زينب السعود - "تمثيلات الآخر بين شتات المجموع وفردية اليقين" في رواية: (خمس منازل لله وغرفة لجدتي) لمروان الغفوري

تعتمد الرواية - وهي الجنس الأدبي الأكثر اتساعا لمقولات الإنساني والاجتماعي والأيديولوجي - على تقنيات كثيرة ومتنوعة لرصد الذات الساردة وعرض معاناتها وطموحاتها وبسط أفكارها ورؤاها وعلاقتها مع محيطها ، ومنها تقنية التشخيص التي تعني منح الأفكار المضادة أو (الغيرية ) أجساد شخصيات تتسم بكامل الصفات البشرية لتمكين الفكرة المطروحة من تلبّس ثوب أنسنتها عبر حركة الشخوص. تعرض كتب النقد أشكالا نمطية للآخر السردي أمام الذات الساردة مثل الآخر العدو / الصديق، أو الآخر الثقافي أو من تتمحور حوله نزاعات الهوية والوجود كنموذج استعماري أو حضاري ، وقد يكون الآخر (جندريا ) يشير إلى تفكيك العلاقة بين الجنسين .
في رواية الطبيب والكاتب اليمني مروان الغفوري : ( خمس منازل لله وغرفة لجدتي ) يعكس العنوان صورتين للآخر مقابل الذات الساردة ، وفي كل صورة يمكننا توليد صور أخرى . يقول الكاتب في خاتمة الرواية ( كان الطريق إلى الله في قريته واحدا ، حتى سكن في المدينة طلبا للدراسة ) . هذه العبارة تكشف رمزية العنوان وكنه الدلالة التي تقارن بين فطرة القرية وتعقيدات المدينة . يبدو العنوان للوهلة الأولى صداميا مع الثابت الديني الشائع في ذهن المتلقي ، والمتلقي المعني بالدرجة الأولى المسلمون وكل مهتم من غيرهم . وربما يتصادم الوعي الجمعي للوهلة الأولى مع العنوان لكن اللغة تزيل اللبس فكلمة خمس عدد مخالف لمعدوده منزلة مفرد منازل . ( فالمنازل ) هي المراتب والمقامات التي تؤول سرديا بعدة دالات ثقافية ودينية كما يقول (باختين ) باستنباط الأيديولوجيا من المتن النصي بوصفه دالا يستوجب البحث عن الأيديولوجي في داخله. فالرقم خمسة هو عدد الصلوات التي يؤديها المسلم في اليوم ، وهو مقدار زكاة الخمس عند الشيعة الإمامية وهو عدد أصحاب الكساء وأركان الإسلام المحددة للهوية الدينية للمسلم خمسة. وهو في الرواية عدد الفرق والاتجاهات الدينية التي استعرضها الكاتب نموذجا على تشتت السبل التي خاض فيها الإنسان مدعيا الوصول إلى الله .وهنا يبرز النص مسألة هامة هي مسألة احتكار الآخر المخالف في طريق الوصول إلى الفكرة الدينية الصائبة والحقيقة الإيمانية التي تحفظ للإنسان توازنه الداخلي .

1780431762499.png

عرض محمد الغفوري شخصيات الرواية التي تسير في طريقها بهدوء ظاهري ، دون ان ينشأ بينها احتراب كما قد يحدث في الواقع ، ومن الواضح أن السارد على درجة من التسامح الفكري حتى أنه أفسح المجال لخمسة أخرين ليعرضوا أفكارهم دون أن يسجل اعتراضا واضحا سوى ذلك الذي يدحرجه بين ثنايا النص بين المشهد والمشهد ليحيلنا على قصدية النص ومقولته النهائية التي لم تكلف السارد سوى بضع كلمات في جمل اختتم بها الحكاية .
لقد شاهدنا الكاتب أميل حبيبي يسرد علاقة الأنا بالأخر من منظور الهوية حيث يساهم الآخر الديني في تحديد هوية الأنا ، ووجدنا في روايات أيمن العتوم نموذج الآخر المغاير السجين / الضحية ، والآخرالتاريخي والثقافي كما في ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور .
بنت كثير من الأعمال تمثيلاتها لللآخر معتمدة على التنوع الديني بين الرسالات السماوية مثلا وتصادمها المبرر مع المذاهب الوضعية لتعكس الصراع أو التعايش وصولا إلى خيوط متشابكة تربط الإنسان بالإنسان مع حفاظ كل فرد على خصوصيته الدينية التي ضمنها الخالق تحت شعار ( لا إكراه في الدين ) وقد استحضرت كثير من الروايات العربية الآخر الديني / القومي مثل معالجة موضوع الشخصية اليهودية واستكشاف العلاقة المعقدة بين الأديان .
في رواية ( خمس منازل لله غرفة لجدتي ) يخوض الكاتب في بيئة خاصة في حقبة معينة وتحديدا في مدينة تعز اليمنية في التسعينات عندما يأخذنا السارد في انتقاله من القرية إلى المدينة لاستكمال دراسته الثانوية ، وهناك يسكن في غرفة ملحقة بمسجد مع المؤذن "الأخ يونس " الذي يتقاطع فكريا مع شخصيات (البعداني التبليغي ، والكابتن منيف صاحب دروس الوينغ شون والمتصوف شمس الدين والسلفي الملقب بالبحيري ) ويعرض استفراد كل فرقة من الفرق التي تدعي امتلاكها للمعرفة الحقّة . اللافت للنظر أن الاختلافات التي عرضها السارد بين هذه الفرق أو التوجهات الخمس ما بين الإخوان والسلف والتبليغ والصوفية كلها تتناول حقيقة علاقة الإنسان مع الثابت الوحيد في هذه الحياة والمقدس الأول الخالق سبحانه وتعالى . فالسارد نأى بنفسه غالبا عن الصراعات الفقهية وجعل الآخر يخوض في أزمته بنفسه وكيف تتمثل له العلاقة بالله من خلال طرح مفهوم الذنب والخطيئة وما يحيط بها من نزعات بشرية جبلت عليها النفس البشرية .
تتصارع - هادئة - في النص هذه السبل المتفرقة ولكنه صراع الفكرة واليقين مع الفطرة التي لا تخطئ طريقها إلى الله مهما شتت العقل البشري صاحبه . وربما نستدل من رمزية غرفة الجدة على وحدة اليقين الذي يعيد الأشياء إلى نصابها ، فالجدة هي الأصل وهي الثبات وهي المرجع الذي يجمع شتات الأفكار المتقلبة نتيجة البعد عن المركز ( القرآن ) الذي منح حرية الاختيار ( وهديناه النجدين ) وكان الخطاب الإيماني الأول للفرد بوصفه مسؤولا عن اختياراته : (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) والخطاب الموجه في مرحلة اليقين الأولى إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في سورتي : العلق والمزمل ( اقرأ ، قم ، رتل ) . إذن السبل التي أضاع فيها الإنسان يقينه هي صناعته الخاصة للدين وليست هي الدين وهذه فكرة هامة تتحاشاها كثير من النصوص الأدبية .
ومن أبرز تمثيلات الآخر في رواية مروان الغفوري بلغة البحث النقدي والأدبي هو : الآخر الآيديولوجي ( المنازل الخمس ) أو السبل الخمسة التي سلكتها الشخصيات وكل منزل / طريق يمثل " آخرا " مختلفا مدعيا للحقيقة يحاول فرض رؤيته على الأنا الساردة .
أما ثيمة الجدة فهي الآخر التراثي / الأصل ولكنها أيضا قد تكون من وجهة نظر أخرى الآخر البسيط في تلقيه لعلوم الدين الذي يشوب إيمانه كثير من الأفكار الشعبية التي يصل بعضها حد (الدروشة ) فهي في إحدى صور تمثيلاتها في الرواية قد تدل على الآخر الجاهل معرفيا بحقيقة الإيمان الذي يحيل الدّين إلى نظرية " البركة " لا الإيمان الواعي الذي يتصل بأركان ثابتة .
سلكت الرواية طريق عرض النظرية النمطية في نقد ما ينسب لبعض الجماعات والفرق الإسلامية ، فحاكم النص - دون أن يقول ذلك صراحة - هذه التعددية التي تجعل الدين في عقول العوام حالة من التناحر ، فدخل السرد في عمق الشخصيات وأجرى على ألسنتها أفكارا وحوارات جوانية تكشف النوازع البشرية التي لا يمكن اعتبارها دليل إدانة للفكرة الدينية بل للذات الفرد " المبدأ واحد في الحالتين واحدة من القوى الخمس ستحكم سيطرتها عليك " ص110 ، " ثم استغفر الله فغفر الله له من توه ، لا يمكن لذنوب الحاج علي سوى أن تُغتفر...وأيا كانت الكتب السماوية التي أنزلها الله فإن الحاج علي وفقا لها كلها يستحق الغفران" ص117 .
الصراعات طبيعة للنفس البشرية ولا تقف في مواجهة فكرة الإيمان ، و تلك (المنازل ) التي يدعي كل واحد من ساكنيها أنه يسير إلى الله لا توفر في الرواية حالة الطمأنينة المنشودة ، كما أن غرفة الجدة أيضا لم تكن الملجأ العاطفي الذي يقبله العقل كليا وهذا يجعل من الرواية نصا يحاكم أولئك الذي تركوا جوهر الدين وأدوات الوصول التي عرضها النص المقدس ( القرآن الكريم ) وتفرعت بهم الطرق التي خاب أكثرها ، بل صار نموذجا لإدانة الفكرة الدينية واتهام الدين بالقصور.
رواية خمس منازل لله وغرفة لجدتي رواية لا يمكن قراءتها بصورة محايثة ، فهي نص مخاتل لواقع بائس حرف بوصلة الوعي ، نص يعيدنا بتمثيلات المنازل الخمس في العنوان إلى حقيقة وجودية من باب التمثيل الضدي للفكرة : الوصول إلى الله لا يحتاج تلك السبل المتشتتة والمجاميع المتصارعة بل يكفي طريق واحد يوصل السالك إلى طمأنينة الفكرة ، فالحشود ليست دليلا على صدق السالكين بل على الضد تماما نالت القلة في النص الديني الحظوة والكثير من الاحتفاء وهذا مالم تصرح به الرواية ، ولكنه النص الموازي الذي صنعته كقارئ تعمق في مضامين التمثيلات في رواية الكاتب اليمني محمد الغفوري .





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى