بين الإنجازات الدبلوماسية وحقوق العمال: أين يقف العامل الفلسطيني اليوم؟

بين الإنجازات الدبلوماسية وحقوق العمال: أين يقف العامل الفلسطيني اليوم؟

قراءة في الواقع العمالي الفلسطيني بين التمثيل الدولي ومتطلبات الحماية الاجتماعية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

أثار الإعلان عن حصول دولة فلسطين على مكانة متقدمة في منظمة العمل الدولية ترحيباً من العديد من الأوساط الرسمية والنقابية، واعتبره البعض إنجازاً مهماً للحركة العمالية الفلسطينية وللحضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية. ولا شك أن تعزيز المكانة القانونية والسياسية لفلسطين على الساحة الدولية يمثل مكسباً وطنياً يستحق التقدير، خاصة في ظل المعركة السياسية والدبلوماسية التي تخوضها فلسطين من أجل تثبيت حقوقها الوطنية وانتزاع اعتراف أوسع بمؤسساتها وحقوق شعبها.

غير أن أهمية أي إنجاز سياسي أو دبلوماسي تبقى مرتبطة بمدى انعكاسه على حياة المواطن الفلسطيني، وبصورة خاصة على واقع العمال الذين يشكلون إحدى أكثر الفئات تضرراً من الأزمات السياسية والاقتصادية المتلاحقة.

فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس حول أهمية التمثيل الفلسطيني في منظمة العمل الدولية، وإنما حول قدرة هذا التمثيل على ترجمة المكاسب السياسية إلى نتائج عملية تحمي العامل الفلسطيني وتوفر له الأمن الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي.

أزمة عمالية غير مسبوقة

تشهد الأراضي الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية منذ عقود، حيث فقد عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين فرص عملهم داخل إسرائيل، فيما ارتفعت معدلات البطالة والفقر بصورة غير مسبوقة، وتراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد.

وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان العمال الفلسطينيون العاملون داخل إسرائيل والمستوطنات يشكلون أحد أهم روافد الاقتصاد الفلسطيني، حيث كانت دخولهم السنوية تقدر بنحو 18 مليار شيكل، وهو رقم يفوق في تأثيره العديد من الموارد المالية المتاحة للسلطة الفلسطينية.

هذه الأموال لم تكن مجرد رواتب فردية، بل كانت تمثل محركاً رئيسياً لعجلة الاقتصاد الوطني، إذ كانت تنعش الأسواق التجارية، وتحرك قطاعات الخدمات والنقل والإسكان، وتولد إيرادات ضريبية وجمركية تعود بالنفع على الخزينة العامة، الأمر الذي جعل قطاع العمال أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين.

ومن هنا فإن الأزمة الحالية لا تقتصر على فقدان فرص العمل فحسب، بل تمتد إلى مجمل البنية الاقتصادية الفلسطينية، حيث أدى غياب هذا التدفق المالي إلى حالة من الركود والانكماش انعكست على مختلف القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدمية.

الاقتصاد الفلسطيني: منظومة مترابطة لا يمكن تجزئتها

أثبتت التجربة الفلسطينية أن الاقتصاد لا يمكن التعامل معه بمنطق الملفات المنفصلة. فالأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية ليست فقط نتيجة احتجاز أموال المقاصة أو تراجع المساعدات الخارجية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لتراجع النشاط الاقتصادي وانكماش سوق العمل.

إن أي استراتيجية وطنية للتعافي الاقتصادي يجب أن تنظر إلى العلاقة العضوية بين العمال والتجارة والاستثمار والإيرادات العامة. ولذلك فإن معالجة أزمة الرواتب أو المقاصة بمعزل عن معالجة أزمة البطالة لن تؤدي إلى نتائج مستدامة، لأن الدورة الاقتصادية بأكملها تعتمد على وجود دخل حقيقي لدى المواطنين وقدرة شرائية تحرك الأسواق.

أين الحركة النقابية من التحديات الراهنة؟

في ظل هذه التطورات، يبرز تساؤل مشروع حول دور الحركة النقابية الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة في الدفاع عن حقوق العمال وحماية مصالحهم.

فالحركة النقابية لم تنشأ فقط للمشاركة في المؤتمرات والمنتديات الدولية، بل لتكون صوت العمال أمام الحكومات وأصحاب العمل والمؤسسات الدولية، ولتدافع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمهنية.

واليوم، ومع اتساع دائرة البطالة والفقر وتراجع مستويات الحماية الاجتماعية، تزداد الحاجة إلى مبادرات نقابية أكثر فاعلية وقدرة على التأثير في السياسات العامة، وإلى رؤية استراتيجية تتجاوز البيانات والتصريحات نحو برامج عملية لمعالجة الأزمات المتراكمة.

الضمان الاجتماعي: الملف الغائب الحاضر

ومن بين أكثر القضايا التي تستدعي وقفة جادة ومسؤولة قضية الضمان الاجتماعي، التي ما زالت تراوح مكانها رغم مرور سنوات طويلة على الجدل الذي أثير حولها.

ففي الوقت الذي يعيش فيه العامل الفلسطيني حالة من انعدام اليقين بشأن مستقبله الوظيفي والاجتماعي، ما زالت منظومة الحماية الاجتماعية الشاملة غائبة أو غير مكتملة، الأمر الذي يجعل آلاف الأسر عرضة للفقر عند فقدان العمل أو الإصابة أو التقاعد.

لقد شهد قانون الضمان الاجتماعي نقاشات واسعة واعتراضات من قطاعات مختلفة، بعضها كان مرتبطاً ببنود القانون وآليات إدارته وضمان حماية أموال المشتركين، وبعضها الآخر ارتبط بغياب الثقة بالمؤسسات القائمة على التنفيذ.

لكن ما يثير التساؤل اليوم هو: أين وصلت الجهود الرامية إلى تطوير القانون ومعالجة الملاحظات التي أثيرت حوله؟ وما هو موقف المؤسسات النقابية التي طالما رفعت شعار حماية العمال من هذا الملف الحيوي؟

إن غياب منظومة ضمان اجتماعي عصرية وشفافة ومستقلة يحرم العمال الفلسطينيين من أحد أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المعترف بها دولياً، ويضعف قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة الأزمات الاقتصادية المتكررة.

ولذلك فإن المطلوب ليس العودة إلى النقاشات القديمة، بل إطلاق حوار وطني مسؤول يضم الحكومة والنقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بهدف الوصول إلى نظام ضمان اجتماعي يحظى بالثقة العامة ويؤمن الحماية الحقيقية للعمال وأسرهم.

البعد الاستراتيجي الوطني للقضية العمالية

إن قضية العمال في فلسطين لم تعد مجرد قضية نقابية أو مطلبية، بل أصبحت قضية أمن اقتصادي واجتماعي وطني.

فاستمرار البطالة بمستويات مرتفعة، وتراجع فرص العمل، واتساع دائرة الفقر، كلها عوامل تهدد الاستقرار المجتمعي وتضعف مقومات الصمود الوطني في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية التي تفرضها سياسات الاحتلال.

كما أن تعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يتطلب توفير مقومات الحياة الكريمة وفرص العمل والحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المستدامة.

ولهذا فإن أي استراتيجية وطنية مستقبلية يجب أن تضع الإنسان الفلسطيني في مركز عملية التنمية، وأن تعتبر الاستثمار في العمل والإنتاج والحماية الاجتماعية جزءاً أساسياً من مشروع التحرر الوطني وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

نحو رؤية وطنية شاملة

إن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية وطنية شاملة تقوم على:- معالجة أزمة البطالة باعتبارها أولوية وطنية. إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل مستدامة. تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وفي مقدمتها الضمان الاجتماعي. تمكين الحركة النقابية من أداء دورها الرقابي والدفاعي. تعزيز الاستثمار المحلي والإنتاج الوطني. ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل. بناء شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والنقابات. وضع استراتيجية اقتصادية تقلل من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.

خاتمة

إن تعزيز الحضور الفلسطيني في منظمة العمل الدولية يمثل خطوة مهمة على الصعيد السياسي والدبلوماسي، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة الأزمات الحقيقية التي تواجه العمال الفلسطينيين.

فالإنجاز الحقيقي يقاس بقدرة العامل على تأمين لقمة العيش، وبوجود نظام حماية اجتماعية يحفظ كرامته، وباقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وبمؤسسات وطنية تدافع عن حقوقه وتترجم الشعارات إلى سياسات وبرامج ونتائج ملموسة.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العامل الفلسطيني إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج والحماية الاجتماعية، لأن صمود الإنسان الفلسطيني هو الأساس الذي تقوم عليه كل مشاريع التحرر والبناء والتنمية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى