ماجد القيسي - تفكيك جدار التشظي وبناء الاحتمال المؤجل: قراءة منهجية في ملامح الانعتاق السردي عند هدى حجاجي أحمد

تُمثّل القراءة المنهجية للفصلين الأول والثاني من رواية "كأنني لم أكن: امرأة على حافة المعنى" للكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد، رحلة نقدية لتفكيك بنية النص الممسوس بالقلق الوجودي والتشظي الذاتي؛ إذ تتأسس العتبة الأولى للرواية من عنوانها المركب والمحمل بالدلالات الرمزية، حيث يحيل "كأنني لم أكن" مباشرة إلى نزعة العدمية ومحاولة محو الأثر أو التشكيك في الوجود الفيزيائي والنفسي للذات، بينما يشتغل العنوان الموازي "امرأة على حافة المعنى" كإطار مفسر يضع البطلة في منطقة برزخية فاصلة بين الوجود واللاوجود، وبين العبث والبحث عن جدوى، وهو ما يوحي بصرياً ودلالياً بغلاف يحمل ملامح امرأة مشوشة أو ظلالاً متداخلة تعكس الانقسام الداخلي. وبالانتقال إلى سياق المؤلفة، فإن الكاتبة تُعرف بخلفيتها الثقافية التي تنزع نحو سبر أغوار الذات الإنسانية والتركيز على المعاناة الوجودية، متجاوزةً الطرح الاجتماعي التقليدي، مما يمنحنا عبر المسح السريع للمقدمة والفهرس الافتراضي توقُّعاً أولياً بأننا لسنا أمام ننرواية أحداث تقليدية، بل أمام "رواية تيار وعي" ونفس متمرد على الواقعية المفرطة، حيث يغدو المتن رحلة غوص في اللاوعي ومواجهة الاغتراب.

Messenger_creation_9A657FED-28B6-497D-B59F-03EB771D2C99.jpeg

وعند تشريح المكونات الأساسية للفصلين أثناء القراءة، نجد أن الحبكة والحدث لا يسيران في خط أفقي صاعد، بل يتخذان شكلاً لولبياً يبدأ من العقدة مباشرة؛ فالحبكة تنطلق من لحظة "الانهيار الصامت" حيث تعجز البطلة عن الكتابة كفعل إرادي وتتحول لديها كعرض جانبي، لتصل الذروة سريعاً مع تجسد الجدار واختلال زمن المرآة، ثم تتطور العقدة في الفصل الثاني مع "الصوت الآخر" عبر حوارية كونية مع المجهول، في تتابع مترابط بمنطق الحلم والكابوس حيث يسلم الانهيار الداخلي إلى تجسد خارجي. ويكشف تحليل الشخصيات عن بطلة ساردة تعيش أبعاداً نفسية معقدة تتمثل في الفصام والتشظي، وتتحرك كشخصية نامية ومتطورة تنتقل من الخوف والصدمة أمام الجدار إلى محاولة الفهم والاستجواب، في وقت يلعب فيه الزمان والمكان دور "البطل" والفاعل الأساسي؛ فالغرفة، الجدار، والشرفة هي فضاءات ضاغطة تحمل برودة الذاكرة، والزمن هنا ليس فيزيائياً بل هو زمن نفسي سائل يعكس انفصال البطلة عن الواقع بخطوة تفقدها التوازن، وهي تقنيات سردية تتضح من خلال "الراوي المشارك" الذي يتحدث بضمير المتكلم وينقل حقيقته الذاتية المشوشة، معتمداً على بنية زمنية توازن بين زمن الكتابة وزمن حدوث الفعل.

وينتقل النص على المستوى الأسلوبي والعمق الدلالي إلى فضاء لغوي رفيع، حيث اللغة فصحى، شاعرية، ومكثفة، تقترب من السيولة السردية وتقطيع الجمل النثرية، وتُهيمن عليها الاستعارات والرموز؛ فالجدار رمز للانسداد الوجودي، والمرآة رمز لمواجهة الذات المتشظية، بينما يتجلى "المونولوج الداخلي" بقوة كأداة لتفسير التمزق حين تتساءل الساردة عن سبب مطالبة الإنسان بأن يكون واحداً بينما داخله بهذا القدر من التشظي. وتنبثق من هذا السرد ثيمات جوهرية أبرزها الاغتراب الذاتي، أزمة الهوية، وفلسفة الكتابة، ما يتطلب تفاعلاً نشطاً من القارئ يدفعه لتدوين ملاحظات على الهامش حول دوافع البطلة، إذ إن خروجها للشرفة ليس هرباً فيزيائياً بل هو محاولة واعية للتحقق من وجود الآخرين لتثبيت عقلها، والبحث عن إجابة لسؤال الوجود الذي يطرحه "الصوت الآخر" كاحتمال غير مُعاش.

وفي مرحلة النقد وإصدار الحكم ما بعد القراءة، يتضح أن الكاتبة هدى حجاجي أحمد قد نجحت في إيصال فكرة "الحافة" ببراعة فائقة، فالشخصية مقنعة جداً في سياق مأزقها الوجودي، والحبكة النفسية متماسكة وقادرة على تصعيد الدراما ببدئها من جماد وانتهائها بحضور ناطق، مما يجعل القارئ شريكاً في الحيرة وليس مجرد متلقٍ. وبتوسيع الأفق ومقارنة هذا النص بالسياق الثقافي العام، يتقاطع العمل مع أدبيات العبث والوجودية العالمية لكن بنكهة أنثوية غارقة في أثر الذاكرة والبيئة المغلقة؛ لتأتي المراجعة الختامية وتصيغ القصة بأنها رحلة امرأة كادت الكتابة أن تبتلعها، فتحول عجزها الإبداعي إلى مواجهة مرعبة مع ذواتها المؤجلة واحتمالاتها الضائعة، حيث تكمن نقطة القوة في التكثيف اللغوي والقدرة على أنسنة الجماد، وتترك في نفس القارئ أثراً عميقاً يحثه على إعادة تأمل جدران غرفته ومساءلة انعكاس صورته في المرآة، والاعتراف بأننا جميعاً قد نتأخر عن الواقع بخطوة صغيرة كافية لأن نفقد معها التوازن.

ماجد القيسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى