عصام الدين أحمد صالح - الخطاب وانكسار اليقين: قراءة في قصيدة "صدقتك يا سيدي" للشاعر جمال الدين عبد العظيم

صدقتك يا سيّدي
(1)
أَتَذْكُرُ حِيْنَ سَأَلْتُكَ يَا سَيِّدِى :
أَهَذِى الْيَوَاْقِيْتُ لِى ؟
أَطَيْفُكَ مِثْلِى ؟
فَآخَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَ الرَّمَادِ..
وَمَزَّقْتَ كُلَّ عَنَاْوِيْنِ أَهْلِى
(2)
أَتَذْكُرُ حِيْنَ صَدَقْتُكَ:
لَا تَدَّعِى حِكْمَةً فِى جِيَاْدِكَ؛
خَيْلُكَ ظِلٌّ لِطَيْشِكَ ..
تِلْكَ الْمَدَاْئِنِ..
لَسْتَ تَرَاْهَاْ سِوَى فِى الْمَنَامْ؟
فَبَعْثَرْتَنِى فِى الْمَدَى ...
بَاْقَةً مِنْ تَشَفٍّ وَحِقْدٍ!
وَأَسْلَمْتَنِى لِهَجِيْرِ الظَّلَامْ!
(3)
أَتَذْكُرُ حِيْنَ كَذَبْتُكَ يَا سَيِّدِى:
بِظِلِّكَ..
يَعْتَصِمُ الْخَائِفُوْنَ ،
وَمِنْ نُسْغِ أَرْضِكَ ..
يَقْتَاْتُ جَوْعَى الْفَدَاْفِدِ وَالْبَاْئِسُوْن؟
حَلَلْتَ وَثَاْقِى!
وَصِرْتُ لِعَيْنَيْكَ ....
نُوْرَ الْمَآقِي!
وَأَنْزَلْتَنِى يَاْسَمِيْنَ فُؤَاْدِكَ ..
بَعْدَ الْحُطَامْ!
أتذكر؟
المقدمة
تندرج قصيدة “صدقتك يا سيدي” [1] ضمن تجربة الشاعر والباحث المصري جمال الدين عبد العظيم، أحد الأصوات التي جمعت بين الوعي النقدي والممارسة الشعرية، حيث انعكس اشتغاله الأكاديمي في النقد الأدبي على لغته الشعرية، فجاءت نصوصه محمّلة بوعي بنيوي ودلالي يتجاوز حدود التعبير الانفعالي المباشر.
ويأتي ديوانه “نهر من سفرجل”[2] بوصفه محطة دالة في هذه التجربة، إذ تتقاطع فيه النزعة الغنائية مع البعد الرمزي، وتتجاور فيه اللغة المشحونة بالحزن مع نزوع صوفي وتأملي واضح.
وتأتي هذه القصيدة ضمن المناخ العام لديوان “نهر من سفرجل”، الذي تهيمن عليه ثيمات الفقد والانكسار، لكنها تتميز بتركيزها على بعد “السلطة الخطابية” تحديدًا، لا مجرد الفقد العاطفي.
وقد حظي هذا الديوان بعدد من القراءات النقدية الجادةالتي توقفت عند بنيته اللغوية والرمزية، فرصدت اشتغاله على الانزياح والتكثيف، ووقفت عند طابعه الحواري وتداخله مع تقنيات السرد، فضلًا عن إبرازها لمناخه العام المشحون بالفقد والاغتراب.
كما في قراءة د. عزة بدر[3] التي ركزت على البنية السردية والغنائية...
وقراءة د. صبري زمزم[4] التي أبرزت البعد الرمزي والوجداني...
وقراءة علي لفتة سعيد[5] التي اهتمت بالاشتغال اللغوي ...
وتنبثق أهمية هذه القصيدة من كونها لا تقدم تجربة ذاتية في بعدها العاطفي فحسب، بل تؤسس لخطاب شعري قائم على مساءلة العلاقة بين الذات والآخر، في إطار رمزي يتقاطع فيه مفهوم السلطة مع إشكالية اليقين. إذ تتشكل داخل النص علاقة مركبة بين متكلم ومخاطَب يتخذ صورة “السيد”، بما يحمله من حمولة دلالية تشير إلى الهيمنة والتوجيه، قبل أن تنكشف هذه العلاقة تدريجيًا عبر مسار من التذكر يعيد تفكيك لحظات التصديق الأولى.
ومن هنا، تنطلق هذه القراءة من محاولة الكشف عن البنية العميقة لهذه القصيدة، عبر تحليل آليات الخطاب فيها، وتتبع صورة “السيد” بوصفها مركزًا دلاليًا متحولًا، إلى جانب الوقوف عند طبيعة اللغة الشعرية القائمة على الانزياح والتكثيف، وذلك في إطار يسعى إلى إبراز كيف يتحول الشعر من أداة تعبير إلى أداة مساءلة للوعي واليقين معًا.
المحور الأول: بنية الخطاب وتكرار “أتذكر”
“أتذكر حين صدقتك...”
ثم:
“أتذكر حين كذبتك يا سيدي...”
تقوم قصيدة "صدقتك يا سيدي" منذ بدايتها على آلية خطابية مركزية هي استدعاء الذاكرة عبر الفعل “أتذكر”، وهو فعل لا يشتغل هنا بوصفه أداة لغوية محايدة، بل بوصفه مفتاحًا إنشائيًا يعيد تشكيل الزمن داخل القصيدة.
فالتذكر في هذا السياق لا يعني استعادة الماضي كما وقع، بل إعادة إنتاجه شعريًا داخل لحظة الحاضر، بما يجعل التجربة كلها قائمة على تداخل الأزمنة وتوترها.
يتكرر “أتذكر” في أكثر من موضع، مما يحوّله إلى بنية إيقاعية داخل النص، تُنتج ما يمكن تسميته بـ”الإيقاع النفسي” لا الإيقاع الموسيقي فقط.
فكل استدعاء للذاكرة يفتح مشهدًا جديدًا من العلاقة مع “السيد”، وكأن الذات لا تستطيع أن تحكي إلا عبر هذا الفعل الذي يعيدها باستمرار إلى نقطة البداية، حيث السؤال الأول، والانبهار الأول، ثم الانكسار التدريجي.
ومن اللافت أن هذا التكرار لا يؤدي وظيفة التوكيد البلاغي التقليدي، بل يؤدي وظيفة التفكيك التدريجي لليقين. فكل “أتذكر” يكشف طبقة جديدة من التجربة، ويزيح ما قبله، بحيث تتحول الذاكرة من مساحة استقرار إلى مساحة اهتزاز دائم.
فالنهر يعود ويتدفق، والتذكر يعود ويتكرر؛ هناك تشابه بنيوي بين حركة الديوان ككل وحركة هذه القصيدة.
وهذا ما يمنح القصيدة طابعًا حواريًا داخليًا، حيث لا تتوجه الذات إلى الآخر فقط، بل تتوجه أيضًا إلى نفسها، في شكل مساءلة مستمرة لما حدث وما قيل وما تم تصديقه.
كما أن بناء الجملة في المقاطع الأولى يعتمد على التقسيم الاستفهامي المتتابع:
“أهذى الياقوت لي؟”
“أطيفك مثلي؟”
وهذا التتابع الاستفهامي يكشف عن لحظة وعي أولى تقوم على الدهشة والبحث عن المعنى، قبل أن تتحول لاحقًا إلى حالة من التصديق، ثم إلى حالة من الانكشاف. فالقصيدة تبدأ من هشاشة المعرفة (السؤال)، ثم تنتقل إلى وهم التلقي (التصديق)، ثم تنتهي إلى تفكك العلاقة.
ومن هنا يمكن القول إن بنية الخطاب في القصيدة ليست خطية، بل هي بنية دائرية متوترة، تعود فيها الذات إلى لحظاتها الأولى، لكنها تعود وهي محمّلة بوعي مختلف. فالزمن هنا ليس زمن تطور بقدر ما هو زمن إعادة قراءة للجرح نفسه من زوايا متعددة.
كما أن الفعل “صدقتك” في العنوان والمفتتح يشكل نقطة ارتكاز دلالية، إذ يحمل في داخله مفارقة أساسية: فالتصديق ليس علامة طمأنينة، بل علامة انخراط في تجربة ستقود إلى الانكسار.
لذلك يبدو التذكر وكأنه ليس مجرد استعادة، بل محاكمة داخلية للذات وللآخر في آن واحد.
وبذلك يمكن القول إن القصيدة تؤسس خطابها على ثلاث حركات متداخلة:
· حركة السؤال (الدهشة والبحث)
· حركة التصديق (الانخراط والانقياد)
· حركة الاستعادة (الوعي بالانكسار)
وكل هذه الحركات لا تنفصل، بل تتجاور داخل بنية واحدة، يجعلها تكرار “أتذكر” هو المحرك الخفي لها.
المحور الثاني: صورة “السيد” بين السلطة والانكسار
“فآخيت بيني وبين الرماد
ومزّقت كل عناوين أهلي”
هنا لا تظهر السلطة في صورتها المباشرة، بل في قدرتها على تفكيك هوية الذات (الأهل/العناوين)، وهو ما يكشف أن “السيد” يمارس سلطته عبر إعادة تشكيل العالم الداخلي للمتكلم، لا عبر القهر الظاهر.
“فآخيت بيني وبين الرماد / ومزقت كل عناوين أهلي”
هذا ليس مجرد أثر نفسي، بل محو للهوية (العناوين/الأهل)
وعلى ذلك يمكن القول ان صورة “السيد” في قصيدة “صدقتك يا سيدي” تتأسس بوصفها محورًا دلاليًا مركزيًا تتقاطع عنده مستويات متعددة من السلطة الرمزية والنفسية.
فـ“السيد” لا يحضر كشخصية واقعية محددة بقدر ما يتشكل كـبنية خطابية عليا تُنتج داخل النص علاقة غير متكافئة بين طرفين: طرف يملك سلطة القول والتأثير، وطرف يتلقى ويعيد تشكيل وعيه داخل هذه السلطة.
منذ النداء الأول “يا سيدي”، يتأسس نوع من الاعتراف الضمني بالعلوّ، حيث يسبق الخطاب الشعري ذاته نوع من التراتبية النفسية.
فالتسمية هنا ليست محايدة، بل تحمل شحنة دلالية تشير إلى علاقة خضوع رمزي، تتجاوز حدود المخاطبة المباشرة إلى بناء صورة “مرجعية” تتكئ عليها الذات في فهم العالم، قبل أن تكتشف لاحقًا هشاشة هذه المرجعية.
وتكشف المقاطع الأولى من القصيدة أن “السيد” يرتبط بمجموعة من الصفات التي تمنحه سلطة غير مباشرة: الحكمة، التوجيه، القدرة على تشكيل الوعي، بل وإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والعالم.
غير أن هذه السلطة لا تُقدَّم بوصفها سلطة عنف صريحة، بل بوصفها سلطة خطاب؛ أي سلطة تُمارس عبر اللغة، الإيحاء، والتوجيه غير المباشر، وهو ما يجعلها أكثر تعقيدًا من السلطة المادية المباشرة.
لكن القصيدة، في تطورها الداخلي، تبدأ في تفكيك هذه الصورة تدريجيًا. فكلما تقدمت التجربة، تتبدّى ملامح التناقض بين ما يُقال وما يُمارس، بين صورة “السيد” كما تَشكّلت في وعي الذات، وبين ما تكشفه التجربة الفعلية من خذلان أو انكسار في تلك الصورة. وهنا يتحول “السيد” من مركز يقين إلى مركز اهتزاز.
ويبدو أن الشاعر يعتمد على تقنية دقيقة في هذا التفكيك، تقوم على المفارقة بين البناء اللغوي والبناء الدلالي. فبينما تستمر صيغة النداء والتعظيم (“يا سيدي”)، تتراكم في المقابل إشارات داخلية إلى التمزق، والتشظي، وانهيار الثقة، مما يخلق توترًا بين مستوى الخطاب الخارجي ومستوى التجربة الداخلية.
ومن أهم لحظات التحول في صورة “السيد” أنه لا يُهزم في النص عبر مواجهة مباشرة، بل عبر سقوط صورته في وعي المتكلم نفسه.
أي أن الانكسار لا يقع على مستوى الفعل الخارجي، بل على مستوى الإدراك.
فحين تعود الذات إلى ماضيها، لا تجد “السيد” كما تخيلته، بل تجده وقد انزاح من موقع اليقين إلى موقع الشك، ومن سلطة التوجيه إلى سؤال المشروعية: هل كان ما قيل حقيقة أم وهمًا؟
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية في القصيدة: فـ“السيد” لا ينكسر كقوة خارجية، بل ينكسر كـبناء رمزي داخل الوعي. وهذا ما يمنح القصيدة بعدها الأعمق، إذ تتحول العلاقة إلى مساءلة للخطاب ذاته: خطاب السلطة، وخطاب التصديق، وخطاب اليقين.
كما أن التحول من “صدقتك” إلى إعادة استحضار المشهد كله يجعل من “السيد” شخصية وظيفية داخل بنية التجربة، أكثر منه كيانًا ثابتًا. فهو يمثل لحظة الوعي المسبق بالسلطة قبل تفكيكها، ثم يتحول لاحقًا إلى أثر لغوي داخل ذاكرة متصدعة.
وبذلك يمكن القول إن صورة “السيد” في القصيدة تتراوح بين مستويين:
· مستوى السلطة الرمزية التي تنتج الطاعة والتصديق.
· ومستوى الانكشاف الداخلي الذي يعيد تعريف تلك السلطة بوصفها بناءً قابلاً للتفكك.
وهذا التوتر هو ما يمنح القصيدة قوتها، إذ لا تكتفي بنقد الآخر، بل تمارس نقدًا ضمنيًا لبنية العلاقة ذاتها، ولآلية إنتاج اليقين داخل الخطاب الشعري والإنساني معًا.
لكن .. هل يمكن أن يكون "السيد" إشارة إلى شخصية صوفية (شيخ/مرشد)؟ خاصة أن القصيدة تذكر الرماد والياقوت والياسمين، وهي مفردات ذات حمولة صوفية.
المحور الثالث: الانزياح اللغوي وبنية الصورة الشعرية
“وأسلمتني لهجير الظلام”
هذه الصورة لا تُقرأ حرفيًا، بل بوصفها انزياحًا دلاليًا يجمع بين:
· “الهجير” (الحر/الضوء)
· “الظلام”
وهو جمع متناقض يُنتج حالة شعورية مركبة، تعكس ارتباك التجربة نفسها، حيث لا يعود الألم واضح المصدر، بل ممتدًا ومشوّهًا.
تقوم قصيدة “صدقتك يا سيدي” على اشتغال لغوي يتجاوز حدود الاستعمال المباشر للغة، نحو فضاء يقوم على الانزياح بوصفه آلية لتوليد الدلالة. فاللغة في هذا النص لا تؤدي وظيفة الإخبار أو التقرير، بل تتحول إلى بنية دلالية متحركة تُعيد إنتاج المعنى عبر التوتر بين ما هو مألوف وما هو متخيل، وبين ما هو واقعي وما هو شعري.
يظهر الانزياح منذ اللحظات الأولى في طريقة بناء الأسئلة والاستفهامات، إذ لا تأتي الجملة بوظيفتها النحوية التقليدية، بل تنفتح على احتمالات شعورية ودلالية متعددة. فالسؤال مثل “أهذى الياقوت لي؟” لا يُقرأ بوصفه طلبًا للمعلومة، بل بوصفه صدمة إدراكية تكشف هشاشة العلاقة بين الذات والعالم، وتضع المتلقي أمام مفارقة تجمع بين البريق (الياقوت) وبين الشك في امتلاكه أو استحقاقه.
كما تتأسس الصورة الشعرية في القصيدة على مبدأ التجاور غير المتوقع بين العناصر الدلالية، حيث تُستدعى مفردات تنتمي إلى حقول دلالية مختلفة (الرماد، الياقوت، العناوين، الأهل، الخيل، الظلام)، ثم تُدمج داخل نسق شعري واحد، بما ينتج ما يمكن تسميته بـ”الصورة المركبة” التي لا تُبنى على التشبيه التقليدي، بل على التفاعل بين عناصر متباعدة في الأصل.
ومن أبرز سمات الصورة في القصيدة أنها لا تستقر على شكل واحد، بل تتحول من صورة حسية مباشرة إلى صورة رمزية مشحونة بالدلالة.
فمثلاً، صورة “الرماد” لا تظل في حدود المادة المحترقة، بل تتحول إلى علامة على التفكك والانمحاء وفقدان الأصل، في مقابل “الياقوت” الذي يحيل إلى القيمة واللمعان، وكأن النص يقيم ثنائية دائمة بين الانطفاء والبريق، بين الفقد والافتتان.
ويُلاحظ كذلك أن اللغة تميل إلى التكثيف الحاد، حيث تُختزل التجربة الشعورية في وحدات لغوية قصيرة لكنها عالية الشحنة الدلالية. هذا التكثيف لا يؤدي إلى غموض، بل إلى نوع من التركيز الشعوري الذي يجعل كل لفظة تحمل أكثر من طبقة دلالية، وتتحول إلى علامة مفتوحة على التأويل.
كما أن الصورة الشعرية في القصيدة لا تنفصل عن بنيتها الحوارية، إذ تتداخل الأصوات بين المتكلم و”السيد”، بما يجعل الصورة جزءًا من بنية خطابية حية وليست مجرد زخرف بلاغي.
فالصورة هنا تُقال داخل توتر العلاقة، وليست خارجها، ولذلك فهي مشحونة دائمًا بإحساس بالمواجهة أو الانكسار أو التبرير.
ومن الملامح المهمة أيضًا أن الانزياح في القصيدة لا يقتصر على المفردة، بل يمتد إلى البنية الكلية للجملة الشعرية. فالجملة لا تسير في اتجاه منطقي تصاعدي، بل تتشظى عبر القفزات الدلالية، وكأن اللغة نفسها تعكس حالة الاضطراب الداخلي للذات.
وهذا يخلق نوعًا من “اللغة المهزوزة” التي تعكس اهتزاز التجربة لا استقرارها.
وعليه، يمكن القول إن الانزياح في هذه القصيدة لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يؤدي وظيفة معرفية أيضًا، إذ يكشف أن المعنى ليس ثابتًا، بل هو نتاج علاقة متوترة بين الذات والعالم واللغة. أما الصورة الشعرية، فهي ليست تمثيلًا للواقع، بل إعادة تشكيل له داخل وعي مضطرب، يجعل من الشعر مساحة لتفكيك اليقين لا تثبيته.
المحور الرابع: الإيقاع الداخلي وبنية التوتر الشعوري
تميل القصيدة إلى نظام التفعيلة الحرة، حيث تتجاور وحدات إيقاعية غير منتظمة الطول، دون التزام صارم ببحر واحد، مع احتفاظها ببقايا الإيقاع التفعيلي في بعض المقاطع، وهو ما يعكس التوتر بين الانضباط والانكسار داخل التجربة.
فالإيقاع هنا ليس ناتجًا عن تكرار تفعيلة عروضية ثابتة، بل عن توتر مستمر بين التمدد والانكسار داخل الجملة، بحيث تصبح اللغة نفسها مرآة للحالة النفسية التي تعيشها القصيدة.
ويُعد تكرار فعل “أتذكر” من أبرز آليات هذا الإيقاع الداخلي، إذ لا يؤدي وظيفة دلالية فقط، بل يخلق نبضًا شعوريًا متكررًا يعيد إنتاج التجربة في كل مرة، وكأن الذاكرة نفسها تتحول إلى آلة إيقاعية تضبط حركة النص من الداخل.
هذا التكرار يمنح القصيدة طابعًا دائريًا، حيث لا تتقدم الأحداث خطيًا، بل تعود إلى نقاطها الأولى في شكل موجات شعورية متتابعة.
كما يسهم التفاوت في طول الجمل الشعرية في تشكيل هذا الإيقاع؛ فالجملة القصيرة تأتي غالبًا محمّلة بصدمة أو سؤال أو انكسار، بينما الجملة الأطول تتجه إلى التفسير أو الاسترسال الوجداني، مما يخلق حركة مدّ وجزر داخل النص تعكس اضطراب التجربة ذاتها.
وبذلك يمكن القول إن الإيقاع في القصيدة ليس عنصرًا شكليًا، بل هو جزء من البنية الدلالية، لأنه يعكس علاقة الذات بالعالم وبالخطاب الذي تتوجه إليه، حيث يصبح التوتر بين القول والصمت، وبين التصديق والانكسار، هو المحرك الحقيقي لموسيقى النص الداخلية.
خاتمة الدراسة
تكشف قصيدة “صدقتك يا سيدي” عن بناء شعري يقوم على تفكيك العلاقة بين الذات والآخر داخل إطار لغوي مشحون بالسلطة والانكسار.
فقد انطلقت القصيدة من لحظة تصديق أولي، لكنها سرعان ما تحولت إلى مسار من إعادة مساءلة هذا التصديق، بما يجعل الخطاب الشعري نفسه مجالًا لتعرية آليات التأثير والهيمنة داخل اللغة.
وقد أظهرت الدراسة أن بنية القصيدة تقوم على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة التذكر بوصفه آلية لاستعادة التجربة وإعادة تشكيلها، ودائرة “السيد” بوصفه رمزًا لسلطة خطابية تتعرض للتفكك التدريجي، ودائرة اللغة بوصفها فضاءً للانزياح وإنتاج الصورة الشعرية.
هذه الدوائر تتفاعل فيما بينها لتنتج نصًا مفتوحًا على التأويل، تتقاطع فيه الذات مع وعيها، ومع الآخر، ومع اللغة نفسها.
كما تبين أن القصيدة لا تعتمد على الوزن التقليدي، بل على إيقاع داخلي يتشكل من التكرار والتوتر والانزياح، مما يضعها في منطقة الشعر الحر القائم على الطاقة الشعورية أكثر من الالتزام العروضي الصارم.
وهذا ما يعزز طابعها الدرامي الداخلي، حيث تتحول التجربة إلى حوار داخلي متواصل بين الاعتراف والمساءلة.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن القصيدة لا تقدم خطابًا شعريًا يكتفي بالتعبير عن تجربة ذاتية، بل تؤسس لوعي نقدي باللغة ذاتها، حيث يصبح الشعر أداة لكشف آليات السلطة داخل الخطاب، وإعادة تفكيك مفهوم اليقين الذي بدا في البداية ثابتًا، قبل أن ينكشف بوصفه بناءً هشًا قابلًا للتزعزع والانهيار.
ومن ثم يمكن النظر إلى هذه القصيدة بوصفها نصًا مفصليًا داخل الديوان، يكشف بوضوح انتقال الشاعر من التعبير الوجداني إلى مساءلة البنية العميقة للخطاب ذاته.
وهل يمكن قراءة القصيدة بوصفها نقداً للخطاب الديني/الصوفي بقدر ما هي نقد لسلطة الحبيب؟"
هذا السؤال نقترحه ليس للإجابة، بل لفتح افاق جديدة فى دراسة الديوان بصفة عامة وهذه القصيدة بصفة خاصة.

المراجع
(1) جمال عبد العظيم. (2026). نهر من سفرجل (ديوان شعر). القاهرة: دار قبس للنشر والتوزيع .
مقالات فى الدوريات
(1) صبرى زمزم. (8 أبريل, 2026). نهر من سفرجل ديوان د.جمال الدين عبد العظم بين الحقيقة والرمز الشعري. اوبرا مصر. https://2u.pw/Km2Clc
(2) عزة بدر. (15 ابريل, 2026). نهر من شعر على شاطئ الحكاية. مجلة روز اليوسف. https://2u.pw/GBwuhY
(3) على لفتة سعيد. (28 ابريل, 2026). الاشتغال الشعري وتطور اللغة في نهر من سفرجل لجمال الدين عبد العظيم. مجلة اوروك(150).
الهوامش
(1) جمال عبد العظيم. (2026). نهر من سفرجل (ديوان شعر). القاهرة: دار قبس للنشر والتوزيع .ص 41
(2) المرجع السابق
(3) عزة بدر. (15 ابريل, 2026). نهر من شعر على شاطئ الحكاية. مجلة روز اليوسف. https://2u.pw/GBwuhY
(4) صبرى زمزم. (8 أبريل, 2026). نهر من سفرجل ديوان د.جمال الدين عبد العظيم بين الحقيقة والرمز الشعري. اوبرا مصر. https://2u.pw/Km2Clc
(5) على لفتة سعيد. (28 ابريل, 2026). الاشتغال الشعري وتطور اللغة في نهر من سفرجل لجمال الدين عبد العظيم. مجلة اوروك(150).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى