[HEADING=2]Accueil[/HEADING]
[HEADING=3]Créer une publication[/HEADING]
[HEADING=3]Stories[/HEADING]
[HEADING=3]Publications du Fil[/HEADING]
* نص ونقد ....
( كان أبي في الحرب يبحث في
البراري عن عظْمة، ليطحنها بحجر ويسدَّ بها جوعه. من نسل تلك العظام وُلد أطفال، كنتُ واحداً منهم. كنتُ إبن عظْمة مطحونة )
الشاعر وديع سعاده
يصطفّ الشاعر اللبناني وديع سعادة مع سليم بركات وعباس بيضون وصلاح فائق ليمثّلوا قصيدة مابعد التأسيس العربي لقصيدة النثر العربية المعاصرة ، حيث الحفر في القدرات الشعرية للنثر ، لتغدو هذه القصيدة ممتلئة الحضور في المشهد الشعري العربي ، ففي النص السالف يقدّم الشاعر وديع سعاده مثالاً مكثفاً على جوهر تجربته في قصيدة النثر، حيث تتقاطع السيرة الفردية مع ذاكرة جمعية مضرّجة بالعنف، ضمن بناء لغوي شديد الاقتصاد. تبدأ الجملة بالفعل السردي البسيط ، "كان أبي في الحرب"، لكنها سرعان ما تنزاح إلى صورة صادمة وهي البحث عن عظمة لطحنها وسدّ الجوع ، هنا تتكثف الحرب بوصفها اختزالاً للوجود الإنساني إلى مستوى البقاء الحيوي، حيث يتحول الجسد (العظمة) إلى مادة غذاء، في مفارقة تدمج الحياة بالموت ، هذه الصورة تؤسس لما يشبه "نَسَباً مأساوياً"، إذ لا يعود الابن امتداداً بيولوجياً عادياً، بل نتاجاً رمزياً لذاكرة العنف "من نسل تلك العظام وُلد أطفال".
قوة النص تكمن في هذه النقلة الدلالية الحادة من الواقعي إلى المجازي، ومن السردي إلى الوجودي، دون أن يفقد تماسكه. العبارة الأخيرة "كنتُ ابن عظمة مطحونة" تمثل ذروة التكثيف، حيث تتحول الهوية إلى أثر، أو بقايا، أو حتى إلى شيء مسحوق. هنا تتحقق وحدة عضوية واضحة فكل جملة تقود إلى الأخرى ضمن منطق داخلي صارم، يجعل النص أشبه بكتلة بلورية مغلقة، كما أشرتَ.
أما من جهة ما عليه، فيمكن الإشارة إلى أن هذا المستوى العالي من التكثيف قد يفضي إلى نوع من الانغلاق الدلالي، إذ يعتمد النص على صدمة الصورة أكثر من تطويرها، مما قد يحدّ من أفق التأويل لدى بعض القراء. كذلك، يظل الاشتغال على ثيمة الحرب ضمن أفق رمزي عام، دون تفاصيل سياقية، وهو ما يمنح النص بعداً إنسانياً كلياً، لكنه في الوقت ذاته يجرّده من خصوصية مكانية أو تاريخية يمكن أن تعمّق أثره.
مع ذلك، يبقى النص نموذجاً لاقتصاد لغوي ناجح، وقدرة لافتة على تحويل التجربة القاسية إلى صورة شعرية خاطفة، تُعيد تعريف الذات بوصفها نتاجاً هشّاً لذاكرة مكسورة.
عبد علي حسن