حمد رجب شلتوت - حين تحكي الأماكن ما ينساه البشر قراءة في رواية ذكريات الأمكنة

"قد ينسى البشر ذكرياتهم، أو يرحلون ويوارون الثرى فتُدفن معهم، لكنَّ الأمكنة لا تنسى، ولا تموت ذكرياتها بموت أصحابها، بل تبقى شاهدةً على ما جرى، وما سيجري" هكذا تبدأ "آية ياسر" روايتها "ذكريات الأمكنة" بتصدير يدعم دلالة العنوان الذي يجمع بين الزمن ممثلًا في "الذكريات"، و"الأمكنة"، ليعيد تركيب العلاقة بينهما، فالإضافة هنا توحي بأن الأمكنة تمتلك ذاكرة، تختزن ما مرّ بها من حيوات وتجارب، وهكذا لا يكون الماضي مجرد زمن منقضٍ، بل يتحول إلى أثر متجسد في البيوت والشوارع، فربما يكون المكان هو الحافظ الأصدق لما يتآكل في الداخل الإنساني. من هنا، يبدو العنوان والتصدير مفتاحين لقراءة الرواية بوصفها تأملًا في تلاشي الحدود بين الذات وحيّزها.
أنسنة المكان
تتجسد ثيمة الذاكرة في الرواية من خلال شخصية "كوثر"، التي تتحول مع الزمن إلى بؤرة سردية تمثل انهيار الذاكرة الإنسانية أمام سطوة الزمن والمرض. يبدأ الأمر تدريجيًا، كفقدان بسيط للتفاصيل، قبل أن يتحول إلى محو شامل للحياة، نقرأ: "بدأت تنسى التفاصيل الصغيرة ثم أخذت ذكرياتها تتساقط كأوراق الخريف"، هنا لا يكون النسيان مجرد حالة مرضية (ألزهايمر)، بل يتحول إلى استعارة كبرى لانهيار الذات.
هنا يتحول المكان إلى ذاكرة بديلة، البيت، الحارة، النوبة، القاهرة، كلها تتحول إلى شخصيات موازية، تقول الرواية: " ليست كل البيوت من أحجار وطوب، بعض البيوت جدرانها الذكريات"، ويتجلى هذا بوضوح في لحظات التحول التاريخي، حيث تُروى الأحداث الكبرى خلال أثرها على المكان، البيوت التي تُهجر، الحارات التي تتغير، مثل حريق القاهرة 1952، حيث تُروى الكارثة من زاوية فقدان المكان لذاكرته، " التهمت النيران معالم الأمكنة، ذكريات الأشياء والجدران".
مرايا مشروخة
تظهر العائلة في الرواية ككيان متوتر، تتقاطع داخله الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحول إلى مسرح تتجسد فيه صراعات أوسع من حدوده الظاهرة. فالعائلة لم تعد ملاذًا، وتمثل عائلة "رشوان"، نموذجًا مصغرًا للمجتمع، أو مرآة مشروخة تعكسه مشوها، حيث تتوزع الأدوار وتتشابك العلاقات بطريقة تعكس بنية السلطة في الخارج. الأب حامل لمنظومة قيم، تحكمها فكرة السيطرة والحفاظ على التوازن الظاهري، حتى لو على حساب العدالة بين الأبناء.
تشكل العلاقة بين الأختين محورًا نفسيًا مهمًا، فهما تمثلان نموذجين متناقضين، زينب الهادئة، المتفوقة، في مقابل كوثر المتسلطة، الغيور، المضطربة، ويتجسد الصراع بينهما في مواقف عدة، مثل محاولة الإيذاء المتعمد، " أخفت كتاب مادة الإحصاء لتثير جنونها"، هذه المحاولة تعبير عن خلل عميق في بنية علاقتهما، حيث يتقاطع الحب مع التنافس، والانتماء مع الإقصاء، ويبلغ الصراع بينهما ذروته في مشهد البحر، حين تحاول زينب قتل أختها، ثم تتراجع وتنقذها، إنه صراع على الاعتراف، وعلى المكانة داخل العائلة، وعلى الحب الأبوي.
كما أن العلاقات داخل العائلة لا تنفصل عن السياق السياسي والاجتماعي. "مراد"، مثلًا، ينقل صراعه السياسي في الجامعة إلى داخل البيت، حيث يصبح الخوف من الملاحقة جزءًا من الحياة اليومية، "جلس، يبكي في صمت وهو يعانق رأسه بذراعيه"، يوضح هذا المشهد أن البيت تحول إلى فضاء مشحون بالقلق، وتزداد التعقيدات مع امتداد الزمن، حيث تنتقل التوترات من جيل إلى آخر، وفي العلاقة بين "مراد" وابنه "كرم"، نرى إعادة إنتاج لصراع قديم، لكن بصيغة جديدة، هنا، لا يكون الخلاف مجرد اختلاف أجيال، بل تعبيرًا عن تحولات في الوعي، حيث يعيد كل جيل تعريف علاقته بالعالم، وبالسلطة، وبالخوف.
لكن، رغم ذلك لا تخلو العائلة من لحظات دفء إنساني، تظهر في مواقف بسيطة كعناق أو قلق على الغائب، هذه اللحظات تمنح الشخصيات أسبابًا للاستمرار، وتكشف عن تعقيد التجربة الإنسانية داخل العائلة، وتبدو "كوثر" المثال الأكثر مأساوية لهذا التحول. فهي تنهار تحت وطأة المرض، وتحت ثقل تاريخ نفسي طويل من الغيرة والحرمان والرغبة في الامتلاك. إن فقدانها للذاكرة يأتي كنوع من التفكك الداخلي الذي يكشف هشاشة الهوية نفسها.
كوثر، رغم فقدانها لذاكرتها، تعود إلى بيتها القديم، مدفوعة بذاكرة غامضة لا تزال تقاوم الانطفاء، "وجدها تجلس أمام باب البيت، عقلها يحلّق في سنوات الماضي"، هكذا يتحول المكان إلى بديل للذات، وإلى ذاكرة تحتضن ما عجزت عن تذكره.
وفي المقابل، تمثل "زينب" نموذجًا آخر للتحول، فهي الشخصية التي تتعرض للإقصاء داخل الأسرة، لكنها تعيد تشكيل موقعها من الداخل. الصراع بينها وبين كوثر ليس مجرد تنافس بين أختين، بل هو صراع على الاعتراف والشرعية العاطفية. وحين تتعرض للأذى، لا تتحول إلى نسخة معكوسة من المعتدي، بل تظل محتفظة بقدر من التوازن.
أما "عنبر"، فتقدم شكلا ثالثًا للتحول، فهي المرأة التي تعيش التهميش، لكنها تعيد بناء ذاتها من خلال العمل والمبادرة. خروجها من موقع "المرأة التابعة" إلى موقع الفاعل، ولو في حدود ضيقة، يمثل لحظة وعي اجتماعي، حيث يتحول الاقتصاد اليومي (متجر، عمل، استقلال نسبي) إلى شكل من أشكال المقاومة. إنها لا تغيّر العالم، لكنها تغيّر موقعها فيه.
وتأتي شخصية "بسمة" لتضيف بعدًا أكثر قسوة لهذا الطيف النسائي. فهي ابنة الوصمة الاجتماعية، التي ترث عارًا لم ترتكبه، وتجد نفسها محاصرة بصورة لا يمكن الفكاك منها، " العار قد لحق بها إلى الأبد"، في هذه الحالة، يكون التحول معركة ضد نظرة المجتمع. ومع ذلك، فإن مجرد وعيها بهذه الوصمة، ومحاولتها فهمها، يمثل بداية تشكّل ذاتي، حتى لو ظل ناقصًا أو مؤجلًا.
ما يجمع هذه النماذج كلها هو أن التحول يأتي كمسار متعثر، مليء بالتردد والانكسار، النساء هنا يتحركن في دوائر، يتقدمن خطوة ويتراجعن أخرى، فنكتشف أن التحول يبدأ من الداخل، من لحظة إدراك صامتة بأن ما كان لم يعد صالحًا للاستمرار.
وختاما فإن "ذكريات الأمكنة" رواية عن الذاكرة حين تخون، وعن المكان حينما يحتفظ بأثر من مضى، وربما في هذا الأثر تحديدًا تكمن الحقيقة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى