المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد ومخاطر إعادة إنتاج الأزمة

المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد ومخاطر إعادة إنتاج الأزمة

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ينعقد المؤتمر الثامن لـ حركة فتح في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث تتقاطع تحديات الحرب على قطاع غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، واستمرار الاستيطان، وتآكل فرص الحل السياسي، مع أزمة داخلية تتصل ببنية النظام السياسي الفلسطيني وأدواته وآليات تجديد شرعيته. ومن هذا المنطلق، فإن المؤتمر لا يمثل مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل محطة وطنية ذات أبعاد سياسية واستراتيجية وقانونية تتجاوز حدود الحركة إلى مجمل الحالة الفلسطينية.

لقد ارتبطت المؤتمرات العامة في حركات التحرر الوطني تاريخياً بوظيفتين أساسيتين: الأولى تجديد القيادة عبر آليات ديمقراطية داخلية، والثانية مراجعة المسار السياسي والتنظيمي على ضوء المتغيرات. وأي اختلال في التوازن بين هاتين الوظيفتين يفرغ المؤتمر من مضمونه، ويحوّله من أداة إصلاح إلى مناسبة إجرائية. لذلك فإن اختزال المؤتمر في سباق انتخابي، أو في إعادة توزيع المواقع، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرته على الاستجابة لحجم التحديات الراهنة.

إن ما تشهده الساحة الداخلية من اصطفافات وتنافسات مبكرة، وما يُتداول بشأن مخرجات متوقعة سلفاً، يعكس حاجة ملحّة إلى تعزيز الثقة بمعايير النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص داخل الأطر التنظيمية. فشرعية أي مؤسسة لا تقوم فقط على انعقادها الشكلي، بل على سلامة الإجراءات، ووضوح المعايير، واحترام مبدأ تداول المسؤولية، وتمكين الكفاءات، بما ينسجم مع قواعد الحوكمة الرشيدة والمساءلة المؤسسية.

سياسياً، يواجه المؤتمر سؤالاً مركزياً يتعلق بدور حركة فتح في المرحلة المقبلة: هل ستبقى أسيرة إدارة الأزمة، أم ستنتقل إلى صياغة مشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية؟ فالتحدي لم يعد تنظيمياً فقط، بل يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحركة، وبين المؤسسات الرسمية والأطر الشعبية، وبين متطلبات الصمود اليومي وأهداف التحرر الوطني.

أما قانونياً، فإن الحاجة باتت أكثر إلحاحاً لترسيخ مبدأ المؤسسية، واحترام الأنظمة الداخلية، والفصل بين الصلاحيات، وضمان أن تكون القرارات نتاجاً لإرادة جماعية لا لمراكز نفوذ متنافسة. فالتنظيمات الكبرى تقوى بالقانون الداخلي والالتزام المؤسسي، وتضعف عندما تُدار بمنطق الشخصنة أو التوازنات الوقتية.

استراتيجياً، يمكن النظر إلى المؤتمر الثامن بوصفه فرصة أخيرة لإطلاق عملية تجديد حقيقي، تستند إلى مراجعة نقدية للتجربة، وإفساح المجال أمام جيل جديد، وصوغ رؤية سياسية قادرة على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية، ومواجهة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض الحقوق الوطنية الفلسطينية. أما إذا اقتصر الأمر على إعادة إنتاج الأدبيات ذاتها، والوجوه ذاتها، وآليات العمل ذاتها، فإن الأزمة مرشحة للاستمرار والتفاقم.

إن الرسالة الأهم التي يجب أن يبعثها المؤتمر ليست داخلية فحسب، بل وطنية أيضاً: أن حركة فتح ما زالت قادرة على التجدد، وعلى ممارسة النقد الذاتي، وعلى استعادة دورها التاريخي ضمن شراكة وطنية شاملة. فالمؤتمرات لا تُقاس بعدد المشاركين ولا بنتائج الاقتراع وحدها، بل بقدرتها على إحداث التحول المطلوب في الفكر والممارسة والأداء.

وعليه، فإن نجاح المؤتمر لن يُقاس بمن يفوز بالمقاعد، بل بقدرته على إنتاج رؤية إنقاذية تعيد الثقة للجمهور الفلسطيني، وتحصّن البيت الداخلي، وتؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها الوحدة، والكفاءة، وسيادة القانون، وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى