غانية ملحيس - من تفكك أفق النهاية إلى تعدد إنتاجها، من يملك زمن الحسم؟ تفكيك أطروحة “تأجيل النهايات”

يواصل هذا المقال الاشتباك الفكري حول ظاهرة اللا – حسم في الصراعات المعاصرة عبر مساءلة الفرضية التي يطرحها الأستاذ نائل التونسي، والقائلة إن العالم المعاصر لم يعد عاجزا عن إنتاج النهايات، بل بات قادرا على إدارتها وتأجيلها داخل بنية عالمية تتحكم في توقيت الحسم وحدوده.
تبدو هذه الفرضية، في ظاهرها، انتقالا نوعيا من توصيف تعقيد الصراع إلى تفسير بنيته العميقة. إذ تستبدل سؤال “لماذا لا يحدث الحسم؟” بسؤال “كيف يُدار زمنه؟”.
غير أن الإشكال لا يتبدّى في جرأة التحول، بل في طبقة أعمق من الافتراضات المضمرة: إعادة إدخال فكرة “المركز”، ولو في صورتها المجرّدة، عبر الإيحاء بوجود انتظام كلي يُنتج التأجيل أو يُديره، حتى حين لا يُصرّح به كفاعل مباشر.
ومن هنا يتبلور السؤال المؤسس ليس بوصفه اعتراضًا، بل بوصفه إعادة ضبط للزاوية: هل نحن بإزاء مركز يُدير النهايات ويؤجلها؟
أم أمام تشكّل شبكي متعدّد المراكز، لا يملك القدرة على الإغلاق، لكنه يُنتج آثارا تتخذ شكل “التأجيل” دون أن تقصدها أي إرادة منفردة؟

أولًا: من الفخ المركّب إلى نظام التأجيل، اختلاف في القراءة لا في طبيعة الواقع
يُفهم “الفخ المركّب” بوصفه توصيفا لبنية صراع تتداخل فيها المستويات وتتراكب فيها الأدوات، بحيث يُعاد إنتاج الأثر داخل شبكة لا مركزية:
• تعدد طبقات الفعل،
• تشابك أدوات القوة،
• تعذر الحسم الخاطف،
• وارتداد النتائج داخل المجال نفسه.
في هذا المعنى، لا يحيل الفخ المركب إلى مركز مُدبّر، بل إلى تشكّل بنيوي غير هرمي، تتوزع فيه الفاعلية دون أن تستقر في نقطة سيادة واحدة.
أما أطروحة “تأجيل النهايات”، فتبدو، في ظاهرها، انتقالا إلى مستوى أعلى من التفسير، إذ تقترح أن هذا التشابك لا يكتفي بإنتاج الاستنزاف، بل يُنتج نمطا من تعليق الحسم.
غير أن الفارق، عند التدقيق، ليس في بنية الواقع، بقدر ما هو في زاوية الإسناد التفسيري: بين وصف التعقيد بوصفه أثرا غير موجه، وبين قراءته بوصفه انتظاما ضمنيا يُفضي إلى نتيجة مقصودة.
وهنا تحديدا ينبغي التمييز: فإن كان “التأجيل” اسما لنتيجة التداخل البنيوي، لا لإرادة كامنة فيه، فإنه لا يغادر منطقة الفخ المركب، بل يعيد تسميته دون تجاوزه.

ثانيًا: من الوظيفة إلى القصد، الانزلاق الخفي في التفسير
ينطلق نائل من ملاحظة دقيقة مفادها أن استمرار الأزمات يرتبط بوظائفها داخل النظام العالمي: النفوذ، الاقتصاد العسكري، التوازنات، وإعادة إنتاج الشرعية.
غير أن الإشكال لا يكمن في هذا الوصف، بل في لحظة الانزلاق غير المعلنة من الوظيفة إلى القصد. من القول بأن “الأزمة تُستخدم داخل النظام”، إلى القول بأن “النظام يُنتجها أو يؤجلها وفق منطق داخلي متماسك”.
في هذه النقلة الدقيقة، يتحول التفسير من تحليل بنية متعددة الفاعلين إلى افتراض انتظام كلي يُشبه الفاعل، وإن لم يُسمَّ كذلك صراحة.
لكن ما تكشفه الوقائع هو أن:
• الفاعلين لا يتقاطعون على نية واحدة،
• والمصالح لا تنسجم في اتجاه موحد،
• والنتائج تنفلت من مقاصد أطرافها جميعا.
وعليه، فإن ما يُسمّى “تأجيلًا” لا يظهر كتصميم، بل كأثر جانبي لتصادمات لا تملك أي جهة القدرة على حسمها دون كلفة مرتفعة على ذاتها.

ثالثًا: الزمن بوصفه فقدانا متدرجا للاحتكار
إن سؤال “من يملك زمن الحسم؟” يفترض، في عمقه، قابلية الزمن للامتلاك أو الإدارة، وكأنه مورد يُوزع أو يُضبط من خارج حركة الصراع. غير أن الزمن، في البنى الشبكية المعاصرة، لا يعمل كأداة سيادة، بل كحقل تتراكم فيه آثار الفعل دون أن يُعاد تشكيلها بالكامل.
حتى الفاعلون الأكثر مركزية: لا يملكون ضبط مسار النتائج النهائية، ولا التحكم في لحظات التحول الحاسمة، ولا احتكار نقطة الانعطاف التاريخي.
إن ما يُمارَس ليس “إدارة للزمن”، بل تفاوت في القدرة على التأثير داخل إيقاع لا يكتمل ضبطه لأي طرف.

رابعًا: حدود المفهوم، حين يصبح “التأجيل” تفسيرا شاملا
كلما اتسع مفهوم “التأجيل” ليشمل جميع صور عدم الحسم، انزلق إلى وظيفة تفسيرية شاملة:
• إذا لم يحدث الحسم: تأجيل،
• إذا طال الصراع: استمرار التأجيل،
• إذا تغيّر الشكل: إعادة صياغة للتأجيل،
• وإذا وقع الانفجار: لحظة داخل مسار مؤجل،
وبهذا الاتساع، يفقد المفهوم قدرته على التمييز بين الحالات، ويتحول إلى إطار مغلق لا يسمح بالخروج منه.
غير أن التاريخ، في أكثر لحظاته كثافة، لا يتحرك عبر “تأجيل مستمر”، بل عبر انقطاعات غير متوقعة : انهيارات لم تُحسب، تحولات لم تُنتظر، وانعطافات لا يمكن ردّها إلى منطق تأجيل مسبق

خامسًا: فلسطين، الصراع بوصفه بنية لا تُغلق
في الحالة الفلسطينية، يبدو مفهوم “التأجيل” للوهلة الأولى تفسيرا وجيها: صراع ممتد لأكثر من قرن، غياب حل نهائي، وإعادة إنتاج متواصلة للبنية ذاتها. غير أن هذا التوصيف، عند التعمق، لا يكشف عن إدارة مركزية للتأجيل، بل عن:
• تعدد مشاريع الحسم المتنافية،
• تداخل مستويات الفعل (العسكري، القانوني، الديموغرافي، الرمزي)،
• وتفتت مراكز القرار داخل كل طرف.
وعليه، فإن ما يبدو استمرارا مؤجلا ليس سوى: فشل بنيوي متكرر في إنتاج نهاية قابلة للاستقرار دون كلفة تفوق قدرة أي طرف على تحملها.

سادسًا: أوكرانيا، تعثر الحسم داخل شبكة كثيفة التداخل
في أوكرانيا، يتجلى نمط مختلف من التشابك:
• تعدد مراكز القرار الدولي،
• تشابك اقتصادي عالمي واسع،
• واستقطاب استراتيجي غير قابل للحسم الأحادي.
في هذا السياق، لا يظهر “التأجيل” كقرار أو سياسة، بل كتعطل بنيوي في إمكانية إنتاج نهاية قابلة للتثبيت. فكل محاولة للحسم تُعاد إدخالها داخل شبكة أوسع من الارتدادات، بما يمنع استقرارها النهائي.

سابعًا: إيران، استقرار هش بدل إدارة مقصودة
في الحالة الإيرانية، لا يظهر أي انتظام كلي يدير الصراع أو يؤجل نتائجه. بل ما يتشكل هو: توازن ردع متعدد الطبقات، تصعيدات محسوبة جزئيا، وانفجارات محدودة لا تتحول إلى حسم شامل. وهنا لا يعود “التأجيل” وصفا دقيقا، بل أقرب إلى حالة عجز متبادل عن إنتاج حسم غير مكلف.

ثامنًا: إعادة ضبط السؤال، من إدارة النهايات إلى شروط إمكانها
لا يعود السؤال المركزي من يدير النهايات أو يؤجلها؟ بل يتحول إلى سؤال أكثر جذرية: لماذا أصبح إنتاج النهاية نفسها، في البنى المعاصرة، فعلا عالي الكلفة، وغير مستقر إلى درجة تجعل الصراع أكثر قابلية للاستمرار من قابليته للإغلاق؟
في هذا المستوى، لا يعود التفسير محتاجا إلى مركز، بل إلى فهم:
• تشابك البنى،
• وتعدد الفاعلين،
• وانفصال النية عن الأثر،
• وتداخل مستويات الصراع دون نقطة سيادة حاكمة.

تاسعا: من وهم الإدارة إلى كثافة التشظي
إن أطروحة “تأجيل النهايات”، رغم قوتها التفسيرية الأولية، تميل إلى إعادة إدخال فكرة المركز بشكل غير مباشر، سواء كان هذا المركز فاعلا واعيا أو انتظاما بنيويا ضمنيا.
لكن ما تكشفه الصراعات المعاصرة، في عمقها الأبعد، ليس إدارة للنهايات، بل: تعدد مراكز الفعل، انكسار إمكان الإغلاق المستقر، تشظي مسارات الحسم، وانفصال الفعل عن نتائجه النهائية
وبهذا المعنى، لا تبدو النهايات مؤجلة كقرار، ولا متفككة كفشل، بل كأثر بنيوي لعالم متعدد المراكز، يُنتج استمرارا أكثر مما يُنتج إغلاقا، دون أن يمتلك في ذاته إرادة إنتاج أيٍّ منهما بصورة مكتملة.

عاشرا: ليس تأجيلا، بل عجز بنيوي
إذا كان ما يُسمّى “تأجيلا للنهايات” يفترض وجود قدرة ما، معلنة أو ضمنية، على ضبط مسار الصراع، فإن أبسط اختبار لهذا الافتراض يكمن في سؤال واحد: كيف يمكن لنظام يُفترض أنه يُدير النهايات أن يعجز، في الوقت ذاته، عن إنتاج أي نهاية مستقرة؟
إن التناقض هنا ليس عرضيا، بل كاشف:
فإما أن النظام يمتلك القدرة على الإغلاق، وعندها يصبح استمرار الصراعات فشلا لا وظيفة.
أو أنه لا يمتلكها أصلا، وعندها يسقط الادعاء بأنه يدير تأجيلها.

بهذا المعنى، لا يعود “التأجيل” تفسيرا، بل يتحول إلى صيغة لغوية تُغطي على عجز بنيوي أعمق: عجز أي فاعل، مهما بلغ امتداده، عن احتكار شروط الحسم داخل عالم متعدد المراكز، متشابك البنى، ومنفلت النتائج.
وعليه، فإن ما يبدو “إدارة للنهايات” ليس سوى إسقاط متأخر لوهم السيادة على واقع فقد قابلية الإغلاق. ليس لأن النهايات مؤجلة، بل لأن شروط إنتاجها لم تعد قابلة للامتلاك أصلا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى