وهو في الثانية والثمانين من العمر، يُصر الكاتب الفرنكو- مغربي الطاهر بنجلون على الزحف نحو قبره دون أن يتطهر من خطيئاته وخطيئات الذين يجعلون منه كاتبا تحت الطلب، يأكلون الثوم والظلم بفمه. فمن مساوئ بعض الكتاب، يقول الروائي المتمرد محمد شكري، أنهم "يكتبون تحت الطلب (...) والمثال النموذجي على مثل هذا النوع من الكتابة, التي هي في العمق لا ترقى إلى درجة الكتابة الأدبية إلا تجاوزا, هو ما يكتبه الطاهر بن جلون تحت الطلب".
شكري الذي قال إن الطاهر بنجلون لا يتوانى في كتابة حكايات ومقالات في جرائد و مجلات فرنسية ذات صبغة سياحية، لا أعرف ما الذي كان سيقوله لو عاش حتى أيامنا هذه ورأى بنجلون وقد انتقل من كتابة مقالات فلكلورية تحت الطلب في مجلات سياحية تافهة من أجل المال وحده، إلى كتابة مقالات بوليسية، في أحد أشهر مواقع التشهير المغربية مقابل المال وأشياء أخرى تأتي من دار المخزن.
آخر ما طُلب من الطاهر بنجلون أن يكتبه فكتبه كما أملِيَ عليه، هو تهجمه على المؤرخ المعطي منجب، بعد نشر "لوموند" مقالا عن محنة منجب مع السلطات المغربية التي أقفلت المطارات في وجهه، بعدما سجنته وأوقفته من عمله أستاذا جامعيا، وشهرت به في صحافة الصرف الصحي الاستخباراتية، وتسببت في إيقاف زوجته عن العمل... فبدلا من أن يتضامن الطاهر بنجلون مع كاتب مثله، تعرض لكل هذا الظلم، أو أن يصمت كأضعف الإيمان، خرج يكتب: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ. إنني أستنكر عدم اهتمام الصحفي[يقصد صحافي لوموند] بالأسباب التي أدت إلى إدانته: قضية قذرة تتعلق باختلاس أموال. لكن قضية هذا الأكاديمي توفر مادة دسمة لأعداء المغرب. كيف يهدد هذا الرجل النظام المغربي؟ وهل هذا النظام ضعيف لدرجة تجعله يخشى ما قد يقوله هذا الأكاديمي؟".
إن ما جعلني أتذكر الآن ما قاله محمد شكري في كتابه "غواية الشحرور الأبيض"، قبل نحوِ 30 سنة، عن أن الطاهر بنجلون يكتب تحت الطلب، هو ما كتبه بنجلون عن منجب، حين قال: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ". فإذا كنت لا تعرفه فلماذا انحزت لسردية البوليس السياسي عن أن منجب متورط في قضية اختلاس أموال؟ فلو كان الطاهر بنجلون كاتبا مستقلا، يكتب من محبرته الخاصة، لأجرى بحثا صغيرا، ولوقف عند الحقيقة: المنظمات الدولية التي يتهم البوليس السياسي والقضاء الفاسد التابع له، منجب باختلاس أموالها، تبرئ منجب وتؤكد أن علاقته المالية بها شفافة وسليمة. ولو كان الطاهر بنجلون، أيضا، كاتبا مستقلا، يكتب من قناعاته الخاصة، وليس وفق ما يمليه عليه خصوم المعطي منجب، لعكف على قراءة كتب منجب ليعرف إن كان يستحق صفة مؤرخ أم لا. أما أن يكتب بنجلون معترفا: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ"، ثم يهاجمه، فهذا لا يليق بكاتب محترم. لقد عضَّدَ الأكاديمي محمد بوغالي
في كتابه "Boughali, Mohamed. Espaces d’écriture au Maroc" ما قال محمد شكري وزاد عليه: "الطاهر بنجلون يكتب عن المغاربة والعرب بطريقة متهورة، و ينشر تحت الطلب".
في آخر حوار تابعته له، قبل حوالي ثلاث سنوات، على قناة "ميدي1 تيفي"، سأله الصحافي في نهاية البرنامج عن رأيه في ثلاثة أسماء: ذكر له الروائي والناقد محمد برادة، فأجاب: لقد هاجمني في معرض للكتاب، وقال للصحافيين، بحضوري: هذا كاتب فاشل ولا يعرف المغرب، ولا اللغة العربية. ثم ذكر له عالِم الاجتماع عبد الكبير الخطيبي، فأجاب: كان صديقا حميما لي، وأستاذي للسوسيولوجيا، وقد ساعدني، لكنه قال لي ذات يوم: سنوقف هذه العلاقة فأنت انتهازي. وعندما سأله عن محمد شكري، مضغ كلاما بئيسا عن أن شكري لم يكن يملك رواية عندما ترجم له "الخبز الحافي" إلى الفرنسية، وأن الكتاب المغاربة لم يكونوا يحبونه... لكن الطاهر بنجلون لم يقل لنا لماذا قاطعه شكري؟ ففي حوار أجراه معه المسرحي الزبير بن بوشتى، قال شكري عن بنجلون: "الغيرة أقبلها لأنها شعور بشري عادٍ أما الحقد والحسد فلا أقبلهما، هكذا انتهت علاقتي به. في إحدى المناسبات الصحافية استفسره عن عنواني صحافي إيطالي كان يعتزم زيارة طنجة لإجراء مقابلة معي، فقال له الطاهر بنجلون: لا أتوفر على عنوانه، اذهب إلى طنجة ولن تجد صعوبة كبيرة في العثور عليه، إنه دائم التسكع بين الحانات التي يتسول فيها كؤوسه".
هكذا هو الطاهر بنجلون مداهن للمخزن، مستفيد من ريع الفساد والاستبداد، صوت للبورجوازية الاستهلاكية المُسطَّحة، تاجر فلكلور يبيع حكايات غرائبية للقارئ الغربي. وقبل هذا وذاك هو خصيم المثقفين الحقيقيين. بل خصيم المغاربة والمقاومة الفلسطينية. ففي نهاية شهر نوفمبر 2016، قال الطاهر بنجلون خلال مشاركته في ندوة بفرنسا، إن "تصويت أغلب الناخبين المغاربة على حزب إسلامي متخلف ورجعي ويعادي المثليين جنسيا، وعنصري [يقصد حزب العدالة والتنمية] يعني أن الشعب المغربي شعب غير متعلم ولم نشرح له ما هي قيم الديمقراطية الحقيقية".
لقد ردَّ الأنثروبولوجي محمد الناجي على الطاهر بنجلون قائلا إن المغاربة بغض النظر عن انتمائهم السياسي وتدينهم كانوا أذكياء وواعين بالشأن العام عندما صوتوا لحزب العدالة والتنمية. وذكَّر الناجي الطاهر بنجلون بقضية استعبادِهِ خادمتَهُ المنزلية، التي تفجرت في الإعلام الفرنسي سنة 2000، وقال له: "كيف لشخص استغل براءة خادمة ووظفها بطريقة غير قانونية في بلد ديمقراطي أن يقدم دروسا للشعب المغربي؟".
أما كره الطاهر بنجلون، للمقاومة الفلسطينية، فيتفوق على كره عتاة الصهاينة لها، ويكفي أن نسترجع تلك الفظاعة الأخلاقية التي كتبها في جريدة "لوبوان" الفرنسية غداة طوفان الأقصى، حين قال: "لا أجد الكلمات لأعبر عن مدى الرعب الذي أصبت به جراء ما فعله مقاتلو حماس باليهود. الوحشية عندما تهاجم النساء والأطفال تتحول إلى همجية، وليس لها أي عذر أو مبرر".
إنني، وأنا أقرأ ما كتبه الطاهر بنجلون، بتحامل بوليسي، عن المعطي منجب، لا أجد ما أقول لهذا المؤرخ والمثقف الملتزم إلا ما قاله المتنبي: "وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ .. فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ". كما أقول للطاهر بنجلون: كيف لنا أن نطهرك من تاريخك الوسخ، وأنت تُصِرُّ على الذهاب إلى قبرك دون أن تتطهر ولو بالصمت؟
شكري الذي قال إن الطاهر بنجلون لا يتوانى في كتابة حكايات ومقالات في جرائد و مجلات فرنسية ذات صبغة سياحية، لا أعرف ما الذي كان سيقوله لو عاش حتى أيامنا هذه ورأى بنجلون وقد انتقل من كتابة مقالات فلكلورية تحت الطلب في مجلات سياحية تافهة من أجل المال وحده، إلى كتابة مقالات بوليسية، في أحد أشهر مواقع التشهير المغربية مقابل المال وأشياء أخرى تأتي من دار المخزن.
آخر ما طُلب من الطاهر بنجلون أن يكتبه فكتبه كما أملِيَ عليه، هو تهجمه على المؤرخ المعطي منجب، بعد نشر "لوموند" مقالا عن محنة منجب مع السلطات المغربية التي أقفلت المطارات في وجهه، بعدما سجنته وأوقفته من عمله أستاذا جامعيا، وشهرت به في صحافة الصرف الصحي الاستخباراتية، وتسببت في إيقاف زوجته عن العمل... فبدلا من أن يتضامن الطاهر بنجلون مع كاتب مثله، تعرض لكل هذا الظلم، أو أن يصمت كأضعف الإيمان، خرج يكتب: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ. إنني أستنكر عدم اهتمام الصحفي[يقصد صحافي لوموند] بالأسباب التي أدت إلى إدانته: قضية قذرة تتعلق باختلاس أموال. لكن قضية هذا الأكاديمي توفر مادة دسمة لأعداء المغرب. كيف يهدد هذا الرجل النظام المغربي؟ وهل هذا النظام ضعيف لدرجة تجعله يخشى ما قد يقوله هذا الأكاديمي؟".
إن ما جعلني أتذكر الآن ما قاله محمد شكري في كتابه "غواية الشحرور الأبيض"، قبل نحوِ 30 سنة، عن أن الطاهر بنجلون يكتب تحت الطلب، هو ما كتبه بنجلون عن منجب، حين قال: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ". فإذا كنت لا تعرفه فلماذا انحزت لسردية البوليس السياسي عن أن منجب متورط في قضية اختلاس أموال؟ فلو كان الطاهر بنجلون كاتبا مستقلا، يكتب من محبرته الخاصة، لأجرى بحثا صغيرا، ولوقف عند الحقيقة: المنظمات الدولية التي يتهم البوليس السياسي والقضاء الفاسد التابع له، منجب باختلاس أموالها، تبرئ منجب وتؤكد أن علاقته المالية بها شفافة وسليمة. ولو كان الطاهر بنجلون، أيضا، كاتبا مستقلا، يكتب من قناعاته الخاصة، وليس وفق ما يمليه عليه خصوم المعطي منجب، لعكف على قراءة كتب منجب ليعرف إن كان يستحق صفة مؤرخ أم لا. أما أن يكتب بنجلون معترفا: "لا أعرف المعطي منجب، ولا أعماله المزعومة كمؤرخ"، ثم يهاجمه، فهذا لا يليق بكاتب محترم. لقد عضَّدَ الأكاديمي محمد بوغالي
في كتابه "Boughali, Mohamed. Espaces d’écriture au Maroc" ما قال محمد شكري وزاد عليه: "الطاهر بنجلون يكتب عن المغاربة والعرب بطريقة متهورة، و ينشر تحت الطلب".
في آخر حوار تابعته له، قبل حوالي ثلاث سنوات، على قناة "ميدي1 تيفي"، سأله الصحافي في نهاية البرنامج عن رأيه في ثلاثة أسماء: ذكر له الروائي والناقد محمد برادة، فأجاب: لقد هاجمني في معرض للكتاب، وقال للصحافيين، بحضوري: هذا كاتب فاشل ولا يعرف المغرب، ولا اللغة العربية. ثم ذكر له عالِم الاجتماع عبد الكبير الخطيبي، فأجاب: كان صديقا حميما لي، وأستاذي للسوسيولوجيا، وقد ساعدني، لكنه قال لي ذات يوم: سنوقف هذه العلاقة فأنت انتهازي. وعندما سأله عن محمد شكري، مضغ كلاما بئيسا عن أن شكري لم يكن يملك رواية عندما ترجم له "الخبز الحافي" إلى الفرنسية، وأن الكتاب المغاربة لم يكونوا يحبونه... لكن الطاهر بنجلون لم يقل لنا لماذا قاطعه شكري؟ ففي حوار أجراه معه المسرحي الزبير بن بوشتى، قال شكري عن بنجلون: "الغيرة أقبلها لأنها شعور بشري عادٍ أما الحقد والحسد فلا أقبلهما، هكذا انتهت علاقتي به. في إحدى المناسبات الصحافية استفسره عن عنواني صحافي إيطالي كان يعتزم زيارة طنجة لإجراء مقابلة معي، فقال له الطاهر بنجلون: لا أتوفر على عنوانه، اذهب إلى طنجة ولن تجد صعوبة كبيرة في العثور عليه، إنه دائم التسكع بين الحانات التي يتسول فيها كؤوسه".
هكذا هو الطاهر بنجلون مداهن للمخزن، مستفيد من ريع الفساد والاستبداد، صوت للبورجوازية الاستهلاكية المُسطَّحة، تاجر فلكلور يبيع حكايات غرائبية للقارئ الغربي. وقبل هذا وذاك هو خصيم المثقفين الحقيقيين. بل خصيم المغاربة والمقاومة الفلسطينية. ففي نهاية شهر نوفمبر 2016، قال الطاهر بنجلون خلال مشاركته في ندوة بفرنسا، إن "تصويت أغلب الناخبين المغاربة على حزب إسلامي متخلف ورجعي ويعادي المثليين جنسيا، وعنصري [يقصد حزب العدالة والتنمية] يعني أن الشعب المغربي شعب غير متعلم ولم نشرح له ما هي قيم الديمقراطية الحقيقية".
لقد ردَّ الأنثروبولوجي محمد الناجي على الطاهر بنجلون قائلا إن المغاربة بغض النظر عن انتمائهم السياسي وتدينهم كانوا أذكياء وواعين بالشأن العام عندما صوتوا لحزب العدالة والتنمية. وذكَّر الناجي الطاهر بنجلون بقضية استعبادِهِ خادمتَهُ المنزلية، التي تفجرت في الإعلام الفرنسي سنة 2000، وقال له: "كيف لشخص استغل براءة خادمة ووظفها بطريقة غير قانونية في بلد ديمقراطي أن يقدم دروسا للشعب المغربي؟".
أما كره الطاهر بنجلون، للمقاومة الفلسطينية، فيتفوق على كره عتاة الصهاينة لها، ويكفي أن نسترجع تلك الفظاعة الأخلاقية التي كتبها في جريدة "لوبوان" الفرنسية غداة طوفان الأقصى، حين قال: "لا أجد الكلمات لأعبر عن مدى الرعب الذي أصبت به جراء ما فعله مقاتلو حماس باليهود. الوحشية عندما تهاجم النساء والأطفال تتحول إلى همجية، وليس لها أي عذر أو مبرر".
إنني، وأنا أقرأ ما كتبه الطاهر بنجلون، بتحامل بوليسي، عن المعطي منجب، لا أجد ما أقول لهذا المؤرخ والمثقف الملتزم إلا ما قاله المتنبي: "وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ .. فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ". كما أقول للطاهر بنجلون: كيف لنا أن نطهرك من تاريخك الوسخ، وأنت تُصِرُّ على الذهاب إلى قبرك دون أن تتطهر ولو بالصمت؟