ليلى تباني - في اليوم العالمي للفلسفة

تتزين الفلسفة بوجه انثوي جميل وعقل اجمل ...
فلسفة جميلة ...أتعلمون؟! لأنها تصاغ من عقل رفيع ووجه انثوي جميل
تمثل الفلسفة، منذ بداياتها الأولى، مجالا كان يُنظر إليه طويلا
بوصفه حكرا على الصوت الذكوري، غير أن التاريخ الفكري يكشف تدريجيا أن هذا التصور كان ناقصا، وأن حضور المرأة في بناء السؤال الفلسفي لم يكن طارئا ولا هامشيا، بل كان عميقا ومتجذرا، حتى وإن لم يُمنح دائما ما يستحقه من الاعتراف. إن الحديث عن دور المرأة في النهوض بالفلسفة ليس مجرد استعادة لعدالة تاريخية مؤجلة، بل هو أيضا إعادة فهم لطبيعة الفكر نفسه، باعتباره نشاطا إنسانيا مفتوحا لا جنس له، بل عقل يتأمل الوجود ويعيد مساءلته باستمرار.
في السياق العربي المعاصر، برزت أسماء نسائية أكاديمية وفكرية استطاعت أن تفرض حضورها في الجامعة وفي البحث الفلسفي، ليس بوصفها استثناء ، بل بوصفها جزءا من تحوّل تدريجي في بنية التفكير العربي الحديث. ومن بين هاته الأصوات الأكاديمية التي يُشار إليها داخل الوسط الجامعي الجزائري، تبرز شخصية خديجة زتيلي Khadidja Zetili بوصفها نموذجًا للأستاذة التي جمعت بين الاشتغال الفلسفي الهادئ والحضور الإنساني الذي يترك أثره في محيطه العلمي. غير أن أهمية هذه النماذج لا تكمن فقط في الأسماء ذاتها، بل في الدلالة الرمزية التي تحملها، أي في كونها تعبيرا عن تحوّل أوسع في علاقة المرأة بالفعل الفلسفي.
لقد ساهمت المرأة، تاريخيا، في إعادة تعريف الفلسفة من الداخل، عبر إدخال أسئلة لم تكن دائما في مركز الاهتمام التقليدي، مثل سؤال الجسد، واللغة اليومية، والعلاقة بين المعرفة والخبرة المعيشة، وحدود السلطة داخل إنتاج الحقيقة. هذا التوسيع لمجال السؤال الفلسفي جعل الفلسفة أقل تجريدا وأكثر التصاقا بالإنسان، ليس بوصفه عقلا مجردا فقط، بل بوصفه كائنا يعيش في العالم ويتأثر به ويعيد إنتاجه في الوقت نفسه. وهنا يظهر الدور العميق للمقاربات النسائية في الفكر الفلسفي، ليس كإضافة كمية، بل كتحول نوعي في زاوية النظر نفسها.
في التجربة الأكاديمية العربية، لم يكن هذا الحضور دائما سهلا، لأن المؤسسة الفكرية نفسها كانت تتشكل ضمن سياقات ثقافية محافظة أحيانا ومتأسلمة في معظمها، ما يجعل من اختراق المرأة لمجال الفلسفة فعلا يحتاج إلى مضاعفة الجهد والاعتراف. ومع ذلك، فإن هذا الحضور لم يتوقف، بل تطور عبر أجيال من الباحثات اللواتي دخلن الجامعة واشتغلن على النصوص الفلسفية الكبرى، وأعدن قراءتها من زوايا مختلفة، مع التركيز على إشكالات الحقيقة والمعرفة والحداثة والإنسان. وفي هذا الإطار، يصبح العمل الفلسفي للمرأة ليس فقط إنتاجا معرفيا، بل أيضا إعادة بناء للمعنى داخل الثقافة نفسها.
إن ما يميز هذا الحضور هو أنه لا يقوم على الصدام مع التراث الفلسفي، بل على محاورته وإعادة فتحه.... فالفيلسوفة، في السياق المعاصر، لا تكتفي بإعادة شرح النصوص، بل تعمل على تفكيكها وإعادة تركيبها داخل أسئلة جديدة، تجعل من الفلسفة ممارسة حية وليست أرشيفا مغلقا. ومن هنا تأتي أهمية الاشتغال الأكاديمي الهادئ الذي نجده عند بعض الأساتذة، حيث يتحول الدرس الفلسفي إلى مساحة تفكير مشتركة بين الأستاذ والطالب، وليس مجرد نقل معرفة جاهزة.
إن الإشادة بالأدوار النسائية في الفلسفة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها استثناء يُحتفى به، بل باعتبارها جزءا من إعادة التوازن إلى تاريخ الفكر نفسه. فالفلسفة، في جوهرها، لا يمكن أن تكتمل بصوت واحد، لأنها قائمة على الاختلاف، وعلى تعدد زوايا النظر، وعلى القدرة الدائمة على مساءلة المسلمات. وكلما اتسع هذا المجال ليشمل أصواتا أكثر تنوعا، كلما اقتربت الفلسفة من طبيعتها الأصلية كحوار مفتوح مع الوجود.
. وانني وانا اشيد بالدور الفعال لفيلسوفتنا القديرة اتقدم لهابكل مشاعر التقدير والاعتزاز، بأحرّ التهاني بمناسبة صدور كتابها الجديد "الفلسفة والحقيقة"... اذ يبدو ليس مجرد عمل فكري، بل ثمرة مسيرة علمية عميقة وروح فلسفية أصيلة تسعى إلى مساءلة الوجود والاقتراب من جوهر الحقيقة.
لأقول في النهاية :
لقد عرفناك نموذجا للأستاذة المتواضعة، الهادئة، والواثقة، التي لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تُحييها في عقول طلبتها وتمنحها بُعدا إنسانيا نادرا. وها أنت اليوم تواصلين هذا المسار بإصدار يثري الفكر ويضيف لبنة جديدة في صرح الفلسفة العربية.
أتمنى لك دوام الصحة والعافية، ومزيد من التألق والإبداع، وأن يبقى قلمك منيرا لدروب الباحثين عن الحقيقة.


IMG-20260430-WA0002(1).jpg



IMG-20260430-WA0003.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى