علي سيف الرعيني _|49 دولة ومضيق هرمز: عنق الزجاجة الذي يختصر العالم !!

حين يُذكر مضيق هرمز، لا يُذكر بوصفه ممراً مائياً عادياً، بل بوصفه شرياناً نابضاً في جسد الاقتصاد العالمي، ونقطة ارتكاز تتقاطع عندها مصالح 49 دولة، بين مستوردٍ للطاقة، ومصدّرٍ لها، وقوةٍ عظمى تسعى لضمان تدفقها دون انقطاع. هنا، في هذا الممر الضيق بين الخليج العربي وبحر عُمان، تتكثف الجغرافيا حتى تتحول إلى سياسة، ويتحول البحر إلى معادلة قوة
يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. هذا الواقع يضعه في قلب أي توتر إقليمي، ويحوّله إلى ورقة ضغط حساسة في يد الدول المطلة عليه، وفي مقدمتها إيران، التي تدرك جيداً أن السيطرة أو حتى التهديد بها يمكن أن يُربك أسواق الطاقة، ويرفع الأسعار، ويُدخل الاقتصاد العالمي في حالة قلق
لكن الحديث عن 49 دولة ليس مجرد رقم رمزي، بل يعكس حجم الاعتماد الدولي على هذا الممر فالدول الصناعية الكبرى في آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين، إلى جانب دول أوروبية، تعتمد بشكل مباشر على النفط والغاز الذي يمر عبره. وهذا يعني أن أي اضطراب في المضيق لا يبقى شأناً إقليمياً، بل يتحول فوراً إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد
من هنا، تتعدد الأطراف المعنية بحماية هذا الشريان. الولايات المتحدة وحلفاؤها يرون في حرية الملاحة مصلحة استراتيجية لا يمكن التهاون فيها، ولذلك تنتشر قواتهم البحرية في المنطقة، تحت عناوين مختلفة، من حماية التجارة إلى ردع أي تهديد محتمل. في المقابل، ترى إيران أن وجود هذه القوات يمثل تهديداً لسيادتها، وتتعامل مع المضيق باعتباره جزءاً من أمنها القومي، لا يمكن فصله عن حساباتها الإقليمية
هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد، بين السيادة والمصالح الدولية، يجعل مضيق هرمز أقرب إلى عنق زجاجة عالمي: أي اختناق فيه، ولو كان مؤقتاً، قد يؤدي إلى سلسلة من التفاعلات، تبدأ بارتفاع أسعار الطاقة، ولا تنتهي عند حدود التوترات العسكرية
غير أن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمالية الإغلاق الفعلي للمضيق، بل في سياسة حافة الهاوية التي تُمارس أحياناً من مختلف الأطراف. فمجرد التلويح بإغلاقه، أو استهداف ناقلات النفط، كفيل بإشعال الأسواق، وزرع حالة من عدم اليقين. وهذا ما شهدناه في أكثر من محطة خلال السنوات الماضية، حيث تحولت مياه المضيق إلى مسرح رسائل سياسية مشفرة، تتجاوز حدود المنطقة
في المقابل، تسعى بعض الدول إلى تقليل اعتمادها على هذا الممر، عبر إنشاء خطوط أنابيب بديلة، أو تنويع مصادر الطاقة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال عاجزة عن تعويض الدور الحيوي الذي يلعبه مضيق هرمز، ما يُبقيه في قلب المعادلة العالمية.
إن قصة 49 دولة ومضيق هرمز هي قصة عالمٍ مترابط، حيث يمكن لممر ضيق أن يحدد إيقاع الاقتصاد الدولي، وأن يرسم ملامح الصراع والتوازن في آنٍ واحد. إنها تذكير دائم بأن الاستقرار في هذا الجزء من العالم، لم يعد شأناً محلياً، بل ضرورة دولية، وأن أي خلل فيه، مهما بدا محدوداً، قد تتردد أصداؤه في كل مكان
ويبقى مضيق هرمز اختبارا حقيقياً لقدرة العالم على إدارة التوترات دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى