في بروكس،
صحّحوا الكلمات…
لكن في بيوتنا،
لم يتغيّر شيء.
قالوا إن المال لنا،
وأسقطوا ما كان يُقال ضدنا…
لكن الراتب، حين نزل،
بقي كما هو:
ناقصًا…
ومؤجّلًا…
وفي الذمة.
في بروكسل،
لم يكن الكلام غامضًا.
قالوا بوضوح:
أموال المقاصة هي أموال الشعب الفلسطيني.
هذه ليست جملة سياسية قابلة للتأويل.
هذا اعتراف مباشر:
المال لك… وما يحدث له خطأ.
جلس رئيس الوزراء الفلسطيني هناك،
وتحدث عن الرواتب،
عن العجز،
عن خزينةٍ لم تعد قادرة على دفع ما عليها.
وكان الجميع يعرف.
يعرف أن المال يُحتجز.
يعرف أن الرواتب تُدفع ناقصة.
يعرف أن الناس تُترك لتدبّر حياتها بالدَّين.
والجميع قال:
يجب الإفراج عن أموال المقاصة.
لكن…
لم يقل أحد: متى؟
لم يقل أحد: كيف؟
لم يقل أحد: ماذا سنفعل إن لم تُفرج؟
هنا تبدأ القصة.
حين يعترف العالم أن المال لك…
ثم لا يصل إليك…
فالمشكلة ليست في المعرفة.
المشكلة في القرار.
وفي اللحظة نفسها،
قيل شيء آخر:
الإصلاح شرط للدعم.
إصلاح مالي.
إصلاح إداري.
إصلاح في كل شيء.
والسلطة، بحسب ما أُعلن،
أحرزت تقدمًا،
وطوّرت أدواتها،
بل وأعادت النظر في بعض سياساتها وبرامجها.
في الظاهر،
المعادلة تبدو منطقية:
نحن ندعمكم…
وأنتم تُصلحون.
لكن حين ننظر أعمق،
نكتشف أن المعادلة ليست متوازنة.
السلطة تُطلب منها أن تُصلح نفسها—وقد فعلت.
البرلمان الأوروبي أسقط صياغات منحازة—وقد فعل.
أوروبا اعترفت أن المال فلسطيني—وقد قالت.
لكن الطرف الذي يحتجز المال…
لا يُفرض عليه ثمن.
وهنا نصل إلى نقطة لا يمكن تجاوزها:
الاتحاد الأوروبي ليس جهة محايدة بالكامل.
هو شريك لدولة الاحتلال في اتفاقيات اقتصادية وسياسية.
وهذه الاتفاقيات—وأهمها اتفاقية الشراكة—تنص بوضوح:
استمرار التعاون مرتبط باحترام حقوق الإنسان.
القانون موجود.
والبند واضح.
والانتهاكات… معروفة.
إذن،
لماذا لا يُستخدم هذا البند؟
لماذا لا يُربط التعاون مع الاحتلال
بمدى التزامه بحقوق الإنسان…
كما يُربط دعم السلطة بالإصلاح؟
القانون موجود… لكن الإرادة غائبة.
والعدالة، حين لا تُستخدم حيث يجب،
تتحول من ميزان… إلى أداة.
لكن القصة لا تتوقف هنا.
هناك سؤال آخر…
أقرب… وأقسى… ويخصنا نحن:
إذا كانت أوروبا تضغط…
فأين الرقابة من الداخل؟
في الحالة الطبيعية لأي نظام سياسي:
هناك جهة تحكم…
وجهة تراقب…
وجهة تُحاسِب.
في الحالة الفلسطينية،
كان يفترض أن تكون الصورة هكذا:
منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية العليا
المجلس التشريعي الفلسطيني يراقب الحكومة ويحاسبها
المجلس الوطني الفلسطيني يضع السياسات العامة ويراجع المسار
بمعنى بسيط:
القرار يُصاغ سياسيًا
التنفيذ يتم عبر السلطة
والرقابة تُمارَس من مؤسسات مستقلة
لكن ماذا يحدث اليوم؟
المجلس التشريعي معطّل.
المجلس الوطني لا يعمل كهيئة رقابية مستمرة.
المنظمة ليست فاعلة كمؤسسة متابعة يومية.
والنتيجة:
السلطة تعمل… دون رقابة مؤسسية حقيقية.
وهنا تبدأ المشكلة التي يشعر بها المواطن… دون أن يراها كاملة:
حين تغيب المؤسسات،
لا تعود السلطة كيانًا يُحاسَب،
بل تتحول إلى كيان يُدار.
وحين لا توجد رقابة من الداخل،
تأتي الرقابة من الخارج.
وهنا نفهم لماذا يضغط الاتحاد الأوروبي.
ليس فقط لأنه يريد الإصلاح…
بل لأنه لا يرى أمامه نظامًا داخليًا مكتملًا يقوم بهذا الدور.
لكن هذا يفتح بابًا أخطر:
أن تتحول أدوات التصحيح
من داخل المجتمع…
إلى خارج حدوده.
وهنا تكتمل الصورة:
الاحتلال يتحكم بالمال.
أوروبا تضغط بالإصلاح.
والمؤسسات الداخلية غائبة.
وفي الوسط…
يقف المواطن.
الموظف لا يرى كل هذه التعقيدات.
هو يرى فقط:
راتب ناقص.
دين يتراكم.
وشهر يُؤجَّل إلى شهر.
لكن خلف هذا المشهد البسيط،
هناك نظام كامل يعمل…
نظام لا ينهار فجأة،
بل يُدار… خطوة خطوة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر:
إذا كان هذا هو شكل العدالة في موضوع المال…
فكيف سيكون شكلها في موضوع الحياة؟
غزة اليوم ليست بعيدة عن هذه المعادلة.
العالم يناقش إعادة الإعمار.
يتحدث عن المعابر.
عن التمويل.
عن الترتيبات.
لكن السؤال الذي يفهمه أي إنسان بسيط:
كيف سيُعاد بناء غزة…
إذا لم تُحلّ أسباب الدمار؟
كيف سيُطلب من الناس أن يسلموا ما يحمون به أنفسهم…
قبل أن تُفتح لهم الحياة؟
كيف يُقال لهم:
سلّموا السلاح…
بينما المعبر مغلق؟
والجيش لم ينسحب؟
والإعمار لم يبدأ؟
العدالة ليست معادلة معقدة.
هي ترتيب بسيط:
أولًا: وقف الظلم.
ثانيًا: فتح الحياة.
ثالثًا: بناء الاستقرار.
غير ذلك…
ليس عدالة.
هو إدارة للأزمة.
في النهاية…
المشكلة ليست أن العالم لا يعرف.
ولا أن القوانين غير موجودة.
المشكلة أن:
القانون لا يُستخدم حين يجب.
والعدالة لا تُطبَّق على الجميع.
والمؤسسات الداخلية غائبة.
لهذا،
لن تُحل أزمة الرواتب بالكلام.
ولن تُفتح غزة بالبيانات.
لأن نفس الميزان… هو نفسه في كل شيء.
إذا لم يتغير هذا الميزان—
لن تصل المقاصة،
ولن تستقر الرواتب،
ولن تُفتح المعابر،
ولن يُعاد بناء ما هُدم.
لأن العدالة،
إذا غابت من الداخل…
واختُلّت في الخارج…
لا تنتج إلا واقعًا يُدار…
لا واقعًا يُحلّ.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
صحّحوا الكلمات…
لكن في بيوتنا،
لم يتغيّر شيء.
قالوا إن المال لنا،
وأسقطوا ما كان يُقال ضدنا…
لكن الراتب، حين نزل،
بقي كما هو:
ناقصًا…
ومؤجّلًا…
وفي الذمة.
في بروكسل،
لم يكن الكلام غامضًا.
قالوا بوضوح:
أموال المقاصة هي أموال الشعب الفلسطيني.
هذه ليست جملة سياسية قابلة للتأويل.
هذا اعتراف مباشر:
المال لك… وما يحدث له خطأ.
جلس رئيس الوزراء الفلسطيني هناك،
وتحدث عن الرواتب،
عن العجز،
عن خزينةٍ لم تعد قادرة على دفع ما عليها.
وكان الجميع يعرف.
يعرف أن المال يُحتجز.
يعرف أن الرواتب تُدفع ناقصة.
يعرف أن الناس تُترك لتدبّر حياتها بالدَّين.
والجميع قال:
يجب الإفراج عن أموال المقاصة.
لكن…
لم يقل أحد: متى؟
لم يقل أحد: كيف؟
لم يقل أحد: ماذا سنفعل إن لم تُفرج؟
هنا تبدأ القصة.
حين يعترف العالم أن المال لك…
ثم لا يصل إليك…
فالمشكلة ليست في المعرفة.
المشكلة في القرار.
وفي اللحظة نفسها،
قيل شيء آخر:
الإصلاح شرط للدعم.
إصلاح مالي.
إصلاح إداري.
إصلاح في كل شيء.
والسلطة، بحسب ما أُعلن،
أحرزت تقدمًا،
وطوّرت أدواتها،
بل وأعادت النظر في بعض سياساتها وبرامجها.
في الظاهر،
المعادلة تبدو منطقية:
نحن ندعمكم…
وأنتم تُصلحون.
لكن حين ننظر أعمق،
نكتشف أن المعادلة ليست متوازنة.
السلطة تُطلب منها أن تُصلح نفسها—وقد فعلت.
البرلمان الأوروبي أسقط صياغات منحازة—وقد فعل.
أوروبا اعترفت أن المال فلسطيني—وقد قالت.
لكن الطرف الذي يحتجز المال…
لا يُفرض عليه ثمن.
وهنا نصل إلى نقطة لا يمكن تجاوزها:
الاتحاد الأوروبي ليس جهة محايدة بالكامل.
هو شريك لدولة الاحتلال في اتفاقيات اقتصادية وسياسية.
وهذه الاتفاقيات—وأهمها اتفاقية الشراكة—تنص بوضوح:
استمرار التعاون مرتبط باحترام حقوق الإنسان.
القانون موجود.
والبند واضح.
والانتهاكات… معروفة.
إذن،
لماذا لا يُستخدم هذا البند؟
لماذا لا يُربط التعاون مع الاحتلال
بمدى التزامه بحقوق الإنسان…
كما يُربط دعم السلطة بالإصلاح؟
القانون موجود… لكن الإرادة غائبة.
والعدالة، حين لا تُستخدم حيث يجب،
تتحول من ميزان… إلى أداة.
لكن القصة لا تتوقف هنا.
هناك سؤال آخر…
أقرب… وأقسى… ويخصنا نحن:
إذا كانت أوروبا تضغط…
فأين الرقابة من الداخل؟
في الحالة الطبيعية لأي نظام سياسي:
هناك جهة تحكم…
وجهة تراقب…
وجهة تُحاسِب.
في الحالة الفلسطينية،
كان يفترض أن تكون الصورة هكذا:
منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية السياسية العليا
المجلس التشريعي الفلسطيني يراقب الحكومة ويحاسبها
المجلس الوطني الفلسطيني يضع السياسات العامة ويراجع المسار
بمعنى بسيط:
لكن ماذا يحدث اليوم؟
المجلس التشريعي معطّل.
المجلس الوطني لا يعمل كهيئة رقابية مستمرة.
المنظمة ليست فاعلة كمؤسسة متابعة يومية.
والنتيجة:
السلطة تعمل… دون رقابة مؤسسية حقيقية.
وهنا تبدأ المشكلة التي يشعر بها المواطن… دون أن يراها كاملة:
حين تغيب المؤسسات،
لا تعود السلطة كيانًا يُحاسَب،
بل تتحول إلى كيان يُدار.
وحين لا توجد رقابة من الداخل،
تأتي الرقابة من الخارج.
وهنا نفهم لماذا يضغط الاتحاد الأوروبي.
ليس فقط لأنه يريد الإصلاح…
بل لأنه لا يرى أمامه نظامًا داخليًا مكتملًا يقوم بهذا الدور.
لكن هذا يفتح بابًا أخطر:
أن تتحول أدوات التصحيح
من داخل المجتمع…
إلى خارج حدوده.
وهنا تكتمل الصورة:
الاحتلال يتحكم بالمال.
أوروبا تضغط بالإصلاح.
والمؤسسات الداخلية غائبة.
وفي الوسط…
يقف المواطن.
الموظف لا يرى كل هذه التعقيدات.
هو يرى فقط:
راتب ناقص.
دين يتراكم.
وشهر يُؤجَّل إلى شهر.
لكن خلف هذا المشهد البسيط،
هناك نظام كامل يعمل…
نظام لا ينهار فجأة،
بل يُدار… خطوة خطوة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر:
إذا كان هذا هو شكل العدالة في موضوع المال…
فكيف سيكون شكلها في موضوع الحياة؟
غزة اليوم ليست بعيدة عن هذه المعادلة.
العالم يناقش إعادة الإعمار.
يتحدث عن المعابر.
عن التمويل.
عن الترتيبات.
لكن السؤال الذي يفهمه أي إنسان بسيط:
كيف سيُعاد بناء غزة…
إذا لم تُحلّ أسباب الدمار؟
كيف سيُطلب من الناس أن يسلموا ما يحمون به أنفسهم…
قبل أن تُفتح لهم الحياة؟
كيف يُقال لهم:
سلّموا السلاح…
بينما المعبر مغلق؟
والجيش لم ينسحب؟
والإعمار لم يبدأ؟
العدالة ليست معادلة معقدة.
هي ترتيب بسيط:
أولًا: وقف الظلم.
ثانيًا: فتح الحياة.
ثالثًا: بناء الاستقرار.
غير ذلك…
ليس عدالة.
هو إدارة للأزمة.
في النهاية…
المشكلة ليست أن العالم لا يعرف.
ولا أن القوانين غير موجودة.
المشكلة أن:
القانون لا يُستخدم حين يجب.
والعدالة لا تُطبَّق على الجميع.
والمؤسسات الداخلية غائبة.
لهذا،
لن تُحل أزمة الرواتب بالكلام.
ولن تُفتح غزة بالبيانات.
لأن نفس الميزان… هو نفسه في كل شيء.
إذا لم يتغير هذا الميزان—
لن تصل المقاصة،
ولن تستقر الرواتب،
ولن تُفتح المعابر،
ولن يُعاد بناء ما هُدم.
لأن العدالة،
إذا غابت من الداخل…
واختُلّت في الخارج…
لا تنتج إلا واقعًا يُدار…
لا واقعًا يُحلّ.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي