جدلية الوجود والغياب: تشريح الوعي في قصيدة المشيّعون

تعد قصيدة "المشيّعون" للشاعر عبد المقصود عبد الكريم نموذجاً حاداً لـ "شعرية التقشف"، حيث يتخلى النص عن الغنائية الفائضة لصالح تأمل وجودي يمزج بين برودة التقرير وحرارة القلق الوجودي. القصيدة لا تكتفي برصد طقس جنائزي مألوف، بل تعيد صياغة العلاقة بين الذات والمدينة من خلال عدسة "الفناء"؛ فالموت هنا ليس غاية في ذاته، بل هو المحرك الذي يكشف هشاشة الروابط الإنسانية وزيف الاستقرار المدني. يبني الشاعر نصه على أنقاض المدينة المتآكلة، مستخدماً لغة عارية من المجاز لتعميق الشعور بالواقعية الصادمة، مما يضع القارئ أمام مواجهة مباشرة مع فكرة "الزوال" كفعل يومي روتيني يفتقر إلى القداسة أو التكريم.
في هذه القصيدة، يتحول "المشيّع" من كائن يحمل إرث الوفاء إلى مجرد أداة وظيفية لصيانة الفضاء العام، وهو ما يعكس رؤية الشاعر الحداثية للمدينة كحيز وظيفي بارد يخشى "الرائحة" أكثر مما يحزن على "الغياب". من خلال هيكلية تعتمد على التكرار والمونولوج الذهني، ينسج عبد المقصود عبد الكريم شبكة من التساؤلات التي تطارد "الأنا" الشاعرة، محولاً فعل التفكير إلى عبء ثقيل يسبق فعل الموت نفسه. إننا أمام نص يحفر في الهامش ليصدم المركز، ويعيد تعريف "العدم" ليس بوصفه فراغاً، بل بوصفه انطفاءً شاملاً للكون بمجرد رحيل الرائي، مما يجعل من هذه القراءة رحلة في دهاليز الوعي الفردي الذي يرى في موته نهاية للتاريخ والجغرافيا معاً.

من الطقس الجنائزي إلى وظيفة الصيانة
يبرز عنوان القصيدة "المشيّعون" كعتبة نصية مشحونة بدلالات اجتماعية ووجودية عميقة؛ فهو لا يشير إلى "الموت" بوصفه الحدث النهائي، بل يركز على "الفعل" الذي يليه، وهو التشييع. في المنظور التقليدي، يُعد التشييع طقساً لتكريم الراحل، لكن الشاعر عبد المقصود عبد الكريم ينزاح بهذا المعنى ليحول "المشيّعين" إلى عامل صيانة حيوية للمدينة. إنهم يمثلون "الترس" الذي ينقل الموت من المركز (الحياة) إلى الأطراف (العدم)، وبذلك تصبح وظيفتهم هي الحفاظ على طهارة الفضاء المدني وحماية الأحياء من مواجهة الحقيقة العارية للفناء. العنوان هنا يضعنا أمام مفارقة: فالمشيعون هم الكائنات الوحيدة التي تربط بين عالمين، وبدونهم تصبح المدينة معرضة للانكشاف والتحلل.
في الفقرة الثانية، تتعمق الدلالة حين يربط الشاعر بين تناقص أعداد المشيّعين و"التآكل المعنوي" للمدينة. إن عبارة "يقلُّ المشيّعون" لا تشير فقط إلى أزمة عددية، بل إلى انهيار الرابط الإنساني الأخير؛ فالمشيّع هو "الشاهد" الذي يعطي للموت شرعية اجتماعية، وبغيابه يتحول الموت إلى "جيفة" وتتحول المدينة إلى حيز بارد يفقد قدرته على مواراة سوءاته. هنا يصبح التشييع "فعل صيانة" ليس فقط للرائحة والهواء، بل لذاكرة المدينة وبقائها؛ إذ إن المدينة التي لا تجد من يشيّع موتاها هي مدينة بدأت بالفعل في الانقراض والتحلل من الداخل، حيث لم يعد هناك من يملك الشجاعة أو القدرة على حمل عبء الغياب ونقله إلى "الأطراف" بعيداً عن الأعين.

البنية الدرامية والمونولوج الداخلي: حركة الذهن وصراع البقاء
تتأسس بنية القصيدة على "الفعل الذهني" المتكرر في لفظة "يُفكّر"، وهي الحركة التي تنقل النص من مجرد رصد فوتوغرافي لمشهد الجنائز إلى عمق "المونولوج الداخلي" والتأمل الوجودي. هذا الإصرار على فعل التفكير يحول "الأنا" الشاعرة إلى مراقب قلق، لا يكتفي بمشاهدة الموت كظاهرة خارجية، بل يستدخلها في وعيه الشخصي. يتجلى ذلك بوضوح في "التكرار الإلحاحي" لجملة "ينبغي أن أموت قبل أن ينقرض المشيّعون"؛ إذ تخلق هذه العبارة مفارقة درامية مريرة وسوداوية، حيث ينقلب الغرض الفطري للإنسان من "الرغبة في البقاء" إلى "الرغبة في الموت العاجل" لضمان وجود "الآخر" الذي يؤنس وحشة الرحيل. إن التكرار هنا ليس حلية لفظية، بل هو نبض القلق الذي يخشى "الموت المنسي" أو العراء الجنائزي، مما يعكس شعوراً حاداً بالاغتراب والوحدة في مدينة تتآكل أطرافها.
أما على مستوى البناء الحواري، فقد كسر الشاعر جمود الفكرة الفلسفية بتحويلها إلى "ديالوغ" داخلي يعتمد صيغة السؤال والجواب، مثل التساؤل عن "فائدة المشيّعين" والإجابة بأنهم يمنعون "رائحة المدينة" من الفوحان. هذا الأسلوب يمنح النص طابعاً درامياً حياً، حيث يتقمص الشاعر دور "المسائل" و"المجيب" في آن واحد، ليواجه الحقائق القاسية بلغة عارية ومباشرة. هذا الحوار لا يبحث عن إجابات مطمئنة، بل يعري الوظيفة النفعية "للطقس"؛ فالمشيّع في هذا الحوار ليس محبّاً، بل هو "عامل نظافة" يحمي أنفه من رائحة التحلل. وبذلك، تنجح الدراما في القصيدة في تحويل الموت من جلال غيبي إلى عبء فيزيائي يخاف منه الأحياء، مما يعمق الفجوة الوجودية بين "الذات" التي ستغادر و"المدينة" التي لا تفكر إلا في هواء نقي.

ثنائية الرائحة والخوف: نزع القداسة عن الموت
يطرح الشاعر رؤية صادمة وقاسية لوظيفة المشيّعين، حيث ينقل فعل التشييع من سياق "الواجب الأخلاقي" إلى سياق "الضرورة البيئية"، متخذاً من "الرائحة" معادلاً موضوعياً لفساد الوجود. فحين يقول: "كي لا تفوح رائحة المدينة"، فإنه يُجرّد جسد الميت من قدسيته ويحوله إلى "عبء مادي" يهدد جودة الحياة في المركز. التشييع هنا ليس تكريماً للراحل ولا محاولة لتخليد ذكراه، بل هو عملية "تطهير" قسرية للمدينة من أثر الموت الفيزيائي. إنها رؤية مادية بحتة، ترى في الموتى مجرد مصادر محتملة للتلوث البصري والشمي، مما يجعل فعل الدفن مجرد محاولة يائسة من قِبل الأحياء للحفاظ على "نقاء" زائف لهواء المدينة، وإخفاء حقيقة أن التحلل هو المصير الحتمي لكل ما هو قائم.
وفي المقابل، تتشابك الرائحة مع شعور "الخوف" لتكتمل ملامح هذه الثنائية؛ فالشاعر يقلب الآية المعتادة، حيث لا يكمن الخوف "على" الميت من وحشة القبر، بل يكمن في خوف "الأحياء" من الموتى كفكرة وكجسد. عبارة "لأنهم يخشون الموتى" تفسر سبب هروب المشيّعين إلى "الأطراف"؛ فهم لا يذهبون هناك ليواروا أحباءهم الثرى بحب، بل ليعزلوا فكرة "الفناء" بعيداً عن مركز حياتهم اليومية الصاخب. هذا الخوف هو محاولة لإنكار الحقيقة؛ فالموتى يمثلون المرآة التي يرى فيها الأحياء نهايتهم، ومن هنا يصبح التخلص منهم ونفيهم إلى أطراف المدينة هو الوسيلة الوحيدة لاستمرار الوهم بالحياة. إن المشيّع في هذا النص هو كائن مدفوع بالرعب، يسارع بنقل "العدوى" (الموت) إلى الهامش لكي يظل المركز آمناً ومطمئناً في غفلته.

العدمية والمركزية الذاتية: تلاشي الوجود بتلاشي الرائي
تنتقل القصيدة في مقطعها الختامي من رصد الظاهرة الجماعية والمراقبة الخارجية إلى "مركزية الذات" في مواجهة الفناء، حيث يتبنى الشاعر أسلوب "النفي المتصاعد" لبناء مشهد عدمي بامتياز. يبدأ هذا المسار بنفي "فساد الهواء"، وهي إشارة مراوغة توحي في الظاهر بالسكينة، لكنها تمهد لانهيار كلي؛ فعدم فساد الهواء ليس بسبب جودته، بل لأن مبرر وجوده (الإنسان) قد انتهى. هذا التدرج في النفي يعكس رغبة الشاعر في تفكيك العالم تدريجياً، بدءاً من العناصر الحيوية وصولاً إلى الكيان الجغرافي والاجتماعي. إنها لحظة "التنوير القاسية" التي يدرك فيها البطل أن موته ليس مجرد غياب فرد عن مجموعة، بل هو انقطاع لتيار الوجود الذي يغذي المشهد بأكمله، مما يحول المدينة من حيز مادي ملموس إلى سراب يتبدد بمجرد انغلاق عين الرائي.
وفي الفقرة الختامية، تبلغ القصيدة ذروة فلسفتها الوجودية عبر معادلة "أنا والعدم"، حيث يصادر الشاعر وجود المدينة لصالح وجود "الأنا". في السطور الأخيرة ("ولن تكون هناك مدينة")، تتجلى الرؤية المثالية الذاتية في أقسى صورها؛ فالعالم لا يمتلك حقيقة موضوعية مستقلة، بل هو "تمثل" داخل وعي الفرد، وبانطفاء هذا الوعي ينطفئ الكون معه. الموت هنا ليس رحيلاً "عن" المدينة، بل هو رحيل "للمدينة" ذاتها؛ فإذا غاب الرائي، غاب المرئي، وإذا انعدم المستنشق، انعدم الهواء. ينجح عبد المقصود عبد الكريم في تحويل الموت من واقعة اجتماعية تتطلب "مشيّعين" إلى كارثة كونية شاملة، لينتهي النص بإعلان صريح بأن الوجود كله معلق بخيط رفيع من الوعي الفردي، وبانقطاعه، يغرق كل شيء—بما في ذلك المدينة وأطرافها ومشيّعوها— في لجة العدم المطلق.

الرؤية الفنية واللغة: جماليات التقشف والمنطق البارد
اعتمدت القصيدة لغةً تتسم بالبساطة التقريرية المفرطة، حيث تخلّى الشاعر عن "الزخارف البلاغية" التقليدية والمجازات العاطفية المعتادة في رثاء الموتى، مفضلاً لغةً جافة تشبه في صرامتها لغة "التقارير" أو "الحقائق الوجودية". هذا الاختيار الفني لم يكن عجزاً، بل هو استراتيجية واعية تتناغم تماماً مع ثيمة "برودة الموت"؛ فالشاعر يبتعد عن استدرار العطف عبر الصور البيانية الملونة، ليضعنا أمام الحقيقة العارية للموت كفعل روتيني يومي. إن خلو النص من التشبيهات المعقدة يمنح الكلمات ثقلاً واقعياً، حيث تصبح المفردة (مثل: أطراف، رائحة، هواء) مؤدية لغرضها الوجودي دون مواربة، مما يعزز الشعور بجمود اللحظة وجفاف التفكير الإنساني وهو يواجه مصيره الحتمي.
وفي الفقرة الثانية، نجد أن الشاعر استبدل العاطفة المتدفقة بما يمكن تسميته بـ "المنطق الرياضي الحزين"؛ إذ بنى هندسة القصيدة على ثنائيات رقمية متضادة (يزداد الموتى / يقل المشيعون). هذا التقابل العددي يعمق الشعور بالعزلة والاختناق، حيث تبدو المدينة كآلة حاسبة ترصد التآكل البشري ببرود تام. إن استخدام الأفعال المضارعة (يمضي، يزداد، يقل، يفكر) يمنح النص ديمومة واستمرارية، وكأن هذه "المأساة" تحدث الآن وفي كل لحظة. هذه اللغة "العارية" تجرد الموت من هيبته الغيبية لتعيد تقديمه كعبء فيزيائي ومنطقي، مما يجعل القارئ ينغمس في حالة من الذهول أمام بساطة المفردات وقسوة النتائج التي تفضي إليها في نهاية المطاف.
ختاماً، تظل قصيدة "المشيّعون" صرخة مكتومة في وجه التحلل الصامت الذي يصيب الروح قبل الجسد، والمدينة قبل سكانها. لقد نجح الشاعر في تحويل "التشييع" من فعل جمعي إلى مأساة فردية بامتياز، محذراً من زمن ينقرض فيه حتى أولئك الذين يحملون الموتى إلى مثواهم الأخير. إنها قصيدة لا تقدم عزاءً، بل تفتح جرحاً فلسفياً حول جدوى الوجود في ظل "نفعية" المشاعر؛ فالعالم في نظر عبد المقصود عبد الكريم هو "وحدة وعي" تنهار بانهيار صاحبها، تاركةً المدينة وهواءها وناسها في قبضة العدم المطلق. إن قوة هذا النص تكمن في قسوته، وفي قدرته على جعلنا نتساءل: هل نشيّع الموتى حباً فيهم، أم خوفاً من ملاحقة الحقيقة التي يمثلونها؟

نص القصيدة: المشيّعون
شعر: عبد المقصود عبد الكريم

كلَّ يومٍ
إلى أطرافِ المدينةِ
يَمضي المُشيّعون بالموتى.
كلَّ يومٍ يزدادُ الموتى
ويقلُّ المشيّعون.
يُفكّرُ:
ينبغي أنْ أموت
قبل أنْ ينقرضَ المشيّعون.
يُفكّرُ:
ما فائدةُ المشيّعين؟
يمضونَ بالموتى إلى أطرافِ المدينةِ.
لماذا؟
كي لا تفوحَ رائحةُ المدينةِ.
يُفكّرُ:
يمضي المشيّعون بالموتى
إلى أطرافِ المدينةِ؛
لأنَّهم يخشَونَ الموتى.
يُفكّرُ:
ينبغي أنْ أموت
قبل أنْ ينقرضَ المشيّعون.
يُفكّرُ:
ما فائدةُ المشيّعين؟
حين أموتُ
لنْ يفسدَ الهواءُ في المدينةِ
ولنْ يخشاني أحدٌ.
حين أموتُ
لن يكونَ في المدينةِ هواء
ولنْ يكونَ فيها أحد
ولنْ تكونَ هناكَ مدينةٌ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى