سِيرْ تْلْعَبْ

حينما يكون الناس الكِبار منهمكين في أحاديث يومية أو في نقاشٍ جاد أو يريد الناسُ، كبار السن أو الراشِدون les adultes التَّخلُّصَ من بلبلة وصُداع الأطفال، يقولون لهم "سِيرْ تْلْعَبْ". وهذا دليلٌ قاطِع على أن هؤلاء الكبار يجهلون قيمةَ اللعب بالنسبة للأطفال. إنهم يظنون أن اللَّعبَ ليس إلا ضياعٌ للوقت، بينما اللَّعبُ، بالنسبة للأطفال، هو فطري inné. بمعنى أن ميولَ الطفل للعب يعتَبَر غريزة، مرتبطٌ بها، ليس فقط نمو الطفل وتعلُّمه، بل مرتبط بها بقاء النوع البشري la survie de l'espèce humaine واستمراره في الحياة. إذن، الميول إلى اللعب، هو، في الحقيقة، غريزة بيولوجية un ،instinct biologique أو بعبارة أخرى، هذه الغريزة تُعد بمثابة مدرسةٌ أو مصدرٌ لتعلُّم كثيرٍ من الأشياء التي تساهم بناء علاقة الطفل بمحيطه البشري والمادي. وعلاقة الطفل بمُحيطه البشري والمادي، هي التي يتعلَّمُ الطفل أثناءها كثيرا من أشياء الحياة au cours de laquelle l'enfant apprend les choses de la vie، بمفهومِها الواسع. والميول إلى اللعب ليس خاصاً بالنوع البشري. بل كل الحيوانات القريبة من الإنسان، أي الثدييات les, ،mammifères يميل صِغارُها إلى اللعب.

ولهذا، فاللعبُ، عند الأطفال، ليس مجرد تسلية une simple distraction. إنه مدرسة أو مصدر للتَّعلُّم، فضلا على أنه يساهم في بناء شخصية الأطفال وفي تنشئتِهم الاجتماعية leur socialisation. فبواسطة اللعب، الطفل يتعامل مع محيطِه البشري والمادي interagit avec son entourage humain et matériel. بل إنه يستكشِف هذا المحيط، يُدرِكه ويستبطِنُه il se l'approprie. وفيما يلي، هذه بعض المكتسبات التي يُحصِّل عليها الطفلُ أثناء اللعب :

1.فيما يخص القدرة على بناء المعارف la capacité de construction des connaissances أو ما يُسمى بالنمو المعرفي le développement cognitif، التَّعامل مع المحيط أثناء يمكِّن الأطفالَ من إغناء رصيدِهم المعرفي، بواسطة ارتكاب الاغلاط أثناء اللعب وتصحيحها من بعد.

2.أثناء اللعب، يتعلَّم الأطفال، عبر ارتكاب الأخطاء، حلَّ المشكلات la résolution de problèmes. بل يتعلَّمون الإبداعَ la créativité، باختراعهم لالعابٍ جديدةٍ. فالطفل قادر على إعطاء الأشياءَ أدواراً مختلفة. مثلا، قد يموِّل الطفلُ، فكرياً، قطعا من الحجر أو الزجاج أو العظام… إلى سلعٍ تباع وتُشترى، دون أن ننسى أنه قادر على تقمُّص كل ألأدوار. ولهذا، قد يصبح تاجراً commerçant أو راشِدا adulte أو سائق سيارة أو طائرة أو شاحنة… وقد يصبح حيواناً… المهمُّ، إنه قادر على أن يسبح في عالم الخيال، دون أي عناءٍ

3. أثناءَ اللعب، الطفل يُنمِّي عضلاته، بواسطة الحركات والجري. بل الطفل له ميولٌ طبيعي للألعاب التي فيها نوع من الخطورة. لماذا؟ لأن الطفلَ يريد أن يفتخِرَ بقوته العضلية sa force musculaire ويريد، كذلك، أنه قادرّ على تجاوز الصِّعاب والحواجز وقادر على الحفاظ على توازنه مشياً فوق حائطٍ أو تسلُّقا للأشجار…

4.اللعب عبارة عن حقلٍ للتَّجارب الاجتماعية. كما سبق الذكر، اللعب يساهم في التنشئة الاجتماعية. ولهذا، فعندما يقلِّد الطفلُ الراشدين، وبالأخص، أثناء ممارسة ألعاب جماعية، فإن وسطَ اللعب يتحوَّل إلى ميدانٍ للتجارب. حينَها يصبح هذا الميدانُ مصدراً لتعلُّم التعاون la coopération والاقتسام مع الغير le partage avec autrui، علما أن الطفلَ صغيرَ السن يظن أن العالمَ مِلكٌ، وبالتالي، لا يريد اقتسامَه مع الغير. بل قد يتعلَّم الطفلُ كيف يتعامل مع الصراعات les conflits…

5.السير التَّدريجي نحو الاستقلالية l'autonomie. فعندما يتقدم الطفلُ في السن ويتعلَّم التعاون مع الغير واقتسام أشياء كثيرة معه، فإنه يخطو خطوات مهمة نحو تنشئةٍ اجتماعيةٍ تتكامل شيئاً فشيئاً. ومن ضمن ما تسعى له هذه التنشئة، سواءً عبر اللعب أو عبر الأسرة ثم المدرسة، هو الاستقلالية. والاستِقلالية هي أن يصبح الطفل معتمدا على نفسه تدريجياً.

وفي ختام هذه المقالة، ما أُلحُّ عليه، هو أن اللعبَ يعلِّم الأطفالَ ما لا يتعلمونه لا في الأسرة ولا في المدرسة. ولهذا، أن يقول الراشدون، عن جهالٍة، للطفل "سِيرْ تلعب"، فهذا خطأٌ فادح. لماذا؟

لأنه، بالنسبة لهؤلاء الراشدين، الذين لا يعرفون أي شيءٍ عن نمو الأطفال ignorants en matière de développement des enfants، يرون اللعبَ من منظور سلبي. بالنسبة لهم، اللعب مضيعةٌ للوقت، أي لافائدةَ منه. لا فائدة منه لأنهم، في غالب الأحيان، يرون فيه شيئاً غير نافع، وقد يُصنِّفونه كشيء معاكسٍ للعمل le travail. وفي الحقيقية، بالنسبة للأطفال، اللعب هو نوعٌ من العمل الذي قد يقضي فيه الطفلُ وقتاً طويلاً.

بالنسبة لهؤلاء الراشدين، أماكن التعليم والتًّعلُّم الهادفين، هي الأسرة والمدرسة و"جَّامْعْ". خارجَ هذه الأماكن، اللعب عبارة عن صُراخ وفوضى وصَخَب وضجَّة لا يرجى من ممارستِه أي نفعٍ أو نتائج إيجابية. والراشدون الجَهَلة الذين يعتبرون اللعبَ صراخاً وفوضى وصَخَب وضجة، لا يدركون أن الأطفالَ، أثناء ممارسة اللعب، يُرتِّبون أحاسيسَهم وأفكارَهم. ولا يدركون أن اللعب الحر أو التلقائي le jeu libre ou spontané، هو مصدرٌ للإبداع الخلاق la .créativité novatrice

وفي نهاية المطاف، ما على أرباب الأسر، آباء وأمهات، أن يُشجِّعوا أبنائهم وبناتِهم على اللعب، لكن اللعب المنظَّم، أي اللعب المسخِّر لبناء شخصية الأطفال، أي اللعب الذي يُساهِم في بناء نمو هؤلاء الأطفال. وأحسن طريقة لتحقيق هذا النمو، هو تسجيلُهم في التعليم ما قبل المدرسي l'enseignement préscolaire حيث أنشطتُه التعليمية والتَّعلُّمية مبنية على اللعب الذي يُعتبَر ركيزة للتَّعلُّم على كثيرٍ من المستويات. منها، الحركي النفسي psychomoteur والفكري intellectuel والاجتماعي social والوِجداني affectif…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى