غانية ملحيس - حركة فتح ومسارها التاريخي: من التأسيس إلى انسداد الحامل السياسي وإمكان إعادة التأسيس

غانية ملحيس
21/4/2026



ملخّص تنفيذي
يتناول المقال البحثي مسار حركة فتح منذ تأسيسها بوصفها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، من خلال مراجعة نقدية لا تكتفي بسرد التاريخ، بل تفكك البنية التي حكمت هذا المسار.
ينطلق التحليل من إشكالية مركزية مفادها أن الأزمة الراهنة لا تعود فقط إلى التهديدات الخارجية، بل إلى غياب “الحامل السياسي” القادر على تحويل الفعل الشعبي إلى مشروع نهضوي تحرري، في ظل تعدد فاعلين يدّعون التمثيل دون القدرة على توحيده.
يعتمد المقال إطارا تحليليا يقوم على العلاقة بين ثلاثة عناصر: الفعل التحرري، والتنظيم، والحامل السياسي. ويُظهر أن قوة المشروع الوطني ترتبط بتماسك هذه العناصر، بينما تنشأ الأزمات عند تفككها. هذا التفكك ليس تطورا طبيعيا، بل نتيجة تدخلات خارجية، وصراعات مستمرة بين فاعلين داخل البنية السياسية حول تعريف الشرعية واحتكارها.
يُعرَّف الحامل السياسي باعتباره البنية التي تحول الفعل التحرري إلى قرار سياسي ملزم، ويتطلب تمثيلا متجددا، وقدرة على الفعل، وعقدا ناظما، وآليات مساءلة. إلا أن هذا الحامل ظل هشا بفعل تداخل عوامل داخلية وخارجية، أبرزها دور الاحتلال الصهيوني في إعادة تشكيل البنية السياسية عبر المقايضة الوظيفية، والهندسة الجغرافية، والتحكم المالي، بالتوازي مع الصراعات الداخلية على تعريف المشروع والشرعية والتمثيل، ما أدى إلى تحويل الحركة تدريجيا من فاعل تحرري إلى جهاز إداري.
يتتبع المقال المراحل التاريخية لحركة فتح منذ النشأة، حيث بدأت كفكرة تحررية مفتوحة، ثم حققت توازنا نسبيا بين المقاومة والتمثيل في مرحلة الصعود. غير أن هذا التوازن تآكل مع الانتقال إلى “إدارة الممكن” منذ منتصف السبعينيات، وصولا إلى اتفاق أوسلو، الذي نقل مركز الشرعية من الشعب الفلسطيني إلى الاعتراف الدولي، وأقصى الحامل السياسي الذي أفرزته الثورة والانتفاضة الشعبية الأولى.
لاحقا، أدى قيام السلطة إلى فصل المقاومة عن القرار السياسي، وتحويل الحركة إلى جهاز إداري مقيد.
في مرحلة ما بعد عرفات، وإعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني تعمق التفكك مع غياب مركز سياسي جامع، وصولًا إلى الانقسام عام 2007، الذي كرّس تعدد كيانات تدّعي التمثيل دون امتلاك شروطه. وخلال مرحلة الانقسام، تحولت السياسة إلى إدارة للبقاء، وأصبح الفاعلون جزءا من بنية تحافظ على الانقسام بدل تجاوزه. أما بعد طوفان الأقصى في تشرين الأول عام 2023، فقد كشفت الإبادة الجماعية عن فجوة حادة بين الفعل الشعبي المكثف، وغياب حامل سياسي قادر على تمثيله.
يخلص المقال إلى أن أزمة فتح ليست مجرد تراجع في الأداء، بل تعبير عن أزمة أعمق في بنية السياسة الفلسطينية، حيث تحولت إلى إدارة للواقع بدل إنتاجه. ويطرح سؤالا مفتوحا حول ما إذا كانت الحركة قادرة على استعادة دورها، أم أن الأزمة تتعلق بنمط النموذج السياسي نفسه.
ويرى أن الخروج من هذا الانسداد لا يتحقق بإصلاح جزئي، بل بإعادة تأسيس حامل سياسي جديد ينبثق من الفعل المجتمعي، ويعيد إنتاج الشرعية، ويحوّل الفعل إلى مشروع تحرري جامع

المقال الكامل
حركة فتح ومسارها التاريخي: من التأسيس إلى انسداد الحامل السياسي وإمكان إعادة التأسيس


مقدمة
يعتمد هذا المقال البحثي على الدعوة المفتوحة للمراجعة النقدية التشاركية لمسار حركة فتح: بناء الحامل السياسي الفلسطيني، التي سبق نشرها في 29/12/2025. غير أنه ليس تكرارا للدعوة، بل تطويرا لها على مستوى الإطار التحليلي، حيث لم تعد المراجعة تقتصر على تتبّع المسار التاريخي للحركة، بل تتجه إلى تفكيك البنية التي حكمت هذا المسار، بوصفه نتاجا لتفاعلات خارجية وداخلية، وصراعات بين فاعلين مختلفين على تعريف الحامل السياسي ذاته، وليس مجرد تعبير عن تطور خطي أو اختلال مرحلي في الأداء. ويأتي في إطار النقاش الفكري المفتوح الذي انخرط فيه الكتاب الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه بمناسبة قرب انعقاد الموتمر الثامن لحركة فتح في أيار/ مايو 2026، حيث تزداد الحاجة لمراجعة نقدية لمسارالحركة الوطنية الفلسطينية عموما ولحركة فتح خصوصا، حيث سيقتصرالمقال عليها، باعتبارها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

لم تعد فتح وحدها على مفترق طرق تاريخي، بل يقف معها عموم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية وعموم فلسطين الانتدابية ومخيمات الشتات، الذي ما يزال يتعرض للإبادة الجماعية والتطهير العرقي للعام الثالث على التوالي.
غير أن هذا الخطر الوجودي الخارجي، على شدّته، لا يفسّر وحده مأزق اللحظة الراهنة، بل يكشف في الوقت ذاته عن أزمة داخلية أعمق تتصل بغياب الحامل السياسي الفلسطيني القادر على مواجهة هذا التهديد بفعل منظم ومسار تحرري.
فالإشكالية لا تقتصر على العدو النقيض، بل تكمن أساسا في تعدد الفاعلين الفلسطينيين الذين يدّعي كل منهم تمثيل هذه اللحظة، دون امتلاك القدرة على احتوائها ضمن مشروع تحرري جامع. ما يجعل المفترق التاريخي الراهن ليس مجرد لحظة خطر خارجي، بل ساحة صراع مفتوح على تعريف من يملك حق تمثيل الفعل الوطني الفلسطيني وتحديد اتجاهه.
ولأن نهوض الأمة العربية والإسلامية، كما نكوصها، يبدأ من فلسطين التي تتموضع في مركز وصلها جغرافيا وديموغرافيا وحضاريا، فإن مآلات الصراع على أرضها يحدد مصيرالأمة لعقود طويلة قادمة.
غير أن هذا التمركز الجيوحضاري لفلسطين، رغم أهميته التفسيرية، لا يعمل بشكل تلقائي أو موحّد داخل السياق الفلسطيني نفسه، بل يُعاد إنتاج دلالاته سياسيا عبر صراع بين فاعلين مختلفين على تعريف معنى هذا “المركز”، ومن يمتلك حق تمثيله.
ففلسطين لا تعمل فقط كمركز جغرافي وحضاري للأمة، بل أيضا كساحة يتحدد فيها شكل الحامل السياسي ذاته، ومن خلاله تتحدد قدرة الفعل الفلسطيني على التحول إلى مشروع نهضوي تحرري جامع، أو بقائه موزعا بين تمثيلات متنافسة قابلة للاختراق الخارجي.
وعليه، يكتسب تجديد الدعوة للمفكرين والباحثين والمثقفين والسياسيين الفلسطينيين داخل الوطن المحتل وخارجه، من مختلف التيارات والانتماءات الفكرية والسياسية، وللكوادر الفتحاوية خصوصا، ولكافة المنشغلين بالهم الوطني والقومي أهمية قصوى، مع الإعلان عن عقد الموتمر الثامن للحركة، بعد تأخر لنحو عشر سنوات (المؤتمر السابع للحركة عقد في تشرين الثاني 2016) ومرور ستة عقود على انطلاقتها (لم تعقد خلالها إلا سبع مؤتمرات حركية). للقيام بمراجعة نقدية شاملة لمسار الحركة، التي سبق لها أن لعبت دورا محوريا في النهوض الوطني والقومي بعد نكبتي 1948 و1967، ولغيابها عن ساحة الفعل خلال مرحلة هي الأخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، الذي يواجه فيها تحديات مصيرية غير مسبوقة.
التزامن بين تأخر المؤتمر وتراكم اللحظة التاريخية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد إيقاع تنظيمي متعثر، بل بوصفه تعبيرا عن تحوّل أعمق في بنية الفعل السياسي ذاته. حيث لم يعد الزمن إطارا محايدا للتنظيم، بل أصبح ساحة يُعاد فيها إنتاج الحسم بين فاعلين مختلفين:
فاعل يرى في الحركة مشروعا تحرريا مفتوحا على الفعل التاريخي،
وفاعل آخر يعيد تعريفها بوصفها جهازا لإدارة الواقع السياسي القائم. ومن هنا فإن الغياب عن ساحة الفعل لا يُفهم كفراغ ظرفي، بل كنتيجة لمسار طويل من إعادة توجيه الحامل السياسي من منطق الإنتاج إلى منطق الإدارة، ومن الفعل إلى التمثيل، ومن الانفتاح إلى الانضباط المؤسسي المغلق.

أولًا: المبدأ المنهجي الحاكم للمراجعة النقدية

المراجعة النقدية لا تستهدف محاكمة أخلاقية للحركة، ولا تصفية حسابات سياسية مع تياراتها المتنفذة. بل تسعى إلى تتبع مسار الحركة عبر المراحل الزمنية المختلفة منذ تأسيسها قبل ستة عقود وحتى اليوم، للوقوف على التحول البنيوي وكيفية تفكك العلاقة بين الفعل التحرري والتنظيم والحامل السياسي الرئيسي، وتبيّن متى تماسكوا؟ ومتى انفصلوا؟ ومتى انقلب أحدهم على الآخر؟

السؤال المركزي الذي يُرافق كل المراحل الزمنية: هل كانت حركة فتح في هذه المراحل حاملا سياسيا جامعا؟ أم فاعلا تنظيميا يدير الشرعية؟ أم سلطة بلا عقد اجتماعي؟
وعليه، لا تُقرأ كل مرحلة تاريخية بوصفها حدثا منتهيا، بل بوصفها اختبارا للعلاقة الثلاثية: متى تماسك هذا الثلاثي؟ ومتى اختلّ؟ ولمصلحة من؟
غير أن هذه الثلاثية، رغم كونها إطارا تحليليا حاكما، لا تعمل بوصفها بنية متجانسة أو مستقرة، بل بوصفها ساحة صراع مستمر بين فاعلين مختلفين يتنافسون على تعريف كل عنصر من عناصرها: من يحدد معنى الفعل التحرري؟ من يحتكر وظيفة التنظيم؟ ومن يمتلك حق تعريف الحامل السياسي نفسه؟
ومن هنا، فإن حالات التماسك والانفصال لا تُفهم كأوصاف محايدة لمسار تاريخي، بل كحالات حسم مؤقت لصالح تعريف معين للسياسة، سرعان ما يُعاد إنتاج التوتر حوله في المرحلة التالية.

ينطلق هذا الإطار من فرضية إمكانية إعادة وصل العلاقة بين الفعل والتنظيم والحامل السياسي، وهو افتراض يستدعي مساءلة بحد ذاته: هل نحن أمام خلل في العلاقة يمكن إصلاحه، أم أمام لحظة تاريخية بلغت فيها فتح حدود نموذجها؟
الفعل التحرري في بداياته ينتج شرعية مفتوحة، تنتقل تدريجيا إلى التنظيم الذي يحتكر تمثيلها، ثم إلى الإدارة المنفصلة عنها.
غير أن هذا المسار لا يعمل تلقائيا، بل هو نتيجة صراع دائم بين فاعلين مختلفين داخل البنية: فاعل يسعى لإبقاء الشرعية مرتبطة بالفعل، وفاعل يعيد تعريفها بوصفها تمثيلا قابلا للإدارة، وفاعل ثالث يحولها إلى جهاز مؤسسي منفصل.

ثانيًا: فتح والحامل السياسي
لا يُختزل الحامل السياسي في تنظيم أو سلطة أو ادعاء تمثيل، بل هو البنية التي تُحوّل الفعل التحرري والشرعية المجتمعية إلى قرار سياسي ملزم. ولا يتحقق إلا عبر:
قدرة على تحويل الفعل إلى قرار،
عقد ناظم للعلاقة بين الفعل والتنظيم والقيادة،
تمثيل قابل للتجدد،
مساءلة مستمرة تمنع احتكار الشرعية.
غير أن هذه العناصر لا تتشكل في فراغ، بل داخل صراع بين فاعلين:
خارجي إسرائيلي وعربي واقليمي ودولي.
وداخلي مجتمعي، تنظيمي، ومؤسسي، يتنازعون تعريف الشرعية نفسها.

ثالثا: الفاعل الاستعماري كقوة هندسة بنيوية قسرية
لم يكتفِ الكيان الصهيوني بمواجهة الثورة الفلسطينية عموما وفتح خصوصا، وتصفية وجودها المادي في الجوار الجغرافي العربي لفلسطين، بل عمل على تضييق الخيارات البنيوية المتاحة أمامها حتى بعد توقيع اتفاق أوسلو. إذ سعى الفاعل الإسرائيلي إلى إعادة تشكيل الحامل السياسي الفلسطيني الرئيسي عبر:
ا. المقايضة الوظيفية: ربط استمرار المؤسسات (التنظيم/السلطة) بأداء وظائف أمنية وإدارية، مما خلق صراعا داخليا في فتح بين الفاعل المناضل والفاعل الوظيفي. وأدى إلى إعادة توجيه الحركة من إدارة الفعل التحرري إلى إدارة الواقع.
ب. هندسة الجغرافيا: عزل القدس وتكريس الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن استراتيجية فرق تسد، بما فرض إعادة توزيع قسرية للفعل السياسي داخل معازل منفصلة بدل فضاء وطني موحد.
ح. الاغتيال السياسي وتجريف النخب
مارس الاحتلال دورا مباشرا في حسم صراعات الفاعلين داخل فتح من خلال التصفية الجسدية والمعنوية: تغييب القيادات الكاريزمية التي ربطت التنظيم بالفعل التحرري، مما أدى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي. والاعتقال الطويل: تفكيك الكوادر الوسيطة القادرة على الربط بين القاعدة والقيادة، ما ساهم في تصلب البنية التنظيمية.
د. التمويل والتبعية كأداة تدجين
أدى التحكم الإسرائيلي في الموارد المالية، خصوصا أموال المقاصة، إلى تحويل الحامل السياسي من بنية تعتمد على الذات والتعبئة الشعبية إلى بنية تعتمد على الارتهان المالي، وهو ما عزز موقع الفاعل الإداري داخل الحركة على حساب الفاعل الثوري.
ه. سلب الفاعلية وتحويلها إلى رد فعل
نجح الاحتلال في إعادة توجيه الحركة نحو إدارة الأزمات اليومية (رواتب، تصاريح، تنسيق) بدل إنتاج فعل سياسي استراتيجي، ما جعل أدواتها أقرب إلى الإجراء المحلي منها إلى الفعل الوطني الجامع.

رابعا: تطبيق الإطار على المراحل التاريخية لحركة فتح (خارطة قراءة)
ينتقل هذا الإطار من المستوى المفاهيمي إلى اختبار تطبيقه التاريخي عبر المراحل المختلفة، حيث لا تُقرأ كوقائع منفصلة، بل كتحولات متراكبة في بنية العلاقة بين الفعل التحرري، والتنظيم، والحامل السياسي.

1: الإرهاصات السابقة للإنشاء (1957- 1965)
تتشكل هنا العلاقة بين الفعل والتنظيم في حالتها المفتوحة قبل تبلور البنية.
السؤال المركزي: هل نشأت حركة فتح كحاجة سياسية وطنية، أم كردّ تنظيمي على فراغ النظام الفلسطيني والعربي؟
• الفعل المقاوم: فكرة قبل أن يكون ممارسة.
• التنظيم: في طور التشكّل، بلا احتكار.
• الحامل السياسي: غائب لكنه متخيَّل (فلسطين قبل التمثيل).
التشخيص المحتمل: وعي تحرري بلا حامل، لكنه مفتوح على المجتمع وليس منغلق عليه

2: من الانطلاقة إلى التمثيل (1965- 1974)
السؤال المركزي: متى تحوّلت فتح من فاعل مقاوم إلى ممثل سياسي؟
محاور الفحص:
• المقاومة: فعل مؤسِّس للشرعية.
• التنظيم: صاعد لكنه غير مغلق.
• الحامل السياسي: يتشكّل عبر منظمة التحرير الفلسطينية.
نقطة القوة: توازن نادر بين الفعل المقاوم والتمثيل الوطني.
لم يكن هذا التوازن نتاج صيغة مؤسسية مكتملة، بل ثمرة لحظة تاريخية التقت فيها شرعية الفعل المسلح مع فراغ التمثيل العربي والدولي، ما جعل منظمة التحرير إطارا مفتوحا أكثر منه سلطة مغلقة، وجعل فتح جزءا من حامل وطني ناشئ لا مالكا له.
نقطة الخطر المبكر: تماهي التنظيم مع التمثيل دون عقد مكتوب.
لم يكن هذا التماهي تعبيرا عن نية احتكارية مبكرة، بقدر ما كان نتاجا لتراكم الدور التمثيلي لفتح في ظل غياب بناء مؤسسي مواز داخل منظمة التحرير يضبط العلاقة بين الحامل السياسي والتنظيم الناشئ.
مع تصاعد الفعل المسلح، يبدأ الفاعل بالتمركز تدريجيا داخل قيادة تنظيمية تتولى إدارة الشرعية الناتجة عنه، دون أن تنفصل عنها بالكامل. غير أن هذا التمركز لا يتحول بعد إلى احتكار، إذ تبقى العلاقة بين القاعدة والقيادة مفتوحة نسبيا، وتظل الشرعية قابلة للتداول داخل البنية، لا محتكرة فيها.
هنا، يعمل الفاعل بوصفه وسيطا بين الفعل والتمثيل، لا مالكا نهائيا لهما. غير أن هذا الدور الوسيط الذي يتخذه الفاعل لا يبقى محايدا، بل يتحول تدريجيا إلى موقع تنازع على تعريف من يملك حق تحويل الشرعية الناتجة عن الفعل إلى تمثيل سياسي:
• فاعل يرى أن الشرعية ما تزال مشدودة إلى الفعل المقاوم ويجب أن تبقى قابلة للانفتاح عليه.
• مقابل فاعل آخر يبدأ في إعادة تعريفها بوصفها قدرة على تمثيل وطني يتجاوز لحظة الفعل المباشر نحو بناء إطار سياسي أكثر استقرارا.
وعليه، فإن ما يبدو كتوازن بين المقاومة والتمثيل لا يخلو من صراع داخلي على إعادة تعريف هذا التوازن نفسه، حيث يُعاد إنتاج الشرعية داخل البنية التنظيمية عبر ترجيح تدريجي لموقع التمثيل على حساب مصدره الفعلي، دون أن يُحسم هذا الترجيح بعد بشكل نهائي.

3: من التمثيل إلى البرنامج المرحلي (1974- 1988)
السؤال المركزي: كيف يتحول الفعل التحرري من إنتاج الشرعية إلى إدارة أفقها الممكن؟
محاور الفحص:
• المقاومة: تستمر، لكنها تفقد مركز إنتاجها الاستراتيجي لصالح تعدد ساحات التأويل،
• التنظيم: ينتقل من كونه حاملا للفعل إلى كونه جهازا لإدارة التمثيل داخل بنية منظمة التحرير،
• الحامل السياسي: إدارة الممكن.
التحول البنيوي: الانتقال من “تحرير فلسطين” إلى “إدارة الممكن” دون إعادة تأسيس العقد الوطني.
هذا التحول لم يحسم نظريا ولا مؤسسيا، لكنه راكم شروط الانتقال من إدارة الممكن التحرري إلى البحث عن اعتراف سياسي خارجي، وهو ما سيظهر لاحقا في إعلان الاستقلال عام 1988 كفعل سياسي متقدم سابق لأوانه التاريخي. ما أبقى الحامل السياسي في حالة انتقال غير مكتملة.
غير أن هذا التحول في وظيفة الفاعل المتمركز في قيادة منظمة التحرير، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انتقال تقني في إدارة الأفق السياسي، بل بوصفه نتيجة حسم داخل صراع أعمق على تعريف معنى “الفعل التحرري” نفسه. فداخل هذه المرحلة، لا ينقسم الفاعلون فقط حول الوسائل، بل حول جوهر المشروع الوطني التحرري.
وعليه، فإن ما يُسمى بـ“إدارة الممكن” لا يمثل مجرد خيار سياسي، بل يمثل انتصارا تدريجيا لفاعل داخل البنية أعاد تعريف شروط إنتاج الشرعية نفسها، بحيث لم يعد السؤال هو كيف نُنتج الشرعية، بل كيف نُحوّلها إلى قابلية اعتراف وإدماج داخل النظام السياسي القائم، دون إعادة تأسيس العلاقة التي أنتجتها في الأصل.

4: إعلان الاستقلال وأوسلو (1988- 1993)
يمثّل هذا التحول نقطة انعطاف جذرية في بنية العلاقة بين الفعل والحامل.
السؤال المركزي: هل مثّل إعلان الاستقلال ذروة سياسية أم قطيعة مع المجتمع الفلسطيني؟
محاور الفحص:
• الشرعية: تُنقل من الشعب إلى الاعتراف الدولي،
• التنظيم: يتحول إلى قناة تفاوض حصرية،
• الحامل السياسي: شرعية خارجية،
في الداخل، كانت الانتفاضة الأولى تبلور حاملا سياسيا نابعا من الفعل المجتمعي المباشر، حيث تُنتج الشرعية من الاشتباك، وتتوزع داخل بنى شعبية قادرة - ولو جزئيا - على ضبط القرار وربطه بقاعدته الاجتماعية.
في المقابل، كانت القيادة في الخارج تعيد تشكيل الحامل بوصفه بنية تفاوضية مركزية، تستمد شرعيتها من قدرتها على تحويل القضية إلى موضوع اعتراف دولي، وليس من قدرتها على تنظيم الفعل المجتمعي أو الانبثاق منه.
يتجلى الفاعل في هذه اللحظة بوصفه صاحب قرار استراتيجي بإعادة تعريف مصدر الشرعية، من الداخل المجتمعي إلى الخارج الدولي.
هذا التحول لا يتم في فراغ، بل عبر قيادة تفاوضية تمارس دورها تحت ضغط توازنات إقليمية ودولية، لكنها في الوقت ذاته تحتكر قرار التمثيل. وهنا، لا يقتصر دور الفاعل على إدارة التحول، بل يتعداه إلى إزاحة الحامل السياسي الممكن الذي كانت الانتفاضة الأولى بصدد إنتاجه، لصالح تمثيل تفاوضي مفصول عن شروط نشأته. بهذا المعنى، لم يكن أحد النموذجين مجرد بديل وظيفي للآخر، بل كان كل منهما ينتج منطقا مختلفا للسياسة:
• منطقا يرى الحامل امتدادا للفعل،
• وآخر يعيد تعريف الفعل بوصفه مدخلا إلى التمثيل.
حسم هذا الصراع لم يكن نتيجة تفوق أحد المسارين موضوعيا، بل نتيجة قدرة الفاعل المتمركز في الخارج على احتكار تعريف الشرعية وترجمتها سياسيا، في ظل غياب عقد ناظم يسمح للحامل المتشكل في الداخل بأن يتحول إلى بنية قرار ملزمة. وهنا، لا يكون الإشكال في فشل أحد النموذجين، بل في أن أحدهما لم يُهزم، بل لم يُسمح له أن يتحول إلى حامل أصلا.
غير أن هذا التمايز بين الداخل والخارج لا ينبغي قراءته بوصفه مجرد ازدواج جغرافي في مواقع الفعل، بل بوصفه صراعا بين فاعلين ينتجان تعريفين متناقضين للشرعية نفسها داخل اللحظة التاريخية الواحدة.
ففاعل الداخل، المتجسد في البنية الشعبية للانتفاضة، يعمل على إبقاء الشرعية مرتبطة بالفعل المباشر القابل للتجدد،
بينما يعمل الفاعل المتمركز في الخارج على إعادة تحويل هذه الشرعية إلى مورد تفاوضي يُقاس بمدى قابليته للاعتراف الدولي.
وعليه، فإن ما يبدو كتوازي بين نموذجين، هو في العمق صراع على احتكار تعريف من يملك حق تحويل الفعل إلى “حامل سياسي”: هل هو الفاعل المتجذر في المجتمع القادر على إنتاج الشرعية من الأسفل، أم الفاعل التفاوضي القادر على تحويل هذه الشرعية إلى بنية اعتراف من الأعلى؟
بهذا المعنى، لا يكون تفكك الحامل نتيجة انتقال طبيعي بين مستويين، بل نتيجة حسم غير متكافئ داخل صراع على تعريف الشرعية، حيث لم يُسمح للحامل المتشكل في الداخل بأن يدخل لحظة التثبيت المؤسسي، بينما تم تثبيت الحامل التفاوضي بوصفه الشكل الوحيد الممكن للتمثيل السياسي.
اتفاق أوسلو لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل كان:
ا. عملية "احتواء جغرافي" للحركة: بنقل مركز الثقل إلى الداخل، حيث حُصرت الحركة في مساحة جغرافية تخضع لسيطرة أمنية وعسكرية مباشرة من الاحتلال.
النتيجة: تحول الخارج من "خزان للثورة ومركز للقرار" إلى "ساحة للتضامن أو ملحق إداري"، مما أدى إلى تهميش ملايين الفلسطينيين في الشتات، وهم المكون الذي منح فتح تاريخياً صبغتها القومية والعالمية.
ب. هاجس "البديل": السياسة كأداة للإقصاء
لقد سكن قيادة فتح "فوبيا" وجود بديل يمتلك شرعية تفوق شرعيتها، سواء كان هذا البديل من الداخل (قيادات الانتفاضة الأولى) أو من خارج الإطار الفصائلي (حماس لاحقا).
هذا الهاجس دفع القيادة التاريخية في تونس، أثناء مرحلة التأسيس للسلطة، إلى تفكيك البنى الشعبية التي أفرزتها الانتفاضة الأولى (اللجان الشعبية، القيادة الوطنية الموحدة) واستبدالها بجهاز بيروقراطي أمني يدين بالولاء للمركز.
الصراع على التمثيل: "الحامل السياسي" في الداخل لم يُبنَ ليكون شريكا، بل بُني ليكون "حاجزا" يمنع صعود أي بديل وطني، مما جعل الحفاظ على السلطة غاية تتقدم على مشروع التحرر.
ج. "مركزية القرار" مقابل "تشتت الفعل"
بينما انتقل "مركز القرار" إلى الداخل تحت عين الاحتلال، بقي "الفعل المقاوم" تاريخيا يحتاج إلى عمق استراتيجي (الخارج).
المفارقة: أدى تهميش الخارج إلى تجفيف منابع الدعم الاستراتيجي، وأصبحت الحركة في الداخل أسيرة "الزمن الإسرائيلي" (المعابر، المقاصة، التنسيق الأمني)، بينما فقد الخارج "البوصلة التنظيمية" وأصبح يعيش حالة من الاغتراب السياسي.

5: سلطة الحكم الذاتي (1994- نوفمبر 2004)
يتضح في هذه المرحلة أن العلاقة لم تعد تُدار ضمن منطق التأسيس، بل ضمن منطق الإدارة والتقييد تحت الاحتلال.
السؤال المركزي: هل أصبحت فتح سلطة تدير شعبا أم حركة تقوده؟
محاور الفحص:
• المقاومة: تُفصل عن القرار.
• التنظيم: يتماهى مع السلطة.
• الحامل السياسي: جهاز إداري مقيد.
في هذه المرحلة، لم تُقابل التحديات وانكشاف انسداد الأفق السياسي بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، بانعكاس نقدي يؤسس لإعادة بناء الحامل السياسي الجامع، بل استمر الوضع ضمن إدارة جزئية، لا تعيد وصل القيادة بالمجتمع. غياب المراجعة لم يكن عجزا معرفيا، بل خيارا سياسيا لتجنب اهتزاز الشرعية.
النتيجة: السياسة تتحول إلى إدارة، والشرعية إلى وظيفة. ولم تدمج العمليات العسكرية التي اندلعت في أعقاب فشل مفاوضات كامب ديفيد / انتفاضة الأقصى/ في استراتيجية تحرر وطني، بل استُخدمت كأداة ضغط تفاوضي في ظل اختلال بنيوي في موازين القوى، ما أفقدها وظيفتها التحررية وربطها بمسار سياسي مأزوم.
لكن هذا التحول لا يمكن فهمه فقط كمسار خطّي لانحدار وظيفة الفاعل، بل بوصفه أيضا نتيجة صراع داخلي مستمر داخل البنية نفسها. غير أن هذا الصراع لا يظهر كقطيعة بين كيانات منفصلة، بل كتوتر بنيوي داخل الفاعل الواحد، حيث تتداخل المواقع وتُعاد صياغة الأدوار باستمرار دون حسم نهائي. ومع غياب إطار ناظم يُحوّل هذا التوتر إلى قرار سياسي جامع، يميل ميزان الفعل تدريجيا نحو منطق الإدارة، ليس نتيجة إلغاء الفاعل السياسي، بل نتيجة إعادة احتوائه داخل وظيفة أضيق.
وهكذا لا يُختزل التحول في انتقال من “السياسي إلى الإداري”، بل في إعادة توزيع داخلية للفاعلية نفسها بين مستويين يعملان في آن واحد، أحدهما ينتج الخطاب، والآخر يضبط الإمكان، دون قدرة أي منهما على إعادة تأسيس الحامل السياسي ككل.

6: ما بعد عرفات والانقسام (2005-2007)
شهدت هذه المرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية واقتصادية وقانونية وإدارية للنظام السياسي الفلسطيني تحت الإشراف الأمريكي المباشر والممولين الدوليين.
السؤال المركزي: هل عجزت فتح عن تجديد نفسها أم مُنعت من ذلك؟
محاور الفحص:
• التنظيم: بلا مركز سياسي جامع.
• السلطة: بلا مشروع تحرري.
• المجتمع: خارج القرار.
لم يأتِ الانقسام عام 2007 من فراغ، بل مثّل تتويجا لمسار بدأ مع تحويل السلطة إلى بديل عن الحامل السياسي، وتحوّل التنظيم إلى جهاز إدارة بلا أفق تحرري. في هذه اللحظة، لا يظهر الفاعل بوصفه منقسما فقط، بل بوصفه في حالة صراع على احتكار تمثيل الشرعية دون القدرة على إنتاجها أو تنظيمها.
كل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه كبديل للحامل السياسي، دون امتلاك الشروط التي تجعل منه حاملا فعليا، ما يحوّل الصراع من تنافس داخل بنية واحدة إلى تنازع بين بنيتين غير مكتملتين.
مع غياب مركز سياسي جامع، يتشظى الفاعل إلى قوى متنافسة، هذا التعدد لا ينتج تعددية سياسية، بل فراغا في القرار، حيث تتقدم الصراعات الداخلية على حساب إعادة بناء الحامل السياسي.
غير أن هذا التفتت لا يقتصر على غياب المركز الجامع، بل يكشف عن تحول أعمق: انتقال الصراع داخل البنية من تنازع على القرار إلى تنازع على تعريف من هو “الفاعل” أصلا. فكل مكوّن سياسي أو تنظيمي أو سلطوي لم يعد يتحرك بوصفه جزءا من حامل سياسي واحد في حالة انقسام، بل بوصفه مشروع حامل بديل في طور التكوين.
ومع غياب آلية قادرة على دمج هذه الادعاءات المتنافسة داخل بنية سياسية واحدة، يتحول التعدد من إمكانية سياسية إلى حالة تفكك بنيوي، حيث تتعايش مشاريع الحوامل دون أن تتبلور في حامل واحد، أو تُحسم لصالح أي منها.

.7 من الانقسام إلى ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر (2007- 2023)
شهدت هذه المرحلة انقساما عموديا سياسيا وجغرافيا للنظام السياسي الفلسطيني مهد له الانسحاب الإسرائيلي الأحاديّ وإعادة الانتشار خارج قطاع غزة عام 2005، غير المنسق مع السلطة الفلسطينية، بعد بضعة أشهر من انتخاب الرئيس محمود عباس. كما مهدت له الانتخابات التشريعية التي جرت بضغط أمريكي وغربي وعربي وتسهيلات إسرائيلية بمشاركة حركة حماس، المعارضة لاتفاق أوسلو، ثم الانقلاب فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا على نتائج الانتخابات بمحاصرة حكومة الوحدة الوطنية التي شكلتها حركة حماس، الفائزة بالأغلبية، سياسيا، ودبلوماسيا، وإداريا، واقتصاديا، وماليا. ولجوء حماس إلى الاستئثار بحكم قطاع غزة، فيما انفردت السلطة بادارة شؤون السكان في الضفة الغربية. وتجذر الانقسام بفعل الرعاية الإسرائيلية والدعم والتمويل العربي والإقليمي والدولي لطرفي النظام السياسي الفلسطيني ومنع وحدته.
السؤال المركزي: كيف استمرّت فتح بلا حامل سياسي وبلا أفق تحرري؟
محاور الفحص:
• السياسة: إدارة بقاء.
• الشرعية: شكلية.
• التنظيم: جهاز أكثر منه حركة.
يُعاد إنتاج الفاعل هنا بوصفه جزءا من بنية إدارة الانقسام، حيث تتشكل مراكز قرار منفصلة، كل منها يعمل ضمن منطق الحفاظ على استقراره الداخلي، لا ضمن أفق وطني جامع.
يتداخل الفاعلين المحليين مع فاعلين إقليميين ودوليين يسهمون في تثبيت هذا الانقسام، بحيث لا يعود القرار ناتجا عن تفاعل داخلي فقط، بل عن شبكة مصالح أوسع تُعيد إنتاج الحالة القائمة.
لا يقتصر الأمر هنا على تعدد الفاعلين، بل على تشكلهم ضمن منطق صراع مُدار، حيث لا يعمل أي منهم على إنتاج حامل سياسي جامع، بل على تثبيت موقعه داخل بنية الانقسام. وبهذا، يتحول الصراع من وسيلة لإعادة تشكيل الحامل إلى آلية لإدامة غيابه.
غير أن ما يميز هذه المرحلة تحديدا هو أن الفاعلين لم يعودوا يتحركون داخل منطق “إمكانية إنتاج حامل سياسي”، بل داخل منطق إدارة واقع فقد فيه الحامل شروط إمكانه. أي أن الصراع لم يعد يدور حول من يقود المشروع الوطني، بل حول من يدير الفراغ الناتج عن غيابه.
وهكذا، لا يصبح الانقسام مجرد حالة سياسية، بل بنية تُنتج فاعليها باستمرار، وتعيد تشكيلهم وفق منطق الحفاظ على الاستقرار الجزئي بدل إنتاج وحدة سياسية جديدة.

8. من السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 حتى الآن
لم يكن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مفاجئا في سياقه البنيوي، بل جاء نتيجة طبيعية لتراكم تداعيات الصراع الوجودي الذي فرض على الشعب الفلسطيني منذ أكثر من قرن، وانسداد الأفق السياسي، والانقسام وتوالي الحروب على قطاع غزة وتشديد الحصار حد الانفجار، خصوصا مع دخول قرار حسم الصراع الوجودي مع الشعب الفلسطيني، بتجاوز حقوقه واستثنائه من الجغرافيا والديموغرافيا والسياسة في الترتيبات المستقبلية الإسرائيلية والعربية والاقليمية والدولية.
السؤال المركزي الأخطر: هل كشفت اللحظة السياسية بعد الابادة الجماعية نهاية صلاحية فتح والفصائل الفلسطينية كحامل سياسي؟ أم أتاحت فرصة لإعادة التأسيس للحركة ؟
محاور الفحص:
• الغياب عن لحظة تاريخية كبرى،
• انكشاف الفراغ التمثيلي،
• تحوّل المجتمع إلى فاعل بلا إطار.
هنا يتخذ الصراع شكلا معكوسا: فاعل مجتمعي ينتج فعلا كثيفا دون بنية حاملة، في مقابل فاعلين سياسيين قائمين يعجزون عن التقاط هذا الفعل أو تحويله إلى مسار.
لا يعود الصراع على تمثيل الحامل، بل على إمكانية ظهوره أصلا، في لحظة تاريخية فارقة يكشف فيها الفعل حدود البنى التي تدّعي احتواءه.
في هذه المرحلة، يظهر التناقض في أوضح صوره:
• الفعل التاريخي يبلغ ذروته،
• بينما يغيب الفاعل السياسي القادر على حمله.
لا يعود الإشكال في ضعف الفاعل، بل في غيابه كبنية قادرة على تحويل الفعل إلى قرار. وهنا، يتحول المجتمع نفسه إلى مصدر للفعل، دون أن يقابله فاعل سياسي منظم يمتلك القدرة على تمثيله أو توجيهه، أو توظيف تضحياته واستثمارإنجازاته سياسيا. ما يكشف حدود البنى القائمة في لحظة اختبار قصوى.
غير أن ما تكشفه هذه اللحظة لا يقتصر على اختلال العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، بل يتجاوز ذلك إلى انكشاف فجوة زمنية بنيوية بينهما، حيث يتحرك الفعل المجتمعي ضمن زمن متسارع وكثيف ومباشر، في حين تتحرك البنى السياسية ضمن زمن بطيء ومؤجل ومقيد بإرث طويل من إدارة الانقسام والتسويات غير المكتملة.
هذا التفاوت في الزمنين لا يسمح فقط بحدوث فجوة تمثيل، بل يؤدي إلى انهيار إمكانية التزامن بين الفعل والحامل. أي أن المشكلة لم تعد في غياب حامل قادر على التقاط الفعل، بل في تعذر إنتاج حامل يتزامن أصلا مع طبيعة الفعل نفسه.
وبهذا المعنى، لا يعود الفاعل السياسي متأخرا عن الفعل فقط، بل يصبح خارج إيقاعه البنيوي، ما يجعل كل محاولة لاحتوائه أو ترجمته لاحقا تصطدم بواقع أن الفعل قد تجاوز لحظة إمكانية تمثيله أصلا، وأصبح ينتج منطقه الخاص خارج إطار السياسة التقليدية.

خامسا: السؤال المفتوح:
هل فقدت فتح موقعها المحوري لأنها تخلّت عن المقاومة فقط، أم لأنها أعادت تعريف الحق الفلسطيني تحت ضغط موازين القوى، ولم تُحوّل شرعيتها الثورية إلى عقد سياسي دائم يضبط مسارها ويعزز الحامل السياسي الفلسطيني القادر على حمل المشروع الوطني التحرري؟
وهل تستطيع فتح - أو غيرها من البنى السياسية القائمة - العودة للعمل كجزء من حامل سياسي وطني تعددي جامع، وليس كبدائل عنه؟
بعد تتبع هذا المسار التاريخي، يصبح من الممكن إعادة تجميع النتائج في مستوى نظري أعلى. غير أن هذا المستوى الأعلى لا يتجه نحو إجابة نهائية بقدر ما يتجه نحو إعادة تعريف وحدة التحليل نفسها: من تتبع مسار تنظيم بعينه، إلى مساءلة البنية التي تنتج العلاقة بين الفعل والتمثيل والحامل السياسي. إذ يصبح السؤال المركزي في هذه الحالة: هل الأزمة في موقع “فتح” داخل النظام السياسي، أم في نمط تشكّل النظام السياسي ذاته بوصفه إطارا لم يعد قادرا على إنتاج حامل سياسي جامع بالمعنى الذي تشكّل تاريخيا؟
وبهذا، يتحول السؤال المفتوح من سؤال حول المصير التنظيمي إلى سؤال حول شروط إمكان السياسة نفسها في السياق الفلسطيني.

سادسا: ما بعد الانسداد
في ضوء ذلك، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد تعثّر في الأداء، ولا حتى اختلالا في العلاقة بين الفعل والتنظيم، بل تعبيرا عن انسداد أعمق يتصل بشكل السياسة ذاته كما تشكّل تاريخيًا في الحالة الفلسطينية، أي بالبنية التي تنتج السياسة وتعيد توزيع الفعل والشرعية داخلها.
ما نواجهه اليوم ليس فقط غياب حامل سياسي قادر على تحويل الفعل إلى مسار، بل تحوّل البنى القائمة إلى ما يشبه “فخًا بنيويًا” يعيد إنتاج الانفصال الذي يُفترض أنه جاء لتجاوزه، عبر إعادة تدوير علاقات الشرعية والتمثيل دون إعادة تأسيس شروطها:
شرعية تُحتكر ولا تُترجم، فعل يتكثف ولا يُحمل، سياسة تُدار بدل أن تُصاغ.
غير أن ما تكشفه هذه البنية لا يقتصر على عجز الحوامل السياسية القائمة عن أداء وظيفتها، بل يمتد إلى مساءلة صلاحية نموذج “الحامل السياسي” نفسه كما تشكّل تاريخيا. فالتجربة لا تُظهر فقط فشلا في التمثيل، بل تكشف ميلا بنيويا لتحول كل حامل - مهما كانت شروط نشأته - إلى بنية احتكار تعيد فصل الشرعية عن مصدرها، وتحوّل الفعل إلى مورد يُدار بدل أن يبقى أفقا مفتوحا.
وعليه، لا يعود السؤال مقتصرا على كيفية إعادة بناء الحامل السياسي، بل يمتد إلى مساءلة افتراضه الضمني:
هل ما يزال من الممكن اختزال الفعل المجتمعي في حامل سياسي واحد دون إعادة إنتاج الانفصال ذاته؟
أما أفق الخروج، فلا يبدأ من استعادة ما كان، ولا من إعادة إنتاج الحامل بصيغته التقليدية، بل من إعادة تأسيس العلاقة بين الفعل والشرعية بوصفها عملية مفتوحة داخل المجتمع، لا ملكية مغلقة تُدار من الأعلى.
وعليه، لا يتحدد مستقبل حركة فتح - ولا النظام السياسي الفلسطيني عمومًا - بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على التحول: ليس من موقع “الحامل المكتمل” الذي يحتكر الشرعية، بل من موقع جزء من عملية مفتوحة لإعادة إنتاجها.
ففي لحظة يتقدّم فيها الفعل المجتمعي على السياسة لا يعود السؤال من يمثّل هذا الفعل، بل من يستطيع أن يظل جزءا منه دون أن يعيد احتكاره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى