، وعندما أقدمت بريطانيا على إعدام الثوار الفلسطينيين كانت إمبراطوريتها التي لم تغب يوما الشمس عنها تغرب وترحل . "
وتساءلت إن كانت نهاية الدولة الإسرائيلية تقترب ، آخذا بمنهج القياس ؛ قياس الحاضر على الماضي .
لقد استحضرت في ذهني قصائد وكتبا كتب فيها المعدمون عن لحظاتهم الأخيرة قبل أن يساقوا إلى المشنقة ، فبحثت عن قصائدهم وكتبهم .
وعبثا نجحت في العثور على تقرير الكاتب التشيكي (يوليوس فوتشيك ) " تحت أعواد المشانق " الذي كان في نهاية ٧٠ القرن ٢٠ متداولا ومقروءا ، وأظن أن منشورات صلاح الدين في القدس - أو منشورات الكاتب في رام الله- هي من أعادت طباعته ، وأرجح أن ما من سجين فلسطيني أو فلسطيني منتم لفصيل يساري لم يقرأه . مثله مثل كتابي يعقوب زيادين " البدايات " ومعين بسيسو " دفاتر فلسطينية " اللذين أعادت دار صلاح الدين طباعتهما .
أعدم ( فوتشيك ) في العام ١٩٤٣ إبان الغزو النازي لشيكوسلوفاكيا ، وخلال فترة سجنه كتب كتابه الذي تذكرته وأنا أفكر في الكتابة عن قانون الإعدام الإسرائيلي .
الكتاب وثيقة إنسانية وتاريخية مذهلة كتب في ظروف شبه استثنائية في أثناء الاعتقال - في العام ١٩٤٣ في سجن "بانكراك" ببراغ - من قبل قوات "الجستابو" النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
كان فوتشيك يهرب قصاصات الورق الصغيرة ، بمساعدة حارس سجن متعاطف يدعى "كولينسكي" ، ونُشرت بعد انتهاء الحرب وإعدام فوتشيك ، لتصبح من أشهر كلاسيكيات أدب المقاومة في العالم . وقد ركز صاحبها على تجربة التعذيب والصمود ووصف جلسات التحقيق القاسية. ولم يكتفِ بنقل الألم الجسدي، بل ركز على الصراع النفسي بين المعتقَل والسجان، وكيف حافظ على "ابتسامته" ورفضه الوشاية برفاقه رغم تحطم جسده. كما قدم صورة بانورامية للسجن، واصفاً الشخصيات التي التقاها؛ من الأبطال الصامدين إلى الخونة والضعفاء، وحتى السجانين الذين فقدوا إنسانيتهم.
ورغم اقتراب فوتشيك من الموت، فقد امتلأت كتابته بحب الحياة. تحدث عن ذكرياته، عن الطبيعة، وعن إيمانه المطلق بأن الفاشية ستنهزم وأن المستقبل سيكون أجمل للبشرية.
لم يكن فوتشيك يخشى الموت، بل كان يراه ثمناً مستحقاً للحرية.وقد اختتم كتابه بجملة أصبحت شعاراً عالمياً:
"أيها الناس، لقد أحببتكم، فكونوا حذرين!"
وهي صرخة تحذير للأجيال القادمة من خطر عودة الطغيان والكراهية.
ويعد الكتاب فريدا لأنه كُتب "تحت أعواد المشانق" فعلياً، فكل كلمة فيه معمدة بصدق التجربة والمواجهة المباشرة مع الموت. وللكتاب قيمة أخلاقية هي أنه يعلم أن كرامة الإنسان وقيمه هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن للجلاد انتزاعه، مهما بلغت قوته. إنه باختصار سجل لانتصار الروح الإنسانية على الآلة العسكرية الظالمة، وقصة رجل قرر أن يظل "إنساناً" حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
قبل ( فوتشيك ) عرفنا في الأدب الفلسطيني نماذج أدبية كتبها فلسطينيون ليلة أعدموا وأبرزها وأولها قصيدة عوض التي كتبها على جدار زانزانته ليلة إعدامه ، وفيها يصف ما يشعر به ليلة إعدامه . إن الدموع اللي يذرفها ليست دموع الخوف . إنه يذرفها على وطنه وعلى " كمشة زغاليل في البيت جوعانة " - يقصد أطفاله الذين تركهم بلا معيل فقد فقد من قبل اثنين من إخوانه شنقا ، وأما زوجته التي باع ذهبها ليشتري بثمنه البندقية فحسرتها موزعة عليه وعلى أطفالها .
في العام ١٩٢٩ أعدمت سلطات الانتداب البريطاني ثلاثة فلسطينيين هم عطا الزير وفؤاد حجازي ومحمد جمجوم ، فكتب فيهم الشاعر إبراهيم طوقان قصيدته " الثلاثاء الحمراء " التي يبتدئها بقوله :
" لما تعرَّض نجمـك المنحـوسُ
وترَّنحت بعرى الحبال كؤوس [ رؤوس ]
ناح الاذان وأعول الناقـوس
فالليل أكدر والنهار عبوس
طفـقـت تـثـور عـواصـفُ وعـواطــفُ
والـمـوت حيـنـاَََََََََََََََََََََََ طـائــفُ أو خـائــفُ
والمعول الأبدي يمعن في الثرى
ليردهم في قلبها المتحجرِِ " .
ويصور الشاعر جمجوم والزير وحجازي ، وقد علموا بموعد شنقهم ، غير هيابين وغير خائفين يرغب كل منهم في أن يسبق زميليه .
لم تقتصر الكتابة عن الإعدام على الشعر ، ففي مجموعته القصصية " الداخل والخارج " ( ١٩٩٣ ) كتب الناقد والقاص صبحي شحروري قصة عنوانها " يوم شنق محمود العبد الرحيم " وفيها يخبرنا السارد بما جرى ، يوم شنق المناضل ، في قرية بلعا وفي المدينة المجاورة .
تنتهي القصة التي تبين مكانة الشهيد بالآتي :
" مثلما هو دائما ظل المنظر مهيبا ، سروات الرأس السامقة شهدت الدفن هي الأخرى ومعها حواكير المشمش المحيطة بالمقبرة ..... وفي الأعلى غيم أبيض ربيعي كان يجتاز قبة السماء بتمهل وهو يشهد المنظر أيضا " .
من أطرف الروايات التي قرأتها عن الإعدام رواية الكاتب التركي عزيز نيسين " سرنامة وقائع احتفال رسمي " التي دونت على صفحاتها ، بعد أن فرغت من قراءتها ، الآتي :
" بطل هذه القصة مثل شخصية ( فرانز كافكا ) يوسف . ك . مثل الشعب الفلسطيني وورطته ، ويومها تساءلت إن كان لزمن ترجمتها في العام ٢٠٠٧ علاقة بإعدام الرئيس العراقي صدام حسين .
كل باطل إلى زوال .

عادل الأسطة
٥ نيسان ٢٠٢٦
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٢ / ٤ / ٢٠٢٦ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى