حسن الصعيب - كيف تلقفت الأنتلجنسيا المغربية الماركسية كنظرية للتغيير الثوري

كانت مرحلة السبعينيات هي المرحلة التي ازدهرت فيها الماركسية كنظرية ثورية وبوصلة فكرية توجه النضال السياسي، ويمكن اعتبار الماركسية اللينينية والماوية هما الشكلين اللذان صارا مهيمنين كتأويل للماركسية التاريخية عند الشباب الماركسي في تلك الفترة، خصوصا في القطاعين الطلابي والثلاميذي ودور الشباب ، وكان المحرض لاحتضان الماركسية وتبنيها كأداة للتغيير الثوري مختلف تنظيمات اليسار الجديد( إلى الأمام، 23مارس، لنخدم الشعب) وإن كانت هذه التنظيمات تنطلق من الأطروحة الماركسية التاريخية ( ماركس وأنجلز) كقاسم مشترك، فهي تختلف في تأويلها حسب تطبيقها في البلدان الاشتراكية السابقة أو القائمة في الصين وكوبا وكوريا الشمالية، بمعنى التأثر بالماركسية - اللينينية و التروتسكية والماوية والغيفارية، وهناك تلاوين أخرى يقتنع بها بعض الأشخاص في هذه التنظيمات أو بشكل فردي مثل الماركسية الغربية والماركسية الغرامشية وماركسية المدرسة النقدية الألمانية والمدرسة الألتوسيرية الفرنسية ، أو الماركسية في أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا وغيرها.
لقد تلقفت الانتلجنسيا المغربية الماركسية من خلال منشورات عربية ( الترجمة الشرقية لكتب ماركس وأنجلز ولينين وتروتسكي وستالين) ومنشورات دار التقدم التي يشرف عليها الحزب الشيوعي السوفياتي، ومنشورات Éditions Sociales الفرنسية ، ومنشورات بيكين التي يشرف عليها الحزب الشيوعي الصيني. أما الإنتاج الماركسي المغربي فكان ضئيلا جدا، باستثناء بعض الترجمات لأساتذة جامعيين.
وعند التساؤل حول مصادر التأثر بهذه المدارس التأويلية للماركسية، سيجد الباحث صعوبة منهجية في ترتيب مساهمتها في تحليل الصراع الطبقي بالمغرب والسيطرة الامبريالية والصهيونية، وأهم المصادر لن يجدها في كتب ألفها مثقفون عضويون، بقدرما ما سيجدها في بعض الكراريس والأرضيات والمنشورات الخاصة بقضية بعينها، وسيتوقف مليا أمام مرحلة خصبة في هذا الإنتاج خلال مرحلة السبعيينيات و التمانينيات ، ثم تبدأ موجة من تقليص هذه الكتابات مع انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين، ومنذ هذه الفترة ستعرف الماركسية كنظرية للتغيير الثوري أكبر انتكاسة في العالم ، وسيشرع باحثون ماركسيون من مختلف البلدان في إعادة قراءة تاريخ الماركسية من زاوية تطويرها والوقوف عند حدودها التاريخية من خلال الهزيمة التاريخية ل" الاشتراكية الفعلية" .
في المغرب ظلت مرجعية أحزاب اليسار الماركسي ومختلف المجموعات الماركسية تنهل من التاريخ السابق لمختلف المدارس التي أولت الماركسية حسب شروطها التاريخية( الثورة البلشفية، الثورة الصينية، الثورة الكوبية....وانتفاضة 1968 وغيرها) ، وأحيانا من خلال نقل نصوص وسياقات تاريخية غير قابلة للمقارنة لا تفيد في تطوير مناهج البحث في واقعنا الملموس، وتقوم بذلك بدون أدنى تحفظ أو نقد لذلك التاريخ، و حتى بمراجعة تقييمية لتاريخها الخاص، وبدون أن تساهم في خلق مراكز للدراسة والبحث، لتجاوز هزالة منشوراتها في هذا المجال ولوضع برنامج التثقيف النظري لقواعدها.
الحصيلة هي إفقار نظري كبير لتجربة اليسار الذي ضحى بالغالي والنفيس ، لكنه اليوم يوجد في مفترق الطرق، وأعضاؤه منغمسون في نقاشات سياسية وإديولوجية أبعد بكثير عن ملامسة واقعنا الاجتماعي والسياسي والفكري، ولأ أدل على ذلك من الملاسنات التي تجري في مواقع التواصل الاجتماعي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى