عبدالرزاق دحنون - الحياة والموت في المدن المنسية

أمام النعش الذي سجّي عليه جثمان عالم الأجناس الألماني يوليوس ليبس تحدّث عميد كلية الفلسفة في جامعة لايبزغ البروفيسور أنطون أرنولد قائلاً: كلّ إنسان فانٍ، ولكن الأمانة التي أثبتها في أعماله، تظلّ خالدة. ونظراً لأن: كلُّ نفس ذائقةُ الموت ؛كما جاء في القرآن الكريم، فلا عجب أن يحكي البشر عن الموت في حلهم وترحالهم ويكتبون الكثير من الأشعار والقصص والروايات منذ آلاف السنين. بل وراحوا يُخلدوّن جثامين موتاهم في مدوّنات حجريّة مشهورة مثل تاج محل في أغرة بأوتار برادش بالهند، أو أهرامات الجيزة في مصر، أو المدافن الهرميّة في المدن المنسيّة في جبل الزاوية في الشمال الغربي من سوريّة.

سوف نموت، لا شكّ في ذلك، مهما بلغت قوتنا، ومهما بلغ تضرعنا وصلواتنا، الموت من طبيعة الحياة. يُذكّرنا الكندي -فيلسوف العرب الأول- يعقوب بن إسحاق. فيقول: نعتقد بأنّه لا شيء أسوأ من الموت، لكن الموت ليس شرّاً، وإنّما الشرُّ هو الخوفُ من الموت؛ لأنّ الموتَ تمامٌ لطبيعتنا، ودون الموت لن يوجد إنسان أبداً؛ لأنّه إن لم يمت لم يكن إنساناً، ولخرج عن طبيعته الإنسانيّة. وأبو عبادة البحتري، أحد أبرز شعراء العصر العباسي، يقول:ليس من مات فاستراح بميت/إنما الميت ميت الأحياء.

والواقع أن الغالبية العظمى من الناس يدركون اقتراب موتهم. وقد كان لديهم الكثير من الوقت للتفكير في الأمر. ومع ذلك، يظلّ الموت لغزاً عظيماً. ذلك الحجاب الذي لا يستطيع أحد أن يطلع من ورائه. نظراً لمدى رهبة الموت وعدم معرفته، فلا عجب أننا نتحدث عنه كثيراً. ومن الإنصاف أن نفترض بأنّ جميع أديان العالم تقريباً هي، إلى حد ما، استجابة للموت. الحقيقة الوحيدة التي نعرفها هي أننا سنموت. وهذه الحقيقة هي التي كانت تشكّل أهميّة بالغة بالنسبة إلى سكان مدينة البارة الأثريّة من المدن المنسيّة التي ازدهرت في العهدين الرومانيّ والبيزنطيّ في جبل الزاوية في الشمال الغربي من سوريّة. أكتشف اسم مدينة البارة العلامة الأمريكي برنتيس عام 1905 على حجر قرب أحد أزقتها في ركن يُدعى الدير نُقشت عليه كتابة باللغة اليونانية وتعريب النصّ: حدود كنيسة مريم البتول في أرض كبرو بيرو Kapro Pera

ولأننا لا نعرف ماذا يحدث بعد الموت، ولأننا نواجه احتمال ألا يكون هناك شيئاً، فإننا نلجأ إلى الحياة بنوع من الطاقة الحيوية. إن اقتراب الموت يعطي الزخم لوجودنا الفاني. وهو ما يدفعنا إلى محاولة إنجاز الأشياء مدفوعة بطول العمر المحدود الذي نتمتع به. فماذا فعل سكان المدن المنسيّة تلك الأيام؟

تخيّل محاولة إعادة بناء تاريخ مدينة ما بدراسة أقدم مبانيها الباقية فقط. لا يمكنك مشاهدة من بناها، ولا يمكنك مقابلة المهندسين المعماريين، فكل ما لديك هو المباني نفسها، وموادها، وتصميمها، والدلائل الدقيقة الكامنة في نسيجها. المدافن الرومانيّة البيزنطيّة في خرائب مدينة البارة ليس مرآة للراحلين فقط-مُدونات حجرية- مع أنها كذلك، بل هي وثيقة اجتماعية أيضاً، يحررها الأحياء-أهل الميت- ويكتبون فيها سير الراحلين. ونحن بالتأكيد لا ندرس الموتى كي نفهم الموت، بل كي نفهم الأحياء عبر ما يفعلونه بموتاهم.

تمعَّن في صورة المدفن ثمّ اقترب من هذا الصرح المذهل في تفاصيله النحتية وعمارته المتقنة -في مدينة البارة الأثريّة العديد من المدافن الهرميّة- والذي صمد في وجه عاديات الزمان والزلازل التي ضربت منطقة المدن المنسيّة في قديم الزمان، ولكن ها هو باق في شموخ لأكثر من ألف وخمسمئة عام: /وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا/ القرآن - سورة المرسلات – من الآية السابعة والعشرين. وحين تخطت قدمي اليمنىى عتبة بابه المفتوح والمشرع للريح، وكان الوقت صيفاً حاراً، شعرت ببرودة عجيبة تسكن المدفن، ولجت إلى الداخل، فأنعشتني برودة خفيفة تلامس الروح، نعم، نحن في حضرة الأرواح، فوقفت خاشعاً أتأمّل ما تركه الأموات للأحياء.

مدينة البارة الأثرية في جبل الزاوية محافظة إدلب في الشمال الغربي من سورية:

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى