علي سيف الرعيني _|وهم المعرفة:اولى إشارات السقوط !!

حين يقترب الإنسان من عتبة الفهم يفترض أن يصبح أكثر تواضعًا وأكثر قدرة على الإصغاء، وأكثر اتساعًا للآخرين لكن المفارقة التي تتكرر في واقعنا أن بعضهم، ما إن يلمس أطراف المعرفة، حتى يظن أنه بلغ منتهاها وأنه أصبح مركز الدائرة ومحور الأحداث، وأن كل ما يدور حوله إنما يدور لأجله أوبسببه. هنا تحديدًا، لا تبدأ لحظة الوعي بل أولى إشارات فقدانه
إن الشعور المفرط بالفهم ليس دليل نضج بل في كثير من الأحيان قناع هش يخفي خلفه فراغًا معرفيًا أو حاجة نفسية عميقة للاعتراف والتقدير فالعقل الواعي يدرك أن المعرفة بحر لا شاطئ له وأن كل إجابة تفتح أبوابًا لأسئلة جديدة. أما من يعتقد أنه امتلك الحقيقة كاملة، فقد أغلق على نفسه أبواب التطور، وبدأ في الانحدار دون أن يشعر
الأخطر من ذلك أن هذا الوهم لا يقف عند حدود الذات، بل يمتد ليؤثر في علاقة الإنسان بمحيطه. فيتحول الحوار إلى إملاء، والنقاش إلى استعراض، والاختلاف إلى تهديد. هنا يفقد الإنسان أهم أدواته الإنسانية القدرة على التعلم من الآخر وحين تتلاشى هذه القدرة، يبدأ العقل في التكلس وتصبح القناعات سجونا مغلقة بدل أن تكون جسورًا للفهم
في البيئات الاجتماعية والمهنية كثيرًا ما نشهد هذه النماذج أشخاص يظنون أنهم الأكثر دراية، فيقاطعون، ويُقصون، ويحتكرون الرأي. ومع مرور الوقت، لا يخسر هؤلاء فقط فرص التطور، بل يخسرون أيضًا ثقة الآخرين واحترامهم. فالمعرفة الحقيقية لا تُفرض، بل تُلمس في السلوك، وتُترجم في التواضع، وتُثبت في القدرة على الاستماع قبل الكلام
إن أولى علامات الوعي الحقيقي هي الشك الإيجابي، والاعتراف بالنقص، والبحث المستمر عن الأفضل. أما الغرور المعرفي، فهو بداية النهايةولأنه يُقنع صاحبه بأنه وصل، بينما هو في الحقيقة توقف. ومن يتوقف في عالم متغير، إنما يتراجع وإن ظن أنه ثابت
لذلك فإن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الجهل، بل وهم المعرفة. فالجاهل قد يسعى ليتعلم، أما من يظن أنه يعلم كل شيء، فقد أغلق على نفسه باب النجاة. ومن هنا تبدأ السقوطات الصامتة: لا ضجيج فيها، ولا إنذار، لكنها تقود تدريجيًا إلى العزلة الفكرية والانفصال عن الواقع
ونخلص بالقول هنا ان الوعي رحلة لا محطة وسؤالًا لا إجابة نهائية وكلما ازداد الإنسان فهمًا ازداد إدراكه لجهله، واتسعت رؤيته، وهدأ صوته أما حين يرتفع الصوت معلنًا امتلاك الحقيقة فغالبًا ما يكون ذلك بداية الانحدار لا ذروة الصعود !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى