عبدالرحيم الخصار - "صورة مع غرباء من العائلة " لفدوى الزياني

في كتابها الشعري الجديد "صورة مع غرباء من العائلة" الصادر حديثاً ضمن منشورات المتوسط ، تضع الشاعرة المغربية فدوى الزياني تجربتها في الحياة على الورق، وتنقل إلى القارئ فصولاً من مأساتها، هي التي أُخرجت من المدرسة بعد اربعة أعوام فقط من التعليم، وحرصت على أن تعلم نفسها بنفسها، إلى أن ملكت اللغة التي تكتب بها اليوم قصائد تتسم بالعمق والراهنية.

FB_IMG_1780267078931.jpg

تكتب فدوى الزياني من مناطق الاحتدامات النفسية القصوى، من مهاوي الوجود وكهوفه المعتمة. ويبدو للقارئ كما لو أنها في عراك مع اللغة من أجل تطويعها وترويضها على نقل التوتر والاشتباك والقلق والرعب بأقل كلمات ممكنة. وهي إذ تتوسل الكثافة اللغوية تروم في المقابل أن يتحقق الامتداد لدى المتلقي، وألا يقف بالتالي في منطقة الحياد، وألا يختزل تفاعله النفسي في التعاطف مع الشاعرة. بل تريده أن يكون شاهداً على فداحة العالم وعلى قسوة الإنسان، الإنسان الذي تسميه في أحد نصوصها "الشر المطلق".

يغدو الشعر عند فدوى الزياني آلية إسقاط تُحوّل الاحتدامات النفسية إلى مركّبات استعارية تتوخى منها الوصول بالقارئ إلى حالة التطابق النفسي، إذ يصبح النص ترجمة لتجارب المتلقي ومشاعره. يجد القارئ نفسه هناك في الحالة السيكولوجية ذاتها التي جسدتها الشاعرة. إنها تريد أن تصل بالتفاعل العصبي إلى ذروة الاستجابات.

يؤدي الشعر عند الزياني وظيفة أساسية سماها إميل سيوران "مغالبة الخواء الداخلي" أو "ممارسة أحلام اليقظة" بحسب تعبير غاستون باشلار. ترفع الشاعرة من حين لآخر يافطة اليأس في وجوهنا، لكنها في المقابل تخفي يافطة صغيرة للأمل. إنها تحلم بعيون مفتوحة، وهي تقاوم الأحاسيس الدفينة المرتبطة بالفراغ الوجداني والروحي.

تبدو الكتابة في "صورة مع غرباء من العائلة" كما لو أنها إدانة للعالم وتصفية حساب مع كائناته. وتبدو الشاعرة طفلة تحمل لافتة احتجاج كبيرة وتقف بمفردها في الشارع العام. إنها بحسب وصفها لنفسها "عظْمة صغيرة" في مواجهة "غدر العالَم".

*من مقالي اليوم في اندبندنت عربية عن الكتاب الشعري الجديد لفدوى الزياني.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى