تُعد قصيدة "اليوم جلسة زينب" للشاعرة زكية المرموق نصاً أدبياً يتجاوز حدود "المناسبة السياسية" ليتحول إلى خطاب وجودي مشحون بالدلالات السيميائية والاحتجاجية. إن القصيدة، بتركيبتها الفنية، لا تستدعي واقعة الاعتقال كحدث طارئ، بل كشرارة لتفجير الوعي بالذات وبالوطن، حيث تتقاطع فيها سيرة "زينب" مع سيرورة المجتمع في "قاعة انتظار" كبرى. بهذا المعنى، لا نكون أمام رثاء فردي، بل أمام "تفكيك بصري ولغوي" للمؤسسة وعلاقتها بالفرد، مما يضع القصيدة في صدارة النصوص المعاصرة التي تتخذ من الشعر أداة للكشف عن المسكوت عنه في شقوق الواقع الاجتماعي والسياسي.
تستند هذه القراءة النقدية إلى مقاربة سيميائية وتحليلية للخطاب، تهدف إلى استنطاق البنى العميقة التي قامت عليها القصيدة؛ بدءاً من هندستها الدائرية التي تلتف حول الجرح، وصولاً إلى منظومة الرموز والانزياحات التي حوّلت الأشياء اليومية إلى مفردات للمقاومة. إننا بصدد نص لا يكتفي بوصف الحالة، بل يعيد إنتاجها كحالة شعورية كونية؛ فكل "مقص" وكل "مرآة" في النص تعمل بوصفها "شفرة" (Code) تفتح أبواب التأويل على مصراعيها، مما يمنح القصيدة أبعاداً تتجاوز اللحظة الراهنة لتستقر في ذاكرة النص الأدبي الملتزم بقضايا الكرامة والحلم.
الترابط النصي والنسق الشعري
تتشكل البنية الكلية لنص "اليوم جلسة زينب" وفق هندسة دائرية محكمة، تبدأ بعتبة تقريرية (المقدمة) التي لا تعمل كمجرد مدخل إخباري، بل كأداة ضغط نفسي تضع القارئ في قلب "التوتر القضائي" المباشر، لتتحول القصيدة بعدها إلى رحلة شعورية تنطلق من صدمة الاعتقال لتنتهي بتساؤل وجودي كوني يلامس الجرح الإنساني. هذا الانتقال من "التقريرية" إلى "الاستبطان" يخلق تماسكاً نصياً يربط بين واقعة سياسية محددة (جلسة محاكمة) وبين حالة الوجود العام، حيث تتحول القصيدة من مجرد "خبر" عن حالة زينب إلى "رؤية" عن واقع الوطن، مما يجعل النص يكتسب ثقله من قدرته على احتواء العام داخل الخاص، مختتماً رحلته بتساؤل يفتح أفقاً للتأمل بدلاً من الانغلاق على لحظة الألم.
أما على مستوى النسق الشعري، فتتأرجح القصيدة بمهارة بين النثرية المباشرة التي تنقل ثقل الواقع، والشعرية المكثفة التي تغوص في قاع النفس، حيث يعمل التكرار في عبارات مثل "أنا بخير" كآلية دفاعية تهدف إلى إنكار الصدمة، مما يعزز الإيقاع النفسي المتفكك للمتحدثة. وتتجلى براعة الشاعرة في اعتماد تقنية "التوازي المتناقض" (أطبخ ولا آكل، أكوي ولا ألبس)، حيث تعمد إلى كسر الأفعال اليومية الميكانيكية وإفراغها من غايتها الحيوية؛ فهذه المفارقة بين الحركة الظاهرية (أداء الواجبات المنزلية) والشلل الوجداني العميق، ترسم صورة حية للاغتراب، وتخلق ترابطاً دلالياً يجسد حالة "الموت البطيء" أو "الحياة المعطلة" التي يعيشها الفرد حينما يسحق الجبروتُ أحلامه، محولةً الفعل اليومي إلى طقس جنائزي صامت.
تفكيك الشفرات الثقافية
تستحضر الشاعرة رمزية "المرآة" كأداة سيميائية للذات المغيبة، حيث تتجاوز وظيفتها التقليدية كأداة للرؤية لتصبح مساحة للاغتراب الوجودي. إن وقوف الشاعرة أمام المرآة وعدم قدرتها على رؤية ذاتها يعكس انشطار الهوية الناتج عن الصدمة السياسية (اعتقال زينب)؛ فالمعاناة هنا لم تعد خارجية فقط، بل صارت "تفككاً داخلياً" يُفقد الإنسان اتصاله بصورته الخاصة، محولةً المرآة إلى جدار صامت لا يعكس سوى الفراغ، مما يبرز حالة "اللاشعور بالذات" التي تفرضها القوى القامعة حين تغتال حيوات المقربين.
وفي إطار تشكيل الفضاء النصي، تقدم الشاعرة تقابلاً سيميائياً حاداً بين "ناطحات السحاب" و"الكهوف"، وهو تقابل لا يقف عند حدود التضاد البصري، بل يمتد ليكون دالاً على التفاوت الطبقي والسياسي الصارخ. فناطحات السحاب التي تضيء المدن تمثل "واجهة الحداثة" المزيفة التي تدعي الاستقرار، بينما ترمز الكهوف في الجبال والمداشر إلى "الواقع المنسي" والمعاناة البدائية التي يعيشها المهمشون. هذا التقابل يحول المكان إلى "بنية احتجاجية" تفضح ادعاءات الازدهار، وتكشف كيف يظل الوطن مقسماً بين مراكز للقوة وأطراف تعيش خارج الزمن والعدالة.
أما على صعيد الرموز السياسية، فتعتمد الشاعرة ثنائية "الفراشات والغول" لتجسيد صراع الحرية مع السلطة؛ حيث تمثل الفراشات هشاشة الحلم والكلمة الحرة، بينما يجسد الغول وحشية السلطة التي تخشى الضوء والحقيقة. وتصل حدة النقد إلى ذروتها في استعارة "بيدوفيل في دار للأيتام"، وهي شفرة ثقافية صادمة تفتت القناع الأخلاقي للمسؤول الذي يدعي الحماية والمسؤولية بينما يمارس الانتهاك في جوهر كيانه. هذه الاستعارة ليست مجرد وصف، بل هي محاكمة أخلاقية للنظام الذي يحرس "الحدود" من الأحلام، بينما يمارس داخل "دار الوطن" نوعاً من الاستغلال القمعي الذي يوازي في شناعته انتهاك براءة الأيتام.
الانزياحات الأسلوبية
تتوسل الشاعرة بـ "الانزياح الدلالي" لتصوير حالة الاستلاب الوجودي، حيث تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية لتصبح تجسيداً مادياً للألم. إن وصف الاعتقال بأنه "قطع للأغصان" يمثل انزياحاً عن الوصف المباشر إلى تشبيه يربط بين كينونة الإنسان والنمو الطبيعي؛ فالاعتقال هنا ليس مجرد إجراء قانوني أو حدث عابر، بل هو بترٌ للحياة وتجفيفٌ لمنابع العطاء. هذا الانزياح يمنح القصيدة أبعاداً بيولوجية وشعورية، حيث يصبح انتهاك الحرية بمثابة انتهاك للطبيعة، مما يرسخ في ذهن المتلقي صورة القمع كفعل "ضد-حيوي" يستهدف الوجود في جذوره لا في حركته فقط.
وتوظف الشاعرة استراتيجية "تغيير الوظيفة" للأشياء اليومية، محولةً عناصر الوجود المنزلي والجميل (المقص، الورد، المسمار، العطر) إلى أدوات مشحونة بدلالات صدامية. يبرز انزياح "العطر الذي يرعب الجدار" كأحد أذكى التعبيرات السيميائية في النص، حيث يتحول فعل التجميل أو التعبير عن الرقة إلى فعل ثوري يزعزع استقرار السلطة التي لا تطيق إلا لغة "المسمار" والصلابة. هذا التقابل بين هشاشة العطر وقسوة الجدار يؤكد أن الجمال، في ظل القمع، لا يظل ترفاً جمالياً، بل يتحول إلى قوة فاعلة تخلخل توازن السلطة وتكشف ذعرها من كل ما هو إنساني وناعم.
أخيراً، تتجلى "شعرية الوجع" من خلال ربط لغة الجسد بالصيرورة التاريخية، لا سيما في التعبير الجريء "أكلت تاريخي". هذا الانزياح يحول التاريخ من مفهوم زمني مجرد إلى مادة قابلة للاستهلاك والافتراس، مما يوحي بأن الوطن – الذي يفترض أن يكون حاضناً للهوية – يتحول في سياق القمع إلى "كائن مفترس" يلتهم أبناءه. إن هذا التركيب اللغوي يضفي طابعاً تراجيدياً على النص، حيث تتحد الهوية الوطنية بالمعاناة الفردية، ويصبح الجسد البشري هو المسرح الذي يُكتب عليه تاريخ الانكسارات، مما يجعل القصيدة صرخة احتجاجية تعيد تعريف العلاقة المأساوية بين المواطن ووطنه.
انعكاس السياق
يتجذر النص بعمق في الراهن المغربي، حيث تتجاوز "قاعة الانتظار" دلالتها المكانية كغرفة انتظار أمام المحكمة، لتصبح استعارة كبرى لحالة القلق الجماعي التي يعيشها المجتمع وهو يترقب عدالة تبدو مغيبة أو معطلة. هذا السياق المعاصر يضع القصيدة في مواجهة مباشرة مع تجربة "الانتظار القسري"، حيث تتحول أيام المواطنين وأعمارهم إلى مجرد وقت ضائع في دهاليز القضاء، مما يجعل زينب في القصيدة أيقونة لهذا الوجع العام، ويحول مأساة الاعتقال الفردي إلى "مرآة" تعكس عجز الفرد أمام الترسانة القانونية التي لا ترحم، وتكشف شرخاً عميقاً في بنية العقد الاجتماعي.
وعلى صعيد نقد المؤسسة، لا تكتفي الشاعرة بالوقوف عند مستوى الرثاء العاطفي، بل تقدم قراءة سوسيولوجية فاحصة للمجتمع المغربي المنقسم طبقياً. إن التقابل الذي ترسمه بين "المولات" (فضاءات الاستهلاك الباذخ) وبين "البالات" (التي تقتات منها الأغلبية)، يمثل كشفاً لزيف "الحداثة الواجهية". هذا التصوير ليس مجرد وصف لمفارقات اقتصادية، بل هو إدانة لمجتمع يُشغل فيه المواطن بـ "الأسعار الحارقة" وبحثه اليومي عن البقاء، بينما تنشغل المؤسسات بحراسة الحدود ومكائد السياسة، مما يخلق فجوة اتسعت لتفصل بين واقع النخبة المرفهة ومعاناة المهمشين في الجبال والمداشر الذين يسكنون الكهوف بعيداً عن أضواء ناطحات السحاب.
أما في ثنائية "السلطة والخوف"، فإن القصيدة تؤسس لخطاب صراع وجودي بين "الكلمة" و"القمع". يبرز النص بوضوح كيف ترهب السلطةُ الكلمةَ الحرة وتعتبرها "سوطاً" يهدد كيانها، في حين تصر الشاعرة على الاحتفاء بها "كبوصلة" للهوية والحقيقة. إن السياق الاجتماعي الذي ترسمه الشاعرة هو "مجتمع المشهدية"، حيث تُحرس الجدران والحدود من "أحلام الفراشات"، وحيث تُمارس الرقابة حتى على الخيال. وفي هذا الصدد، يصبح النص وثيقة تدين الرقابة الممنهجة التي تلاحق الكلمة، مؤكدة أن الخوف هو الأداة الأساسية التي تستخدمها السلطة لترويض الورد، وأن الانحياز للكلمة في هذا السياق هو فعل مقاومة أخلاقية ضد ثقافة التبرير والسطوة.
في ختام هذا التحليل، ندرك أن قصيدة "اليوم جلسة زينب" ليست مجرد "قصيدة مناسبة"، بل هي نص "مقاوم" بامتياز، يمتلك قوة إبداعية نابعة من صهره للواقع القضائي الجاف في بوتقة الشعر الملتهب. لقد نجحت زكية المرموق في تحويل الألم الفردي إلى "جرح جماعي"، جاعلةً من قصيدتها صوتاً لمن لا صوت لهم، ومحولةً صمت "قاعة الانتظار" إلى صراخ أدبي يطالب بالعدالة. إن قيمتها الإبداعية لا تكمن فقط في جودة البناء اللغوي، بل في قدرتها الفائقة على "تطهير" الوجع؛ فهي لم تكتفِ بنقل المأساة، بل أجبرت المتلقي على استشعار "حروقها" الخاصة، محولةً القارئ من متلقٍ سلبي إلى شاهدٍ على انكسارات الوطن وأحلامه.
إن الختام الذي صاغته الشاعرة بتساؤلها الوجودي: "كيف نشفى من جروحنا إن لم نفتح صدرها للشمس؟"، يمثل ذروة الفعل التطهيري (الكثارسيس) في النص، حيث يتحول الشعر من مجرد وسيلة تعبير إلى "فعل تطهير" و"ترياق". إن زكية المرموق بهذا النص، قد نقلت شعارات السياسة من عرشها البارد إلى شوارع الحياة المكتظة بالمعاناة، مؤكدةً أن القصيدة – حينما تكون صادقة – لا يمكن أن تظل حبيسة الأوراق، بل تصبح طاقة محررة ترفض الخوف وتفتح أبواب الأمل للشفاء من جروح الحروق التاريخية، تاركةً المتلقي في حالة من اليقظة الوجودية التي لا تقبل بالصمت أو الانكسار.
القصيدة
اليوم جلسة زينب
نتمنى ان يكون الوطن رحيما بأبنائه
وان يكون للعقل قلب
كل التوفيق المحامية المناضلة الأستاذة سارة سوجار
على مواقفها النبيلة والوطنية
دعواتكم اصدقائي
منذ بداية هذا الكابوس وانا ادور حول نفسي
لانوم ولا ولا
من يومها وانا اعيش في قاعة الانتظار
خيرا يارب
اتمنى ان تنفرج هذه الغمة
يوم اعتقالها كتبت هذا النص
يحرسونه من الأحلام...
أستيقظ كل صباح
دون أن أنام
أمسح الغبار على الرفوف
فيتكدس على قلبي
لكن لاتقلقوا أيها الأصدقاء
أنا بخير
كل ما هناك
إني لست حية بما يكفي
كي أكلمكم
أو اتفاعل مع منشوراتكم
أنا بخير
كل ما هنالك
أنهم يقطعون أغصاني
كلما غنى عصفور على شرفتهم
بخير تماما قلت لكم
فاطمئنوا
ما زلت أطبخ
رغم أني لا آكل
أصوم ولا أفطر
أكوي الملابس
ولا ألبسها
أخرج
لكني أظل حبيسة خرائبي
اتمدد على سريري ولا أغفو
أدور حولي ولا أجدني
أقف أمام المرآة
ولا أراني
أفتح الفيس ولا أتابع
ما تكتبون
لكن هذا ليس هو الأهم
ما يهم هو ان يكون الوطن بخير
اليس كذلك ايها الاصدقاء
الأسواق مكتظة بالمأكولات
رغم الأسعار الحارقة
المولات تملأ البلد
والأغلبية تتسوق من البالات
ناطحات السحاب تضيء المدن
والكثير مازال يسكن الكهوف
في الجبال والمداشر
الوطن بخير
بخير قلت لكم
الحرس على الحدود
خوفا من مكائد الإخوة الأعداء
ومن فراشات تحاول ان تسرق
الضوء من الغول
لكني ما كنت أعرف أنهم يحرسونه أيضا من الأحلام
وهم يؤكدون بثقة الشوفينيين:
"وهم في اليد
خير من حلم على الشجرة"
ويكملون حياتهم اليومية
بحماس مسؤول بيدوفيل
في دار للأيتام
أنا لا أحب من يبرر الخوف
من الكلمات
الكلمات سوط و بوصلة
ولا من يخير الورد
بين المقص
والريح
الطريقة بنت الطريق
لم اكن أتوقع أن أحب هذه الرصاصة
يا إلهي
جعلتني أكتشف أن الجدار وراء اللوحة
يرعبه العطر أكثر من المسمار
أيها السقف
يا لون دمي
لم كلما أنزلتك من عرش الشعارات
الى شوارع الحياة
أكلت تاريخي
ولم كلما نقلتك من الشكل
إلى المعنى
حولتني إلى حجر
يا خريطتي الأبدية
ياصهيل الجرح في الروح
لم كلما صدح صوتي بنشيدك
تعثرت بالشوك
وأعواد الثقاب
قل لي بربك
كيف نشفى من جروحنا
ومن حروقنا
إن لم نفتح صدرها للشمس
تستند هذه القراءة النقدية إلى مقاربة سيميائية وتحليلية للخطاب، تهدف إلى استنطاق البنى العميقة التي قامت عليها القصيدة؛ بدءاً من هندستها الدائرية التي تلتف حول الجرح، وصولاً إلى منظومة الرموز والانزياحات التي حوّلت الأشياء اليومية إلى مفردات للمقاومة. إننا بصدد نص لا يكتفي بوصف الحالة، بل يعيد إنتاجها كحالة شعورية كونية؛ فكل "مقص" وكل "مرآة" في النص تعمل بوصفها "شفرة" (Code) تفتح أبواب التأويل على مصراعيها، مما يمنح القصيدة أبعاداً تتجاوز اللحظة الراهنة لتستقر في ذاكرة النص الأدبي الملتزم بقضايا الكرامة والحلم.
الترابط النصي والنسق الشعري
تتشكل البنية الكلية لنص "اليوم جلسة زينب" وفق هندسة دائرية محكمة، تبدأ بعتبة تقريرية (المقدمة) التي لا تعمل كمجرد مدخل إخباري، بل كأداة ضغط نفسي تضع القارئ في قلب "التوتر القضائي" المباشر، لتتحول القصيدة بعدها إلى رحلة شعورية تنطلق من صدمة الاعتقال لتنتهي بتساؤل وجودي كوني يلامس الجرح الإنساني. هذا الانتقال من "التقريرية" إلى "الاستبطان" يخلق تماسكاً نصياً يربط بين واقعة سياسية محددة (جلسة محاكمة) وبين حالة الوجود العام، حيث تتحول القصيدة من مجرد "خبر" عن حالة زينب إلى "رؤية" عن واقع الوطن، مما يجعل النص يكتسب ثقله من قدرته على احتواء العام داخل الخاص، مختتماً رحلته بتساؤل يفتح أفقاً للتأمل بدلاً من الانغلاق على لحظة الألم.
أما على مستوى النسق الشعري، فتتأرجح القصيدة بمهارة بين النثرية المباشرة التي تنقل ثقل الواقع، والشعرية المكثفة التي تغوص في قاع النفس، حيث يعمل التكرار في عبارات مثل "أنا بخير" كآلية دفاعية تهدف إلى إنكار الصدمة، مما يعزز الإيقاع النفسي المتفكك للمتحدثة. وتتجلى براعة الشاعرة في اعتماد تقنية "التوازي المتناقض" (أطبخ ولا آكل، أكوي ولا ألبس)، حيث تعمد إلى كسر الأفعال اليومية الميكانيكية وإفراغها من غايتها الحيوية؛ فهذه المفارقة بين الحركة الظاهرية (أداء الواجبات المنزلية) والشلل الوجداني العميق، ترسم صورة حية للاغتراب، وتخلق ترابطاً دلالياً يجسد حالة "الموت البطيء" أو "الحياة المعطلة" التي يعيشها الفرد حينما يسحق الجبروتُ أحلامه، محولةً الفعل اليومي إلى طقس جنائزي صامت.
تفكيك الشفرات الثقافية
تستحضر الشاعرة رمزية "المرآة" كأداة سيميائية للذات المغيبة، حيث تتجاوز وظيفتها التقليدية كأداة للرؤية لتصبح مساحة للاغتراب الوجودي. إن وقوف الشاعرة أمام المرآة وعدم قدرتها على رؤية ذاتها يعكس انشطار الهوية الناتج عن الصدمة السياسية (اعتقال زينب)؛ فالمعاناة هنا لم تعد خارجية فقط، بل صارت "تفككاً داخلياً" يُفقد الإنسان اتصاله بصورته الخاصة، محولةً المرآة إلى جدار صامت لا يعكس سوى الفراغ، مما يبرز حالة "اللاشعور بالذات" التي تفرضها القوى القامعة حين تغتال حيوات المقربين.
وفي إطار تشكيل الفضاء النصي، تقدم الشاعرة تقابلاً سيميائياً حاداً بين "ناطحات السحاب" و"الكهوف"، وهو تقابل لا يقف عند حدود التضاد البصري، بل يمتد ليكون دالاً على التفاوت الطبقي والسياسي الصارخ. فناطحات السحاب التي تضيء المدن تمثل "واجهة الحداثة" المزيفة التي تدعي الاستقرار، بينما ترمز الكهوف في الجبال والمداشر إلى "الواقع المنسي" والمعاناة البدائية التي يعيشها المهمشون. هذا التقابل يحول المكان إلى "بنية احتجاجية" تفضح ادعاءات الازدهار، وتكشف كيف يظل الوطن مقسماً بين مراكز للقوة وأطراف تعيش خارج الزمن والعدالة.
أما على صعيد الرموز السياسية، فتعتمد الشاعرة ثنائية "الفراشات والغول" لتجسيد صراع الحرية مع السلطة؛ حيث تمثل الفراشات هشاشة الحلم والكلمة الحرة، بينما يجسد الغول وحشية السلطة التي تخشى الضوء والحقيقة. وتصل حدة النقد إلى ذروتها في استعارة "بيدوفيل في دار للأيتام"، وهي شفرة ثقافية صادمة تفتت القناع الأخلاقي للمسؤول الذي يدعي الحماية والمسؤولية بينما يمارس الانتهاك في جوهر كيانه. هذه الاستعارة ليست مجرد وصف، بل هي محاكمة أخلاقية للنظام الذي يحرس "الحدود" من الأحلام، بينما يمارس داخل "دار الوطن" نوعاً من الاستغلال القمعي الذي يوازي في شناعته انتهاك براءة الأيتام.
الانزياحات الأسلوبية
تتوسل الشاعرة بـ "الانزياح الدلالي" لتصوير حالة الاستلاب الوجودي، حيث تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية لتصبح تجسيداً مادياً للألم. إن وصف الاعتقال بأنه "قطع للأغصان" يمثل انزياحاً عن الوصف المباشر إلى تشبيه يربط بين كينونة الإنسان والنمو الطبيعي؛ فالاعتقال هنا ليس مجرد إجراء قانوني أو حدث عابر، بل هو بترٌ للحياة وتجفيفٌ لمنابع العطاء. هذا الانزياح يمنح القصيدة أبعاداً بيولوجية وشعورية، حيث يصبح انتهاك الحرية بمثابة انتهاك للطبيعة، مما يرسخ في ذهن المتلقي صورة القمع كفعل "ضد-حيوي" يستهدف الوجود في جذوره لا في حركته فقط.
وتوظف الشاعرة استراتيجية "تغيير الوظيفة" للأشياء اليومية، محولةً عناصر الوجود المنزلي والجميل (المقص، الورد، المسمار، العطر) إلى أدوات مشحونة بدلالات صدامية. يبرز انزياح "العطر الذي يرعب الجدار" كأحد أذكى التعبيرات السيميائية في النص، حيث يتحول فعل التجميل أو التعبير عن الرقة إلى فعل ثوري يزعزع استقرار السلطة التي لا تطيق إلا لغة "المسمار" والصلابة. هذا التقابل بين هشاشة العطر وقسوة الجدار يؤكد أن الجمال، في ظل القمع، لا يظل ترفاً جمالياً، بل يتحول إلى قوة فاعلة تخلخل توازن السلطة وتكشف ذعرها من كل ما هو إنساني وناعم.
أخيراً، تتجلى "شعرية الوجع" من خلال ربط لغة الجسد بالصيرورة التاريخية، لا سيما في التعبير الجريء "أكلت تاريخي". هذا الانزياح يحول التاريخ من مفهوم زمني مجرد إلى مادة قابلة للاستهلاك والافتراس، مما يوحي بأن الوطن – الذي يفترض أن يكون حاضناً للهوية – يتحول في سياق القمع إلى "كائن مفترس" يلتهم أبناءه. إن هذا التركيب اللغوي يضفي طابعاً تراجيدياً على النص، حيث تتحد الهوية الوطنية بالمعاناة الفردية، ويصبح الجسد البشري هو المسرح الذي يُكتب عليه تاريخ الانكسارات، مما يجعل القصيدة صرخة احتجاجية تعيد تعريف العلاقة المأساوية بين المواطن ووطنه.
انعكاس السياق
يتجذر النص بعمق في الراهن المغربي، حيث تتجاوز "قاعة الانتظار" دلالتها المكانية كغرفة انتظار أمام المحكمة، لتصبح استعارة كبرى لحالة القلق الجماعي التي يعيشها المجتمع وهو يترقب عدالة تبدو مغيبة أو معطلة. هذا السياق المعاصر يضع القصيدة في مواجهة مباشرة مع تجربة "الانتظار القسري"، حيث تتحول أيام المواطنين وأعمارهم إلى مجرد وقت ضائع في دهاليز القضاء، مما يجعل زينب في القصيدة أيقونة لهذا الوجع العام، ويحول مأساة الاعتقال الفردي إلى "مرآة" تعكس عجز الفرد أمام الترسانة القانونية التي لا ترحم، وتكشف شرخاً عميقاً في بنية العقد الاجتماعي.
وعلى صعيد نقد المؤسسة، لا تكتفي الشاعرة بالوقوف عند مستوى الرثاء العاطفي، بل تقدم قراءة سوسيولوجية فاحصة للمجتمع المغربي المنقسم طبقياً. إن التقابل الذي ترسمه بين "المولات" (فضاءات الاستهلاك الباذخ) وبين "البالات" (التي تقتات منها الأغلبية)، يمثل كشفاً لزيف "الحداثة الواجهية". هذا التصوير ليس مجرد وصف لمفارقات اقتصادية، بل هو إدانة لمجتمع يُشغل فيه المواطن بـ "الأسعار الحارقة" وبحثه اليومي عن البقاء، بينما تنشغل المؤسسات بحراسة الحدود ومكائد السياسة، مما يخلق فجوة اتسعت لتفصل بين واقع النخبة المرفهة ومعاناة المهمشين في الجبال والمداشر الذين يسكنون الكهوف بعيداً عن أضواء ناطحات السحاب.
أما في ثنائية "السلطة والخوف"، فإن القصيدة تؤسس لخطاب صراع وجودي بين "الكلمة" و"القمع". يبرز النص بوضوح كيف ترهب السلطةُ الكلمةَ الحرة وتعتبرها "سوطاً" يهدد كيانها، في حين تصر الشاعرة على الاحتفاء بها "كبوصلة" للهوية والحقيقة. إن السياق الاجتماعي الذي ترسمه الشاعرة هو "مجتمع المشهدية"، حيث تُحرس الجدران والحدود من "أحلام الفراشات"، وحيث تُمارس الرقابة حتى على الخيال. وفي هذا الصدد، يصبح النص وثيقة تدين الرقابة الممنهجة التي تلاحق الكلمة، مؤكدة أن الخوف هو الأداة الأساسية التي تستخدمها السلطة لترويض الورد، وأن الانحياز للكلمة في هذا السياق هو فعل مقاومة أخلاقية ضد ثقافة التبرير والسطوة.
في ختام هذا التحليل، ندرك أن قصيدة "اليوم جلسة زينب" ليست مجرد "قصيدة مناسبة"، بل هي نص "مقاوم" بامتياز، يمتلك قوة إبداعية نابعة من صهره للواقع القضائي الجاف في بوتقة الشعر الملتهب. لقد نجحت زكية المرموق في تحويل الألم الفردي إلى "جرح جماعي"، جاعلةً من قصيدتها صوتاً لمن لا صوت لهم، ومحولةً صمت "قاعة الانتظار" إلى صراخ أدبي يطالب بالعدالة. إن قيمتها الإبداعية لا تكمن فقط في جودة البناء اللغوي، بل في قدرتها الفائقة على "تطهير" الوجع؛ فهي لم تكتفِ بنقل المأساة، بل أجبرت المتلقي على استشعار "حروقها" الخاصة، محولةً القارئ من متلقٍ سلبي إلى شاهدٍ على انكسارات الوطن وأحلامه.
إن الختام الذي صاغته الشاعرة بتساؤلها الوجودي: "كيف نشفى من جروحنا إن لم نفتح صدرها للشمس؟"، يمثل ذروة الفعل التطهيري (الكثارسيس) في النص، حيث يتحول الشعر من مجرد وسيلة تعبير إلى "فعل تطهير" و"ترياق". إن زكية المرموق بهذا النص، قد نقلت شعارات السياسة من عرشها البارد إلى شوارع الحياة المكتظة بالمعاناة، مؤكدةً أن القصيدة – حينما تكون صادقة – لا يمكن أن تظل حبيسة الأوراق، بل تصبح طاقة محررة ترفض الخوف وتفتح أبواب الأمل للشفاء من جروح الحروق التاريخية، تاركةً المتلقي في حالة من اليقظة الوجودية التي لا تقبل بالصمت أو الانكسار.
القصيدة
اليوم جلسة زينب
نتمنى ان يكون الوطن رحيما بأبنائه
وان يكون للعقل قلب
كل التوفيق المحامية المناضلة الأستاذة سارة سوجار
على مواقفها النبيلة والوطنية
دعواتكم اصدقائي
منذ بداية هذا الكابوس وانا ادور حول نفسي
لانوم ولا ولا
من يومها وانا اعيش في قاعة الانتظار
خيرا يارب
اتمنى ان تنفرج هذه الغمة
يوم اعتقالها كتبت هذا النص
يحرسونه من الأحلام...
أستيقظ كل صباح
دون أن أنام
أمسح الغبار على الرفوف
فيتكدس على قلبي
لكن لاتقلقوا أيها الأصدقاء
أنا بخير
كل ما هناك
إني لست حية بما يكفي
كي أكلمكم
أو اتفاعل مع منشوراتكم
أنا بخير
كل ما هنالك
أنهم يقطعون أغصاني
كلما غنى عصفور على شرفتهم
بخير تماما قلت لكم
فاطمئنوا
ما زلت أطبخ
رغم أني لا آكل
أصوم ولا أفطر
أكوي الملابس
ولا ألبسها
أخرج
لكني أظل حبيسة خرائبي
اتمدد على سريري ولا أغفو
أدور حولي ولا أجدني
أقف أمام المرآة
ولا أراني
أفتح الفيس ولا أتابع
ما تكتبون
لكن هذا ليس هو الأهم
ما يهم هو ان يكون الوطن بخير
اليس كذلك ايها الاصدقاء
الأسواق مكتظة بالمأكولات
رغم الأسعار الحارقة
المولات تملأ البلد
والأغلبية تتسوق من البالات
ناطحات السحاب تضيء المدن
والكثير مازال يسكن الكهوف
في الجبال والمداشر
الوطن بخير
بخير قلت لكم
الحرس على الحدود
خوفا من مكائد الإخوة الأعداء
ومن فراشات تحاول ان تسرق
الضوء من الغول
لكني ما كنت أعرف أنهم يحرسونه أيضا من الأحلام
وهم يؤكدون بثقة الشوفينيين:
"وهم في اليد
خير من حلم على الشجرة"
ويكملون حياتهم اليومية
بحماس مسؤول بيدوفيل
في دار للأيتام
أنا لا أحب من يبرر الخوف
من الكلمات
الكلمات سوط و بوصلة
ولا من يخير الورد
بين المقص
والريح
الطريقة بنت الطريق
لم اكن أتوقع أن أحب هذه الرصاصة
يا إلهي
جعلتني أكتشف أن الجدار وراء اللوحة
يرعبه العطر أكثر من المسمار
أيها السقف
يا لون دمي
لم كلما أنزلتك من عرش الشعارات
الى شوارع الحياة
أكلت تاريخي
ولم كلما نقلتك من الشكل
إلى المعنى
حولتني إلى حجر
يا خريطتي الأبدية
ياصهيل الجرح في الروح
لم كلما صدح صوتي بنشيدك
تعثرت بالشوك
وأعواد الثقاب
قل لي بربك
كيف نشفى من جروحنا
ومن حروقنا
إن لم نفتح صدرها للشمس