قراءة في رواية "الحب في المنفى" للروائي بهاء طاهر
ينتمي بهاء طاهر إلى جيل الستينيات، وأصدر أربع مجموعات قصصية هي: (الخطوبة 1972 – بالأمس حلمت بك 1984 – أنا الملك جئت 1985 – ذهبت إلى شلال 1998)، وخمس روايات هي: (شرق النخيل 1985 – قالت ضحى 1985 – خالتي صفية والدير 1991 – الحب في المنفى 1995 – نقطة النور 2001)، وأربعة كتب تُعد بمثابة الهامش على هذا المركز الإبداعي الراسخ في القصة القصيرة والرواية، وهي على الترتيب: "عشر مسرحيات مصرية عرض ونقد"، "أبناء رفاعة: في الثقافة والحرية"، ترجمة رواية "ساحر الصحراء" للكاتب البرازيلي باولو كويلهو، و"في مديح الرواية".
وطوال مسيرته السردية، كان بهاء طاهر يختار عناوين مميزة ومعبرة لأعماله؛ وللعنوان أهمية بالغة في العمل الأدبي؛ لأنه العتبة الأولى التي تكتنز داخلها خلاصة مكثفة حدَّ التقطير لما يحمله النص من دلالات. والعنوان صنيعة الكاتب؛ ينجح بعض الكتاب في اختيار عناوين مناسبة، وآخرون يختارون الاسم لاعتبارات تجارية قد لا ترتبط بالمتن السردي أو الشعري، وبعضه يأتي بلا عمق، وهناك عناوين تُشكل فخًّا يخفي داخله خديعة كبيرة يقصد منها المؤلف عكس ما يبطنه السرد.
ومن هنا يأتي عنوان رواية بهاء طاهر "الحب في المنفى"، التي صدرت طبعتها الأولى عن "روايات الهلال"، وحصلت على جائزة أفضل رواية عام 1995، بالإضافة إلى جائزة إيطالية، وصُنفت ضمن أفضل مئة رواية رومانسية. هذا إلى جانب غلافٍ يضفي قيمة ثورية ونضالية وأخلاقية على الرواية، ليؤكد انحيازه للقضية الفلسطينية؛ من خلال لوحة للفنان ناجي العلي تمثل الطفل "حنظلة" واقفًا يضع يديه خلف ظهره، ومُوَلِّيًا ظهره لجميع من فرطوا في القضية الفلسطينية، قبل أن يتم تغيير هذا الغلاف في الطبعات التالية.
أولًا: جدلية الغلاف والسيرة الذاتية
هل كان الغلاف معبرًا عن النص، أم كان استثمارًا لقضية نبيلة وتوظيفًا لها لصالح إضفاء قيمة أخلاقية وانحياز للمقهورين؟ وهل العنوان معبر فعلاً عن السياق السردي للراوي؟ وهل الراوي مجرد قناع للسيرة الذاتية للكاتب بهاء طاهر، الذي تتقاطع أحداث حياته مع أحداث حياة الراوي؟
قناعتي الشخصية أن الراوي مجرد قناع للكاتب؛ لأن من طبيعة بهاء طاهر في معظم أعماله أن يتكئ على السيرة الذاتية، فهو كاتب واقعي قح، ودور المخيلة في سرده محدود. والقناع لديه له ملامح تكاد تكون ثابتة وأثيرية، وهي: البطل الضد، المهزوم، المغترب، العاجز عن الفعل، والذي لديه رغبة في المشاركة لكنه غير قادر عليها؛ لذلك يظل عالمه محدودًا.
ولتوضيح الفكرة، فإننا لو نظرنا إلى نجيب محفوظ، أو يوسف إدريس، أو يحيى حقي، لوجدنا أعمالهم تقتحم مناطق جديدة طوال الوقت؛ فمحفوظ مثلًا كتب "الثلاثية" بشكل يختلف عن "ثرثرة فوق النيل"، وعن "المرايا"، و"الحرافيش"، و"أولاد حارتنا"، و"السمان والخريف"، وصولًا إلى قصته القصيرة "اللعب تحت المطر". هكذا نجد جرأة في اقتحام مناطق مجهولة، ولذلك ثمة ثراء فادح في تجاربهم.
أما بهاء طاهر، فقد لعب على قناع الرجل المأزوم الذي يتباكى طوال السرد، حتى بدا وكأنه يؤدي دورًا ميلودراميًّا تفيض منه الدموع دائمًا. لذلك، لم يكن النزح من خزان السيرة الذاتية داخل النص إضافة تُذكر؛ فقد رأينا هذا الرجل قبل ذلك في كثير من أعماله؛ كالشخص المغترب التعس في "قالت ضحى" وفي "بالأمس حلمت بك". وكان من الضروري أن يُحجِّم الكاتب سيرته الذاتية لصالح شبكة علاقات جديدة تحمي الفكرة الأساسية، وهي التضامن الإنساني العالمي من خلال شخوص من لحم ودم.
لكنه اكتفى بسرد تقريري عن مآسٍ عالمية في إفريقيا وتشيلي ولبنان، وحتى الشخوص المصرية، مثل شخصية "إبراهيم" والصحفي "يوسف"، كانت شخوصًا نمطية بلا عمق؛ فالماركسي جامد عقائديًّا، منحل أخلاقيًّا، وعدمي متحجر العواطف. ويوسف، الطالب الثوري النقي خريج الإعلام، انتهى به الحال تابعًا للأمير الخليجي "حامد".
إن الفصل بين الكاتب والراوي يحرر الكاتب من صورته الذهنية؛ وأعتقد أن مشكلة هذا الارتباط الوثيق بالسيرة الذاتية جعلت الكاتب يظل طوال الرواية مهتمًّا ببناء صورة شخصية متخيلة عن الذات، لا ترتبط بالمسار السردي بقدر ارتباطها بصورة الكاتب التي يريد تصديرها للعامة.
ثانيًا: قناع الراوي وتناقضات الموقف السياسي
كان بهاء طاهر يعمل في هيئة الاستعلامات، وهي مؤسسة ذات طابع رسمي توجيهي، وكان من مؤسسي (البرنامج الثاني)، ومخرجًا إذاعيًّا قديرًا أخرج عددًا كبيرًا من الأعمال المسرحية العالمية، ومثقفًا كبيرًا. ثم اختلف مع سياسة السادات في أواخر السبعينيات بعد التطبيع مع إسرائيل، فترك مصر وعمل مترجمًا في الأمم المتحدة، وتزوج من سيدة رومانية تعيش في سويسرا بعد قصة حب.
وتتطابق شخصية الراوي مع هذا المسار مع اختلافات بسيطة؛ فالراوي (القناع) صحفي يعمل في صفحة الأخبار الخارجية، مؤمن بالقومية العربية وناصري حتى النخاع، وعضو فاعل في "الاتحاد الاشتراكي" الذي يقود سياسة النظام، ولم تظهر خلال الرواية أي تناقضات من أي نوع معه. بل إنه يشير إلى أنه وضع كتابًا عن عبد الناصر، ولم يشر مرة واحدة إلى ما حدث من هزائم في 67، أو في حرب اليمن، أو احتلال سيناء، أو المعتقلات والمسالخ التي كان يرعاها شمس بدران وحمزة البسيوني، ودولة المخابرات، والإخفاء القسري، والجرائم المرعبة التي ارتكبت ضد التيارات السياسية، وبخاصة جماعة الإخوان واليساريين.
وهل كان من الضروري أن يتذكر هذه الجرائم؟ نعم؛ فالراوي الذي لم يتضامن مع أحد من المصريين في محنتهم، نجده يتضامن مع العالم كله، ويدين جرائم العسكر بعد الانقلاب العسكري في تشيلي، ويروي قصصًا واقعية كقصة تعذيب "بيدرو" ومصرع شقيقه "فريدي"، وما حدث في مخيم "عين الحلوة" بجنوب لبنان، فضلاً عن تعاطفه مع لاجئي فيتنام.
بعد رحيل عبد الناصر عام 1970 وتولي السادات الحكم، وقيادته لحرب أكتوبر ثم عقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، حدث الخلاف ورفض الراوي سياسة التطبيع. ورغم ذلك لم يعتقله السادات كما فعل مع معظم التيارات السياسية في سبتمبر 1981؛ لأنه كان مجرد تقنّي بلا أنصار أو ظهير داخل "لوبي" مؤثر وفاعل. لقد كان فقط غير متوائم مع المرحلة الجديدة، فتم تهميشه وإزاحته قليلاً، وعُيِّن مستشارًا لرئيس تحرير الجريدة التي يعمل بها؛ صحيح أن لا أحد يستشيره، ولكن في النهاية هو رجل مسن، ومن الطبيعي أن تظهر أجيال جديدة مؤمنة بالسياسة الجديدة وأكثر قدرة على التعبير عن الوضع الراهن. (فهل من الطبيعي مثلًا أن يستمر قيادي إخواني أو ماركسي في قيادة صحيفة تبشر بالانفتاح، إلا بعد أن يبيع نفسه كما حدث لبعض القيادات الماركسية التي تخلت عن القضية؟).
ثالثًا: وهم المنفى وسيكولوجية الهروب
وظل الراوي آمنًا في مصر حتى تم فتح مكتب في أوروبا لتغطية الأحداث للجريدة، فقدم طلبًا لرئيس التحرير برغبته في تولي إدارة المكتب وقال: "أريد أن أهرب من مصر" بعد أن انفصل عن زوجته. وهنا نتساءل: هل تريد أن تترك البلد لأن السياسات لم تعد تعبر عن قناعاتك، أم بسبب الانفصال الزوجي؟ هناك تناقضات كبيرة في السرد ستكشف عن نفسها تباعًا.
والسؤال هنا: أين المنفى الذي يعاني منه هذا الصحفي؟ إن ما نعرفه عن المنفى هو الهروب القسري للناشط السياسي نتيجة التعرض للقهر من سلطة قمعية قاهرة خوفًا على حياته، وهذا لم يحدث هنا. فهل يعاني من أزمة مالية في الخارج؟ لا؛ إنه يتقاضى راتبه بالدولار. هل لديه أزمة روحية؟ أين تجلياتها؟ صديقه إبراهيم يقول له: "لماذا لا تعود إلى مصر؟"، فيجيب: "نعم لدي أولاد وحياة.. ولكن..." ثم يصمت ويراوغ. وبريجيت تقول له: "ما بك؟ ما الذي يجعلك بكل هذه التعاسة؟ لماذا تجلد ذاتك بدون مبرر؟"، فلا يرد أو يهرب من المكان.
إنها شخصية متمركزة حول ذاتها؛ بمجرد أن تتعرض لأي خطر –ولو كان بسيطًا– تنهار. ويكشف عن هذا الحوار الذي دار بينه وبين يوسف، عندما أخذ يوسف (الشاب) يحكي عن حياته في القاهرة، حيث كان والده يعمل مديرًا عامًّا في القطاع الحكومي ويتقاضى مرتبًا جيدًا في زمن عبد الناصر يضمن له حياة سعيدة ومستقرة، ثم أحيل إلى المعاش وارتفعت الأسعار مع سياسة الانفتاح، فأخذوا يعانون من ضيق العيش. ثم يروي كيف كان من أوائل الطلبة في كلية الإعلام، وكيف كان يكتب مقالات ويرسلها للصحف، وأصدر مجلة استخدم فيها أسلوب السخرية والتهكم نجحت في لفت الأنظار إليه. كان يوسف يمثل الثوري الطاهر البريء في مواجهة سلطة غاشمة تنحاز للإسلام السياسي وتقوم بحمايته، حيث استخدموا الجنازير والقبضات الحديدية في مواجهة الخصوم، ثم يتم اعتقاله، وعندما يخرج يسافر إلى الخارج ليعمل سائقًا لدى الأمير حامد، ثم يُكلف بعد ذلك بتأسيس صحيفة لصالح الأمير.
هنا يرد الراوي: "إذن ما يقوله إبراهيم المحلاوي صحيح".
فيرد يوسف: "لا، ليس صحيحًا، لقد قرأنا لكم وتعلمنا منكم، وعندما جاءت الفأس في الرأس لم نجدكم".
ولا أعرف لماذا قال "ليس صحيحًا" بينما الراوي يدعم كلام يوسف! يصدم الراوي ويدافع عن نفسه مبررًا: "وماذا كنت أستطيع أن أفعل في الفترة التي تتكلم عنها؟ كتبت كتابًا عن جمال عبد الناصر!".
وهو رد مرتبك لا علاقة له بالموضوع الذي يتحدث عنه الشاب؛ فالشاب يتحدث عن فترة نضاله أثناء حكم السادات، ويشعر بخيانة المثقف الذي تخلى عن أفكاره التي زرعها في نفوس الأجيال الجديدة خوفًا أو رغبة في المكاسب، ولكن الراوي يظل أسير الفترة الناصرية، لا يرى في المرآة سواها، ثم يعود إلى بريجيت ليشتكي لها.
إنه أشبه بشخصية "عيسى الدباغ" في رواية "السمان والخريف"؛ كلاهما كان منتميًا لنظام قديم، وحدث انقلاب على هذا النظام فتمت إزاحتهما من قِبل القائمين على النظام الجديد، وكلاهما تعرض للانهيار. لكن هل كان المكان الذي ذهب إليه الراوي طاردًا أو ذو مناخ قارص يعاني فيه من التنمر والقهر بما يجعل الحياة قاسية؟ بالعكس؛ فالراوي تطبع مع المكان بسهولة، ويستغرق في وصف جمالياته بحرفية وتمكن؛ الطبيعة الخلابة، الشوارع، المقاهي، والحوارات الذكية مع أهل المكان والمغتربين أمثاله. يلوذ دائمًا بالصمت، لا يفصح عن شيء، وإذا أُحرج ترك المكان وهرب؛ لأنه لا يوجد شيء حقيقي يدفعه لذلك، إنه يمثل دور التعاسة لا أكثر، أو لعل داخله رغبة دفينة في أن يظل في قلب السلطة؛ يمسك بالخيوط ويحرك مصائر البشر. الحقيقة أنه ليس هناك منفى على الإطلاق، ويأتي التناقض –برأيي– من القناع الذي يريد الكاتب أن يصنعه للراوي ليكون صوته؛ صوت البطل الرومانسي المهزوم الضائع الذي تظلله هالة من النبالة، والذي يقع دائمًا في فخاخ لا قدرة له على مجابهتها.
انفصاله عن زوجته "منار" يمثل قمة البؤس؛ فهناك علاقة حب كانت تربطهما، وتم الزواج وأنجبت منه خالد وهنادي. لكنه ركز في السرد على النيل منها عبر استعراض علاقتها بوالدها الذي كانت تشعر تجاهه بالعار؛ ولأسباب يذكرها الراوي تبدو سطحية. وكأن هذه السنوات الطويلة لم يحمل منها إلا لحظات الرومانسية وبداية الزواج، حيث كان يريد المرأة العاملة المثابرة القوية، وعندما يموت الأب تنقلب عداوتها له إلى محبة، وتحاول ترميم صورته برسم صورة متخيلة للأب القوي الحنون.
ثم يذكر الراوي أسباب الطلاق على لسانه؛ تارة يريد من منار أن تترك العمل وتهتم بالأطفال، وتارة أخرى يذكر سببًا نقيضًا؛ وهو أنها تريد أن تستحوذ على الأطفال وتمنعه من المشاركة في تربيتهم! وهنا يتجلى التناقض: هل تريد شراكة في تربيتهم، أم تريدها أن تتكفل بهم لأنك مشغول بالصحافة والاتحاد الاشتراكي؟ ثم لماذا لم تفرض حضورك كأب؟ وبعد الطلاق، يدخل غرفته كأرملة انخرطت في البكاء بعد فقد زوجها في الحرب. أين الصلابة النفسية هنا؟ ثم يتركها ويهرب مسافرًا إلى الخارج، تاركًا في عنقها وظيفة وطفلين تمثل تربيتهما حملًا ثقيلاً، ويكتفي بالاتصال الهاتفي كل فترة للاطمئنان عليهم.
وعندما يصل "خالد" إلى مرحلة المراهقة –وهي فترة شديدة الخطورة ينتاب الشاب فيها القلق والمثالية ويصطدم بالواقع الفاسد– يُصدم الراوي عندما يتصل بالأسرة فيجد مشكلة؛ والمشكلة هي أن خالد يرفض السماح لأخته بالذهاب إلى النادي الذي يرى فيه رمزًا من رموز الفساد. فماذا فعل الأب؟ صُدم ولم يستطع أن يستمع للشاب ويتفهم مشاعره وأفكاره، بل أصدر أمرًا ملزمًا بأن يترك أخته تذهب إلى النادي! ثم يتساءل مع إبراهيم: "ماذا حدث في مصر؟ ولماذا هذا الميل إلى التدين؟" دون أن يحاول جاهدًا أن يفهم لماذا يجذب الإسلام السياسي الشباب؛ لأنه ببساطة غير مهتم، على عكس الروائي فتحي غانم الذي ناقش هذه القضية بعمق في روايته الخالدة "الأفيال".
والسؤال هنا: هل هذا العاجز الذي تخلى عن أسرته قادر على التضامن الإنساني الكوني؟ ثم إنه أخذ يوحي لنا بوجود مشاكل مع إبراهيم، ولا نعرف أيضًا ما طبيعة المشكلة، وأعتقد أن إبراهيم هو الشخصية السوية الوحيدة المتصالحة مع ذاتها، وإن كان يشعر بالألم من الماضي، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمعتقل سياسي تم تشويهه.
في الصفحة 150، بعد أن يغرق في اللذة مع بريجيت، يناجي نفسه ويقول:
"من أكون؟ ها أنذا أعرف أخيرًا من أكون.. لست مهمًّا على الإطلاق، لم أكن مهمًّا في أي وقت.. ابن الفراش.. نائب رئيس التحرير.. دخلت بور سعيد.. صعدت جبال اليمن.. طظ.. طظ.. طظ.. ماذا فعلت بحياتك بعدها؟ عشت تتلذذ بتعذيب نفسك، لم تفعل حتى مثل ماريان، ولا مثل إبراهيم، ولا حتى مثل مولر.. واجهت الحرب الحقيقية فأسرعت تعقد صلحك المنفرد".
قد يعتقد القارئ أنه بعد هذا الكشف والمكاشفة سيزيل عن نفسه القناع الزائف الذي يحمله ويعيش واقعه الحقيقي، وأنه لا توجد مأساة في الموضوع، وأن الحياة طيبة هنا على الأقل وتتمتع بدرجة عالية من الآدمية؛ ولكن هيهات، فبعدها بوقت طويل ينحرف بالسرد ليلقي الضوء على علاقته بالأمير الخليجي حامد، الذي يريد إصداره صحيفة في أوروبا لتكون وسيلة للصراع مع شقيقه على الحكم، ويظهر نبل الراوي وكرامته من خلال رفضه هدية بقيمة عشرين ألف دولار منه، وهي تفصيلة لا أجد لها أي قيمة بنيوية أو فنية في الرواية.
رابعًا: تضفير الوثيقة وهيمنة الأيديولوجيا
إن استخدام الوثيقة، والمقال، والتقرير الصحفي في تضفير العمل السردي هو أمر مشروع؛ ومن أشهر من استخدم هذه التقنية الكاتب صنع الله إبراهيم، وكذلك إدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد في "لا أحد ينام في الإسكندرية". لكن استخدام هذه الأدوات محفوف بالمخاطر؛ لأنه من السهل ألا تندمج في النسيج الروائي، وتتحول في كثير من الأحوال إلى عبء على السرد؛ لأن الكاتب لن يحتاج سوى لنقل الكتابة أو اقتباسها المباشر.
ولذلك، استهلكت التقارير السياسية الصحفية والمقالات أكثر من 70 صفحة، تدور كلها حول حرب إسرائيل ضد لبنان عام 1982، والانقلاب العسكري في تشيلي. وكل هذه التقارير كانت تخص الضحايا وليس صانعي الجرائم (المثلث: إسرائيل، وأمريكا وحلفاؤها، والأنظمة العربية). لكن الكاتب لا يريد أن يتورط في فضح هذه الأنظمة، وخاصة النظام المصري؛ مع أن قرار السادات بعقد اتفاقية سلام منفردة وجه ضربة للتضامن العربي في مقتل وفتت الوحدة، فضلًا عن تورط الداخل اللبناني في التآمر على القضية الفلسطينية. ولا أرى أي ضرورة لاستخدام هذه المساحة من السرد في تقارير ميتة إلا استثمار التعاطف العربي مع القضية الفلسطينية.
هنا تبرز علاقة الأيديولوجيا بالأدب بوصفهما مرآة تبادلية؛ حيث يُعد الأدب أحد الحقول الأساسية لإعادة إنتاج الأيديولوجيا وتجسيدها جماليًّا، بينما تمنح الأيديولوجيا الأدب عمقًا فكريًّا ورؤية للعالم. ولكن الأيديولوجيا هنا طغت على الجانب الجمالي بشكل فج.
تبدو رواية بهاء طاهر في بنائها صارمة ومتقنة، مع أنها في الجوهر مهلهلة؛ والسبب الأساسي يكمن في الكاتب نفسه الذي لا يريد أن يصطدم بأحد، والحقيقة أنه ذكي استطاع كسب الجميع، وظلت كل الأنظمة والرؤساء تدلله. لقد حوَّل بهاء طاهر هجرته الطوعية إلى "استعارة للمنفى" ليضع نفسه في منطقة نقدية مريحة، واستمر في استغلال هذا المفهوم حتى في سيرته الذاتية اللاحقة.،" السيرة المنفي"
هناك نقطة مهمة؛ لقد بدأ الرواية بجملة مثيرة وصادمة يريد أن يجذب بها القارئ:
"اشتهيتها اشتهاء عاجز، كخوف الدنس مع المحارم.. كانت طفلة صغيرة وأنا كهل".
إنه إيحاء بالغوص في الجانب "الإيروتيكي" بين الكهل العجوز والطفلة (على غرار لوليتا)، ولكن حتى هذا الجانب لم يتم التعبير عنه بعمق، وجاء سطحيًّا وباردًا.
نقاد الرواية
نورد هنا بعض مقولات كبار النقاد عن الرواية كما جاءت في استقبالها الأول:
«رواية كاملة الأوصاف» – د. علي الراعي (الأهرام).
«نموذج جديد للرواية الواقعية» – د. شكري عياد (الهلال).
«رواية نسجها مؤلفها باقتدار كبير» – د. جابر عصفور (الحياة).
«كأني بهذا المبدع الكبير يريد أن يحفر في وجدان قارئه ما حدث.. حتى لا ينساه أبدًا» – فاروق عبد القادر (روزاليوسف).
«بهاء طاهر كاتب واضح مسيطر على مادته وأدواته. جديد في رؤيته ومتفرد في نوع أدائه. الصدق هو النبرة الأولى التي تصافحك في سطوره، والتوازن الموضوعي هو العلامة الواضحة التي يقيم عليها بناء نصوصه».
ينتمي بهاء طاهر إلى جيل الستينيات، وأصدر أربع مجموعات قصصية هي: (الخطوبة 1972 – بالأمس حلمت بك 1984 – أنا الملك جئت 1985 – ذهبت إلى شلال 1998)، وخمس روايات هي: (شرق النخيل 1985 – قالت ضحى 1985 – خالتي صفية والدير 1991 – الحب في المنفى 1995 – نقطة النور 2001)، وأربعة كتب تُعد بمثابة الهامش على هذا المركز الإبداعي الراسخ في القصة القصيرة والرواية، وهي على الترتيب: "عشر مسرحيات مصرية عرض ونقد"، "أبناء رفاعة: في الثقافة والحرية"، ترجمة رواية "ساحر الصحراء" للكاتب البرازيلي باولو كويلهو، و"في مديح الرواية".
وطوال مسيرته السردية، كان بهاء طاهر يختار عناوين مميزة ومعبرة لأعماله؛ وللعنوان أهمية بالغة في العمل الأدبي؛ لأنه العتبة الأولى التي تكتنز داخلها خلاصة مكثفة حدَّ التقطير لما يحمله النص من دلالات. والعنوان صنيعة الكاتب؛ ينجح بعض الكتاب في اختيار عناوين مناسبة، وآخرون يختارون الاسم لاعتبارات تجارية قد لا ترتبط بالمتن السردي أو الشعري، وبعضه يأتي بلا عمق، وهناك عناوين تُشكل فخًّا يخفي داخله خديعة كبيرة يقصد منها المؤلف عكس ما يبطنه السرد.
ومن هنا يأتي عنوان رواية بهاء طاهر "الحب في المنفى"، التي صدرت طبعتها الأولى عن "روايات الهلال"، وحصلت على جائزة أفضل رواية عام 1995، بالإضافة إلى جائزة إيطالية، وصُنفت ضمن أفضل مئة رواية رومانسية. هذا إلى جانب غلافٍ يضفي قيمة ثورية ونضالية وأخلاقية على الرواية، ليؤكد انحيازه للقضية الفلسطينية؛ من خلال لوحة للفنان ناجي العلي تمثل الطفل "حنظلة" واقفًا يضع يديه خلف ظهره، ومُوَلِّيًا ظهره لجميع من فرطوا في القضية الفلسطينية، قبل أن يتم تغيير هذا الغلاف في الطبعات التالية.
أولًا: جدلية الغلاف والسيرة الذاتية
هل كان الغلاف معبرًا عن النص، أم كان استثمارًا لقضية نبيلة وتوظيفًا لها لصالح إضفاء قيمة أخلاقية وانحياز للمقهورين؟ وهل العنوان معبر فعلاً عن السياق السردي للراوي؟ وهل الراوي مجرد قناع للسيرة الذاتية للكاتب بهاء طاهر، الذي تتقاطع أحداث حياته مع أحداث حياة الراوي؟
قناعتي الشخصية أن الراوي مجرد قناع للكاتب؛ لأن من طبيعة بهاء طاهر في معظم أعماله أن يتكئ على السيرة الذاتية، فهو كاتب واقعي قح، ودور المخيلة في سرده محدود. والقناع لديه له ملامح تكاد تكون ثابتة وأثيرية، وهي: البطل الضد، المهزوم، المغترب، العاجز عن الفعل، والذي لديه رغبة في المشاركة لكنه غير قادر عليها؛ لذلك يظل عالمه محدودًا.
ولتوضيح الفكرة، فإننا لو نظرنا إلى نجيب محفوظ، أو يوسف إدريس، أو يحيى حقي، لوجدنا أعمالهم تقتحم مناطق جديدة طوال الوقت؛ فمحفوظ مثلًا كتب "الثلاثية" بشكل يختلف عن "ثرثرة فوق النيل"، وعن "المرايا"، و"الحرافيش"، و"أولاد حارتنا"، و"السمان والخريف"، وصولًا إلى قصته القصيرة "اللعب تحت المطر". هكذا نجد جرأة في اقتحام مناطق مجهولة، ولذلك ثمة ثراء فادح في تجاربهم.
أما بهاء طاهر، فقد لعب على قناع الرجل المأزوم الذي يتباكى طوال السرد، حتى بدا وكأنه يؤدي دورًا ميلودراميًّا تفيض منه الدموع دائمًا. لذلك، لم يكن النزح من خزان السيرة الذاتية داخل النص إضافة تُذكر؛ فقد رأينا هذا الرجل قبل ذلك في كثير من أعماله؛ كالشخص المغترب التعس في "قالت ضحى" وفي "بالأمس حلمت بك". وكان من الضروري أن يُحجِّم الكاتب سيرته الذاتية لصالح شبكة علاقات جديدة تحمي الفكرة الأساسية، وهي التضامن الإنساني العالمي من خلال شخوص من لحم ودم.
لكنه اكتفى بسرد تقريري عن مآسٍ عالمية في إفريقيا وتشيلي ولبنان، وحتى الشخوص المصرية، مثل شخصية "إبراهيم" والصحفي "يوسف"، كانت شخوصًا نمطية بلا عمق؛ فالماركسي جامد عقائديًّا، منحل أخلاقيًّا، وعدمي متحجر العواطف. ويوسف، الطالب الثوري النقي خريج الإعلام، انتهى به الحال تابعًا للأمير الخليجي "حامد".
إن الفصل بين الكاتب والراوي يحرر الكاتب من صورته الذهنية؛ وأعتقد أن مشكلة هذا الارتباط الوثيق بالسيرة الذاتية جعلت الكاتب يظل طوال الرواية مهتمًّا ببناء صورة شخصية متخيلة عن الذات، لا ترتبط بالمسار السردي بقدر ارتباطها بصورة الكاتب التي يريد تصديرها للعامة.
ثانيًا: قناع الراوي وتناقضات الموقف السياسي
كان بهاء طاهر يعمل في هيئة الاستعلامات، وهي مؤسسة ذات طابع رسمي توجيهي، وكان من مؤسسي (البرنامج الثاني)، ومخرجًا إذاعيًّا قديرًا أخرج عددًا كبيرًا من الأعمال المسرحية العالمية، ومثقفًا كبيرًا. ثم اختلف مع سياسة السادات في أواخر السبعينيات بعد التطبيع مع إسرائيل، فترك مصر وعمل مترجمًا في الأمم المتحدة، وتزوج من سيدة رومانية تعيش في سويسرا بعد قصة حب.
وتتطابق شخصية الراوي مع هذا المسار مع اختلافات بسيطة؛ فالراوي (القناع) صحفي يعمل في صفحة الأخبار الخارجية، مؤمن بالقومية العربية وناصري حتى النخاع، وعضو فاعل في "الاتحاد الاشتراكي" الذي يقود سياسة النظام، ولم تظهر خلال الرواية أي تناقضات من أي نوع معه. بل إنه يشير إلى أنه وضع كتابًا عن عبد الناصر، ولم يشر مرة واحدة إلى ما حدث من هزائم في 67، أو في حرب اليمن، أو احتلال سيناء، أو المعتقلات والمسالخ التي كان يرعاها شمس بدران وحمزة البسيوني، ودولة المخابرات، والإخفاء القسري، والجرائم المرعبة التي ارتكبت ضد التيارات السياسية، وبخاصة جماعة الإخوان واليساريين.
وهل كان من الضروري أن يتذكر هذه الجرائم؟ نعم؛ فالراوي الذي لم يتضامن مع أحد من المصريين في محنتهم، نجده يتضامن مع العالم كله، ويدين جرائم العسكر بعد الانقلاب العسكري في تشيلي، ويروي قصصًا واقعية كقصة تعذيب "بيدرو" ومصرع شقيقه "فريدي"، وما حدث في مخيم "عين الحلوة" بجنوب لبنان، فضلاً عن تعاطفه مع لاجئي فيتنام.
بعد رحيل عبد الناصر عام 1970 وتولي السادات الحكم، وقيادته لحرب أكتوبر ثم عقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، حدث الخلاف ورفض الراوي سياسة التطبيع. ورغم ذلك لم يعتقله السادات كما فعل مع معظم التيارات السياسية في سبتمبر 1981؛ لأنه كان مجرد تقنّي بلا أنصار أو ظهير داخل "لوبي" مؤثر وفاعل. لقد كان فقط غير متوائم مع المرحلة الجديدة، فتم تهميشه وإزاحته قليلاً، وعُيِّن مستشارًا لرئيس تحرير الجريدة التي يعمل بها؛ صحيح أن لا أحد يستشيره، ولكن في النهاية هو رجل مسن، ومن الطبيعي أن تظهر أجيال جديدة مؤمنة بالسياسة الجديدة وأكثر قدرة على التعبير عن الوضع الراهن. (فهل من الطبيعي مثلًا أن يستمر قيادي إخواني أو ماركسي في قيادة صحيفة تبشر بالانفتاح، إلا بعد أن يبيع نفسه كما حدث لبعض القيادات الماركسية التي تخلت عن القضية؟).
ثالثًا: وهم المنفى وسيكولوجية الهروب
وظل الراوي آمنًا في مصر حتى تم فتح مكتب في أوروبا لتغطية الأحداث للجريدة، فقدم طلبًا لرئيس التحرير برغبته في تولي إدارة المكتب وقال: "أريد أن أهرب من مصر" بعد أن انفصل عن زوجته. وهنا نتساءل: هل تريد أن تترك البلد لأن السياسات لم تعد تعبر عن قناعاتك، أم بسبب الانفصال الزوجي؟ هناك تناقضات كبيرة في السرد ستكشف عن نفسها تباعًا.
والسؤال هنا: أين المنفى الذي يعاني منه هذا الصحفي؟ إن ما نعرفه عن المنفى هو الهروب القسري للناشط السياسي نتيجة التعرض للقهر من سلطة قمعية قاهرة خوفًا على حياته، وهذا لم يحدث هنا. فهل يعاني من أزمة مالية في الخارج؟ لا؛ إنه يتقاضى راتبه بالدولار. هل لديه أزمة روحية؟ أين تجلياتها؟ صديقه إبراهيم يقول له: "لماذا لا تعود إلى مصر؟"، فيجيب: "نعم لدي أولاد وحياة.. ولكن..." ثم يصمت ويراوغ. وبريجيت تقول له: "ما بك؟ ما الذي يجعلك بكل هذه التعاسة؟ لماذا تجلد ذاتك بدون مبرر؟"، فلا يرد أو يهرب من المكان.
إنها شخصية متمركزة حول ذاتها؛ بمجرد أن تتعرض لأي خطر –ولو كان بسيطًا– تنهار. ويكشف عن هذا الحوار الذي دار بينه وبين يوسف، عندما أخذ يوسف (الشاب) يحكي عن حياته في القاهرة، حيث كان والده يعمل مديرًا عامًّا في القطاع الحكومي ويتقاضى مرتبًا جيدًا في زمن عبد الناصر يضمن له حياة سعيدة ومستقرة، ثم أحيل إلى المعاش وارتفعت الأسعار مع سياسة الانفتاح، فأخذوا يعانون من ضيق العيش. ثم يروي كيف كان من أوائل الطلبة في كلية الإعلام، وكيف كان يكتب مقالات ويرسلها للصحف، وأصدر مجلة استخدم فيها أسلوب السخرية والتهكم نجحت في لفت الأنظار إليه. كان يوسف يمثل الثوري الطاهر البريء في مواجهة سلطة غاشمة تنحاز للإسلام السياسي وتقوم بحمايته، حيث استخدموا الجنازير والقبضات الحديدية في مواجهة الخصوم، ثم يتم اعتقاله، وعندما يخرج يسافر إلى الخارج ليعمل سائقًا لدى الأمير حامد، ثم يُكلف بعد ذلك بتأسيس صحيفة لصالح الأمير.
هنا يرد الراوي: "إذن ما يقوله إبراهيم المحلاوي صحيح".
فيرد يوسف: "لا، ليس صحيحًا، لقد قرأنا لكم وتعلمنا منكم، وعندما جاءت الفأس في الرأس لم نجدكم".
ولا أعرف لماذا قال "ليس صحيحًا" بينما الراوي يدعم كلام يوسف! يصدم الراوي ويدافع عن نفسه مبررًا: "وماذا كنت أستطيع أن أفعل في الفترة التي تتكلم عنها؟ كتبت كتابًا عن جمال عبد الناصر!".
وهو رد مرتبك لا علاقة له بالموضوع الذي يتحدث عنه الشاب؛ فالشاب يتحدث عن فترة نضاله أثناء حكم السادات، ويشعر بخيانة المثقف الذي تخلى عن أفكاره التي زرعها في نفوس الأجيال الجديدة خوفًا أو رغبة في المكاسب، ولكن الراوي يظل أسير الفترة الناصرية، لا يرى في المرآة سواها، ثم يعود إلى بريجيت ليشتكي لها.
إنه أشبه بشخصية "عيسى الدباغ" في رواية "السمان والخريف"؛ كلاهما كان منتميًا لنظام قديم، وحدث انقلاب على هذا النظام فتمت إزاحتهما من قِبل القائمين على النظام الجديد، وكلاهما تعرض للانهيار. لكن هل كان المكان الذي ذهب إليه الراوي طاردًا أو ذو مناخ قارص يعاني فيه من التنمر والقهر بما يجعل الحياة قاسية؟ بالعكس؛ فالراوي تطبع مع المكان بسهولة، ويستغرق في وصف جمالياته بحرفية وتمكن؛ الطبيعة الخلابة، الشوارع، المقاهي، والحوارات الذكية مع أهل المكان والمغتربين أمثاله. يلوذ دائمًا بالصمت، لا يفصح عن شيء، وإذا أُحرج ترك المكان وهرب؛ لأنه لا يوجد شيء حقيقي يدفعه لذلك، إنه يمثل دور التعاسة لا أكثر، أو لعل داخله رغبة دفينة في أن يظل في قلب السلطة؛ يمسك بالخيوط ويحرك مصائر البشر. الحقيقة أنه ليس هناك منفى على الإطلاق، ويأتي التناقض –برأيي– من القناع الذي يريد الكاتب أن يصنعه للراوي ليكون صوته؛ صوت البطل الرومانسي المهزوم الضائع الذي تظلله هالة من النبالة، والذي يقع دائمًا في فخاخ لا قدرة له على مجابهتها.
انفصاله عن زوجته "منار" يمثل قمة البؤس؛ فهناك علاقة حب كانت تربطهما، وتم الزواج وأنجبت منه خالد وهنادي. لكنه ركز في السرد على النيل منها عبر استعراض علاقتها بوالدها الذي كانت تشعر تجاهه بالعار؛ ولأسباب يذكرها الراوي تبدو سطحية. وكأن هذه السنوات الطويلة لم يحمل منها إلا لحظات الرومانسية وبداية الزواج، حيث كان يريد المرأة العاملة المثابرة القوية، وعندما يموت الأب تنقلب عداوتها له إلى محبة، وتحاول ترميم صورته برسم صورة متخيلة للأب القوي الحنون.
ثم يذكر الراوي أسباب الطلاق على لسانه؛ تارة يريد من منار أن تترك العمل وتهتم بالأطفال، وتارة أخرى يذكر سببًا نقيضًا؛ وهو أنها تريد أن تستحوذ على الأطفال وتمنعه من المشاركة في تربيتهم! وهنا يتجلى التناقض: هل تريد شراكة في تربيتهم، أم تريدها أن تتكفل بهم لأنك مشغول بالصحافة والاتحاد الاشتراكي؟ ثم لماذا لم تفرض حضورك كأب؟ وبعد الطلاق، يدخل غرفته كأرملة انخرطت في البكاء بعد فقد زوجها في الحرب. أين الصلابة النفسية هنا؟ ثم يتركها ويهرب مسافرًا إلى الخارج، تاركًا في عنقها وظيفة وطفلين تمثل تربيتهما حملًا ثقيلاً، ويكتفي بالاتصال الهاتفي كل فترة للاطمئنان عليهم.
وعندما يصل "خالد" إلى مرحلة المراهقة –وهي فترة شديدة الخطورة ينتاب الشاب فيها القلق والمثالية ويصطدم بالواقع الفاسد– يُصدم الراوي عندما يتصل بالأسرة فيجد مشكلة؛ والمشكلة هي أن خالد يرفض السماح لأخته بالذهاب إلى النادي الذي يرى فيه رمزًا من رموز الفساد. فماذا فعل الأب؟ صُدم ولم يستطع أن يستمع للشاب ويتفهم مشاعره وأفكاره، بل أصدر أمرًا ملزمًا بأن يترك أخته تذهب إلى النادي! ثم يتساءل مع إبراهيم: "ماذا حدث في مصر؟ ولماذا هذا الميل إلى التدين؟" دون أن يحاول جاهدًا أن يفهم لماذا يجذب الإسلام السياسي الشباب؛ لأنه ببساطة غير مهتم، على عكس الروائي فتحي غانم الذي ناقش هذه القضية بعمق في روايته الخالدة "الأفيال".
والسؤال هنا: هل هذا العاجز الذي تخلى عن أسرته قادر على التضامن الإنساني الكوني؟ ثم إنه أخذ يوحي لنا بوجود مشاكل مع إبراهيم، ولا نعرف أيضًا ما طبيعة المشكلة، وأعتقد أن إبراهيم هو الشخصية السوية الوحيدة المتصالحة مع ذاتها، وإن كان يشعر بالألم من الماضي، وهو أمر طبيعي بالنسبة لمعتقل سياسي تم تشويهه.
في الصفحة 150، بعد أن يغرق في اللذة مع بريجيت، يناجي نفسه ويقول:
"من أكون؟ ها أنذا أعرف أخيرًا من أكون.. لست مهمًّا على الإطلاق، لم أكن مهمًّا في أي وقت.. ابن الفراش.. نائب رئيس التحرير.. دخلت بور سعيد.. صعدت جبال اليمن.. طظ.. طظ.. طظ.. ماذا فعلت بحياتك بعدها؟ عشت تتلذذ بتعذيب نفسك، لم تفعل حتى مثل ماريان، ولا مثل إبراهيم، ولا حتى مثل مولر.. واجهت الحرب الحقيقية فأسرعت تعقد صلحك المنفرد".
قد يعتقد القارئ أنه بعد هذا الكشف والمكاشفة سيزيل عن نفسه القناع الزائف الذي يحمله ويعيش واقعه الحقيقي، وأنه لا توجد مأساة في الموضوع، وأن الحياة طيبة هنا على الأقل وتتمتع بدرجة عالية من الآدمية؛ ولكن هيهات، فبعدها بوقت طويل ينحرف بالسرد ليلقي الضوء على علاقته بالأمير الخليجي حامد، الذي يريد إصداره صحيفة في أوروبا لتكون وسيلة للصراع مع شقيقه على الحكم، ويظهر نبل الراوي وكرامته من خلال رفضه هدية بقيمة عشرين ألف دولار منه، وهي تفصيلة لا أجد لها أي قيمة بنيوية أو فنية في الرواية.
رابعًا: تضفير الوثيقة وهيمنة الأيديولوجيا
إن استخدام الوثيقة، والمقال، والتقرير الصحفي في تضفير العمل السردي هو أمر مشروع؛ ومن أشهر من استخدم هذه التقنية الكاتب صنع الله إبراهيم، وكذلك إدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد في "لا أحد ينام في الإسكندرية". لكن استخدام هذه الأدوات محفوف بالمخاطر؛ لأنه من السهل ألا تندمج في النسيج الروائي، وتتحول في كثير من الأحوال إلى عبء على السرد؛ لأن الكاتب لن يحتاج سوى لنقل الكتابة أو اقتباسها المباشر.
ولذلك، استهلكت التقارير السياسية الصحفية والمقالات أكثر من 70 صفحة، تدور كلها حول حرب إسرائيل ضد لبنان عام 1982، والانقلاب العسكري في تشيلي. وكل هذه التقارير كانت تخص الضحايا وليس صانعي الجرائم (المثلث: إسرائيل، وأمريكا وحلفاؤها، والأنظمة العربية). لكن الكاتب لا يريد أن يتورط في فضح هذه الأنظمة، وخاصة النظام المصري؛ مع أن قرار السادات بعقد اتفاقية سلام منفردة وجه ضربة للتضامن العربي في مقتل وفتت الوحدة، فضلًا عن تورط الداخل اللبناني في التآمر على القضية الفلسطينية. ولا أرى أي ضرورة لاستخدام هذه المساحة من السرد في تقارير ميتة إلا استثمار التعاطف العربي مع القضية الفلسطينية.
هنا تبرز علاقة الأيديولوجيا بالأدب بوصفهما مرآة تبادلية؛ حيث يُعد الأدب أحد الحقول الأساسية لإعادة إنتاج الأيديولوجيا وتجسيدها جماليًّا، بينما تمنح الأيديولوجيا الأدب عمقًا فكريًّا ورؤية للعالم. ولكن الأيديولوجيا هنا طغت على الجانب الجمالي بشكل فج.
تبدو رواية بهاء طاهر في بنائها صارمة ومتقنة، مع أنها في الجوهر مهلهلة؛ والسبب الأساسي يكمن في الكاتب نفسه الذي لا يريد أن يصطدم بأحد، والحقيقة أنه ذكي استطاع كسب الجميع، وظلت كل الأنظمة والرؤساء تدلله. لقد حوَّل بهاء طاهر هجرته الطوعية إلى "استعارة للمنفى" ليضع نفسه في منطقة نقدية مريحة، واستمر في استغلال هذا المفهوم حتى في سيرته الذاتية اللاحقة.،" السيرة المنفي"
هناك نقطة مهمة؛ لقد بدأ الرواية بجملة مثيرة وصادمة يريد أن يجذب بها القارئ:
"اشتهيتها اشتهاء عاجز، كخوف الدنس مع المحارم.. كانت طفلة صغيرة وأنا كهل".
إنه إيحاء بالغوص في الجانب "الإيروتيكي" بين الكهل العجوز والطفلة (على غرار لوليتا)، ولكن حتى هذا الجانب لم يتم التعبير عنه بعمق، وجاء سطحيًّا وباردًا.
نقاد الرواية
نورد هنا بعض مقولات كبار النقاد عن الرواية كما جاءت في استقبالها الأول:
«رواية كاملة الأوصاف» – د. علي الراعي (الأهرام).
«نموذج جديد للرواية الواقعية» – د. شكري عياد (الهلال).
«رواية نسجها مؤلفها باقتدار كبير» – د. جابر عصفور (الحياة).
«كأني بهذا المبدع الكبير يريد أن يحفر في وجدان قارئه ما حدث.. حتى لا ينساه أبدًا» – فاروق عبد القادر (روزاليوسف).
«بهاء طاهر كاتب واضح مسيطر على مادته وأدواته. جديد في رؤيته ومتفرد في نوع أدائه. الصدق هو النبرة الأولى التي تصافحك في سطوره، والتوازن الموضوعي هو العلامة الواضحة التي يقيم عليها بناء نصوصه».