ويبقى المصير مؤجَّلا في انتظار التقرير

// في العدد الجديد من القاهرة // ويبقى المصير مؤجَّلا في انتظار التقرير
أحمد رجب شلتوت
يمهد الدكتور شريف مليكة" في رواية "في انتظار التقرير" لعالم تتداخل فيه مستويات الفقد، فقد الجسد لطمأنينته، وفقد الإنسان لسيطرته على مصيره، وأيضا فقد الواقع للمنطق، ابتداء من الإهداء "أوحت ثم اختفت"، وحتى الاستهلال المقتبس من فيكتور فرانكل حول صراع النجاة.
تبدأ الرواية بلحظة حسية دقيقة، "تستيقظ نهلة في الرابعة صباحا، تمد يمناها بحركة لا شعورية تجاه ثديها الأيسر"، هذه الحركة البسيطة تعلن أن الجسد أصبح مصدرا للتهديد، وفي مشهد اكتشاف الورم، يتحول الزوج أدهم إلى مجرد طبيب، "ذابت في لحظة كل حميمية بينهما، وكأنه يقرأ في كتاب غير مرئي"، هنا تعيد الرواية تشكيل الزمن من خلال الخوف. انتظار التقرير يجعل الزمن معلقًا، يتجلى في التفاصيل اليومية الصغيرة "لا مجال لأن تتنكر لتأثير ذلك التقرير الملعون عليها، غير قادرة على التفكير في أي أمر آخر"، حتى الأفعال العادية مثل شرب الينسون، والاستماع إلى أغنية تصبح محاولات فاشلة للهرب من الانتظار.
ويحدث التحول الأهم في الرواية حين ينتقل الخوف من الجسد إلى النظام، فالقرار الإداري الذي يربط تسليم التقارير بالتحقق القانوني يكشف عن عالم عبثي، "كل عينة يجب أن تحول إلى المديرية أولا، إلى أن يثبت خلو صاحبها من أي قضايا"، ويبلغ العبث ذروته في مشهد الطابور أمام مبنى البلدية. الناس يدخلون، لكن نهلة "لم تلمح أناسا يخرجون من المبنى"، هكذا تضعنا أمام فضاء يبتلع الداخلين، والأخطر أن لا أحد يحتج، بل يسخر البعض من التساؤل نفسه، الرواية هنا تكشف عن تطبيع العبث، حيث يصبح اللامنطقي مقبولًا، بل متوقعًا.
تشكل الوعي
تبدو نهلة في البداية مجرد امرأة عادية، وتأتي لحظة الاستيقاظ المبكر، وتحسس الجرح، بمثابة إعلان عن حدوث انقسام داخلي، يتصاعد هذا الارتباك مع انتظار التقرير، حيث يصبح الزمن حالة نفسية خانقة "لا مجال لأن تتنكر لتأثير ذلك التقرير الملعون عليها، غير قادرة على التفكير في أي أمر آخر"، هنا تتوقف الحياة عند احتمال واحد، وتذوب كل التفاصيل الأخرى في ظله. لكن التحول الأهم في شخصية نهلة يحدث في مشهد الطابور حين تلاحظ أن الداخلين لا يخرجون، فتسأل أين يذهب هؤلاء؟ ثم تنسحب من الطابور، مدفوعة بإحساس غامض بأن ثمة من انتزع عقول هؤلاء البشر، لكنها وتحت وطأة الرغبة في النجاة تعود لاحقًا لتبحث عن واسطة، وتقبل الدخول في نفس المنظومة التي أدركت عبثها.
استلاب الذات
يكشف التراكم السردي أن المسألة أعمق من كونها قرار خاطئ، أو مدير متعسف، أو إجراءات معطلة، ففي الخفاء تعمل منظومة كاملة على إعادة تعريف الإنسان، باعتباره مجرد ملف بحاجة إلى استيفاء أوراقه، تؤكد ذلك مقولة الطبيب حول تحويل العينات، "حتى يثبت خلو صاحبها من أي قضايا"، كذلك لا تكتفي الرواية بكشف النسق الضمني للسلطة، ولكن أيضا تلمّح إلى تواطؤ اجتماعي معها. مشهد الطابور مرة أخرى يصبح دالًا على بنية ذهنية كاملة، اعتادت الخضوع، وفي هذا السياق، تكتسب شخصيات مثل أدهم وبرهان دلالتها الرمزية. فأدهم يمثل العقل الذي تكيّف مع النظام حتى فقد إنسانيته، بينما يجسد برهان الفساد الذي يزدهر في ظل هذا الخلل، حيث يصبح الحل في الالتفاف علي القواعد، فيتحول الخوف الفردي من المرض إلى وسيلة لإخضاع الإنسان.
لا خروج من المتاهة
تقوم رواية "في انتظار التقرير" على بنية سردية محكمة؛ إذ تنطلق من نقطة شديدة الخصوصية، جسد امرأة يواجه احتمال المرض ثم تتسع تدريجيًا لتشمل فضاءً اجتماعيًا كاملًا، ويمكن تتبع هذه البنية عبر أربع مراحل، فالرواية تبدأ من الداخل، "تمد يمناها بحركة لا شعورية تجاه ثديها الأيسر، تتحسس موضع الجرح"، هنا يكون السرد مكثفًا، حميميًا، حيث يتماهى الزمن مع القلق، ويتحول الانتظار إلى حالة نفسية مغلقة.
ومع انتظار التقرير، تتوقف الحركة الفعلية، "غير قادرة على التفكير في أي أمر آخر"، فيتباطأ الإيقاع، ليعكس حالة الشلل التي يعيشها الوعي، ثم يخرج السرد من الحيز الخاص إلى الفضاء العام، عبر قرار إداري يعيد تشكيل مسار الرواية بالكامل، هنا تتخذ الأحداث طابعا كابوسيا، وفي المرحلة الأخيرة، تتحول البنية إلى دائرة مغلقة؛ إذ تحاول الشخصية كسر النظام، لكنها تجد نفسها مضطرة للدخول فيه عبر الوساطة. وهنا ينتقل السرد من القلق إلى الانتظار، ومن الانتظار إلى التعطيل، ومن التعطيل إلى الالتفاف، دون بلوغ حل حاسم، هكذا عبر تناوب مستمر بين الداخل (الوعي، الجسد، الخوف) والخارج (المؤسسة، الطابور، الوسيط)، بحيث يصبح الخارج امتدادًا للداخل. هذه البنية الدائرية تعيد إنتاج الأزمة، فتتحول إلى تجسيد فني لفكرة الانتظار ذاته، حيث لا يكون التأجيل حدثًا داخل الرواية، بل هو الشكل الذي تُبنى عليه الرواية من الأساس.
ورغم قوة الفكرة، إلا أن الرواية تقع أحيانًا في المباشرة، كما تعاني بعض الشخصيات مثل أدهم من ثبات نسبي، بما يقلل من ديناميكيتها. كما أن التكرار في حالات الانتظار قد يبطئ الإيقاع، ومع ذلك، لا تنتقص هذه الملاحظات الجزئية من قيمة مشروع روائي طموح يكشف هشاشة الإنسان حينما يصبح مجرد ملف، وحين يتعلق مصيره بورقة قد لا تصل أبدًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى