1
في الفترة الأخيرة ، ولقراءتي روايات يكتبها أصحابها عن عوالم صلتهم بها شبه معدومة ، تذكرت قصيدة الشاعر الأمريكي ( تشارلز بوكوفسكي ) التي أدرجتها واقتبست منها غير مرة ، بل إنني أرسلتها إلى كتاب عديدين .
يقول ( بوكوفسكي ) :
"
تريد أن تصبح كاتباً؟
إذا لم تخرج منفجرةً منك،
برغم كل شيء
فلا تفعلها.
إذا لم تخرج منك دون سؤال،
من قلبك ومن عقلك، من فمك، من أحشائك
فلا تفعلها.
إذا كان عليك أن تجلس لساعات
محدقاً في شاشة
أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة
باحثاً عن الكلمات،
فلا تفعلها.
إذا كنت تفعلها للمال
أو الشهرة،
فلا تفعلها.
إذا كنت تفعلها
لأنك تريد نساءً …. ….
فلا.. تفعلها.
إذا كان عليك الجلوس هناك
وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،
فلا تفعلها.
إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،
فلا تفعلها.
إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،
فانسَ الأمر.
إذا كان عليك انتظارها
لتخرج مدويّةً منك،
فانتظرها.. بصبر.
إذا لم تخرج منك أبداً،
فافعل شيئاً آخر.
إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك
أو صديقتك، أو صديقك
أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق
فأنت لست جاهزاً.
لا تكن مثل كثير من الكتّاب،
لا تكن مثل آلاف من البشر
الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،
لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،
لا تدع حب ذاتك يدمّرك.
مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم
بسبب أمثالك.
لا تضِف إلى ذلك.
لا.. تفعلها.
إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،
إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون
أو للانتحار أو القتل،
لا تفعلها.
إلا إذا كانت الشمس داخلك
تحرق أحشاءك،
لا تفعلها.
عندما يكون الوقت مناسباً،
إذا كنت مختاراً
ستحدث الكتابة من تلقاء نفسها
وستستمر بالحدوث مرة بعد أخرى
حتى تموت
أو تموت هي داخلك.
لا توجد طريقة أخرى.
ولم توجد قط. "
وكنت في دفاتري / خربشاتي / يومياتي ، كنت أثير أسئلة تفجر مع الكتاب والقراء جدلا . ومن ضمن تلك الدفاتر الآتية ، وهي تتمحور حول كتابة الرواية . هل أكتب إنها شوشت علاقتي مع عديدين منهم ؟
إن جدلي ، حول المكان ، مع محمود شقير ومداخلات كتاب وقراء كثر ، يحتاج وحده مساحة خاصة . لقد كان أقرب إلى حلقة نقاش يشارك فيها مختصون ، ويحرص القائمون عليها على نشرها في المجلات ، لتعميم الفائدة . الآن صار النشر في وسائل التواصل الاجتماعي فوريا ، ومع ذلك يظل نشرها ، في الصحف والمجلات الورقية ، لا غنى عنه .
منذ عامين وأنا أفكر في أن أخص المقدمة التي كتبها خليل بيدس في العام ١٩٢٤ ، وصدر بها مجموعته القصصية " مسارح الأذهان " ، بمقالة ، ثم وجدتني ، وأنا أراجع يومياتي ، أتيت عليها هنا وهناك .
كان الدافع وراء العودة إليها هو أنها ، في رأيي ، صادرة عن كاتب لديه بصيرة ودراية وإدراك وإلمام بفن الرواية تفوق وعي روائيين كثر في أيامنا يفرخون روايات لا تعيش في الذاكرة . ببساطة إنهم يؤلفون روايات ولا يكتبون روايات .
لعل الهوامش هذه تصيب قدرا من الحقيقة . إنها هوامش كانت ثمرة تجارب وإمعان نظر وقراءة روايات كثيرة .
2
لمن يكتب الروائي ؟
أعادتني روايتا رشاد أبوشاور " ترويض النسر " وسعد محمد رحيم " مقتل بائع الكتب " إلى المقدمة التي كتبها الروائي الفلسطيني خليل بيدس لمجموعته القصصية " مسارح الأذهان " ١٩٢٤ وفيها تساءل :
- لمن يكتب الروائي ؟
تسرد الأولى الأحداث ولا تحفل بتناصات مع كتب أخرى ، وهذا يسهل أمر القراءة . كما لو أنها مكتوبة لجمهور القراء كله ، وتحفل الثانية بتناصات أدبية وفنية كثيرة . إنها ذات حمولات معرفية ، ما يجعل قراءتها وفهمهما يقتصر على جمهور القراء المثقفين وقارئي الأدب العربي والعالمي والملمين بالفن التشكيلي ورموزه البارزين .
كان بيدس يرى أن الروائي يكتب للقراء عامة ، وهذا رأي عموما .
وأنا أقرأ " مقتل صاحب الكتب " لاحظت أن الرواية العراقية تحفل أكثر من غيرها بأبعاد معرفية عربية وعالمية ، وهذا ليس حكما يعتمد على قراءة مسحية إحصائية . إنه يعتمد على قراءات مثل
علي بدر في " مصابيح أورشليم " و علي عواد في " نخلة الواشنطونيا " و إنعام كجه جي في مجمل رواياتها و ... .
3
فيضان روائي أم ..... ؟
قبل سنوات عقبت إنعام كجه جي على منشور تناول تجربة الطيب صالح الروائية حمد فيه كاتبه الكاتب وثمن موقفه من عدم تفريخه عددا كبيرا من الروايات . ثمنت الروائية المنشور وأثنيت بدوري على رأيها وثمنته .
لم تصدر إنعام في مسيرتها أكثر من خمس روايات استقبل أكثرها استقبالا حسنا .
قبل حصول نجيب محفوظ على نوبل أخذ في ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ يكثر من الكتابة ، فكان يصدر كل عام رواية ، وقد لاحظت هذا أستاذتي الألمانية ( روتراود فيلاندت ) فنبهتنا إليه ، وكان محفوظ حصل في حينه على الجائزة . هل حصل عليها لأي من رواياته التي كتبها في ٧٠ و٨٠ القرن ٢٠ أم بسبب الروايات التي كتبها في ٥٠ و٦٠ القرن ولم يكن في حينه يصدر في كل عام رواية ؟
إبراهيم نصرالله يكتب على لسان سارد روايته " مأساة كاتب القصة القصيرة " أن هناك فيضانا روائيا . ما ورد على لسان السارد لفت نظري ، وحين كتبت مقالي " الأدب والكورونا ثانية " ( جريدة الأيام الفلسطينية ١٧ / ١ / ٢٠٢١ ) كتبت :
" الكاتب الروائي الذي ينجز كل عام رواية يبدي سارد روايته كاتب القصة القصيرة رأيا في الفيضان الروائي الذي تشهده الساحة الأدبية العربية ، وهو هنا مثل نقاد كثيرين يرددون هذا الرأي " .
ما لاحظته ولفت نظري انتبه إليه الناقد فراس حاج محمد الذي كتب مقالا نقديا في ٣١ / ٧ / ٢٠٢١ عنوانه " هواجس ما بعد الكتابة الروائية " مأساة كاتب القصة القصيرة " :
" ومن الملاحظ أن السارد ينتقد ما وقع فيه الكتاب الآخرون من الغرق في " الفيضان الروائي " على الرغم من أنه - أي الكاتب إبراهيم نصرالله - وليس السارد ، يعاني في الحقيقة من فيضان روائي كبير وأنتج الكثير من الروايات في السنوات الأخيرة " .
أحد طلابي أعد رسالة ماجستير عن روائي عربي ، وكنت طلبت منه أن يقرأ روايات أخرى للكاتب ، فاكتشف أن بعضها يكرر بعضها وأن قسما منها وردت أحداثه في غير رواية .
لم أقرأ شخصيا نتاج إبراهيم نصرالله الروائي كله لأصدر حكما ، ويمكن أن يخبرنا متابع لأعماله ومتخصص فيها برأيه .
وأنا أقرأ رواية محمود شقير " منزل الذكريات " تساءلت :
- هل خلت الرواية هذه من أفكار وعبارات كنت قرأتها في مجموعته " الولد الفلسطيني " ١٩٧٧ ؟
مرة سألني زياد خداش إن كان محمود درويش نفسه ظهر التكرار في شعره .
أراد زياد أن يعرف رأي الذكاء الاصطناعي في درويش وشعره فسألني . . ( ١٠ / ١ / ٢٠٢٥)
4
روايات الواقعية الاشتراكية :
ما هو مآل عشرات ، وربما مئات ، روايات " الواقعية الاشتراكية " التي فصلت شخصياتها وأحداثها وفكرتها ، بناء على مبنى ذهني جاهز لكتابها ؟
كتب كتاب الواقعية الاشتراكية رواياتهم من وحي أفكار آمنوا بها حتى صارت لديهم مقدسة وغير قابلة للنقض . وأغلب الظن أنهم كتبوها وهم في مكاتبهم أو بيوتهم يحتسون الفودكا والنبيذ ، أو يجلسون في مقاهي خاصة بالمثقفين ، وأغلب الظن أنهم كتبوا عن العمال والفلاحين دون أن يعيشوا بينهم ويستمعوا إليهم ، وهكذا جاءت كتابتهم كما قال منظر الواقعية ( جورج لوكاش ) " نتاج مبنى ذهني جاهز ورؤى فكرية مسبقة " للواقع ، وأما الواقع المحيط بهم فبعيد عن رواياتهم ، وكان بيدس في تنظيره ، في المقدمة ، كتب أن من أهم مقومات الروائي أن يعيش مع العامة ويختلط بهم ويصغي إليهم وأن يدرس شخوصه ويحلل نفسياتها .
هل اختلف رأي غسان كنفاني في مقالته عن ( شولوخوف ) في كتابه " فارس ..فارس " عن رأي بيدس ؟
عندما ترجمت كتاب ( استيفان فيلد ) " غسان كنفاني : حياة فلسطيني " ( ١٩٧٥ ) لفت انتباهي عبارة عن تلقي الأوروبيين لأدب الواقعية الاشتراكية . ما عاد يلقى قبولا . ذهب إلى هذا الرأي وهو يكتب عن رواية كنفاني " أم سعد " .
أكثر روائيينا اليوم يفرخون ، من وراء مكاتبهم ، روايات ، فيصدر الواحد منهم رواية كل عام ؛ رواية ما إن تبدأ تقرأ ها حتى تضعها جانبا . هل سيكون مآلها مآل روايات الواقعية الاشتراكية ؟ ! ( ١٨ / ٨ / ٢٠٢٥ )
5
روائي من غزة له 27 رواية لم أقرأ له :
يا للفضيحة !
وأنا أقرأ في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة ، مائة كاتب وفنان من غزة يكتبون عن الحرب " ( ٢٠٢٥ ) التفت إلى حياة الكاتب عون الله أبو صفية ، المولود في ١٩٥٣ والعائد ، في ١٩٩٦ ، إلى غزة ، عرفت انه أصدر ٢٧ رواية وثلاث مجموعات قصصية .
هل يعقل أن يصدر كاتب فلسطيني هذا العدد من الروايات ولا أكون قرأت له رواية واحدة ؟
لقد فوجئت أيضا بقراءة نصوص / شهادات لكاتبات أصدرن غير رواية ولم أسمع بهن .
شهادة عون الله أبو صفية " النزوح ليس سياحة في الوطن " يكتب فيها عن قصة عودته من المنفى ثم كيف تلقى أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحياته وأسرته ومشاعره في اليوم الأول فقط .( ١٣ / ٥ / ٢٠٢٥ )
6
" تعويذة الجليلة " لكميل ابو حنيش : مائة عام من المقاومة .
في المنتدى التنويري في نابلس عقد في تموز ٢٠٢٣ حفل إشهار رواية كميل المحكوم بالسجن سبعة مؤبدات وكذا سنة فوقها ( تم تحريرالأسير ) .
يكتب الروائي في روايته الصادرة عام ٢٠٢٣ رحلة الجليلة منذ ولادتها حتى وفاتها ؛ من قريتها سلمة قرب يافا إلى بياراتها في مخيم الفارعة ، وهكذا نقرأ أولا عن أسرتها في بياراتها في يافا وما مرت به من معاناة بسبب الاستيطان الصهيوني . من حصار وقتل وتشريد واحتلال ثان إلى انتفاضة أولى عليه في ١٩٨٧ إلى عودة الفلسطينيين إثر اتفاق أوسلو إلى غزة وأريحا ونابلس ورام الله وبقية مدن الضفة الغربية ، وتنتهي الرواية بموت الجليلة التي أهدت التعويذة إلى حفيدتها ، وكانت هي أهديتها يوم ماتت جدتها في سلمة منها - من الجدة المتوفاة . جيل يسلم الراية إلى جيل دون أن يمل من الكفاح أو يتعب منه .
بلغة بسيطة وسرد مشوق يكتب كميل روايته التي تذكر قاريء الأدب السوفيتي بنماذج منه كتبت بروح متفائلة تمجد الحياة والشعب ، وتذكر أكثر وأكثر بروايات كنفاني " رجال في الشمس " و " عائد إلى حيفا " و " أم سعد " ، كما لو أن الكاتب الأسير يواصل رحلة الكاتب الشهيد .
ونظرا لأن كميل يكتب عن فترة طويلة كان شاهدا على جزء منها ، وعن أمكنة ربما زار قسما منها ، فإن روايته لا تخلو من عثرات سببها ما سبق وسببها أيضا تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي .
لم يكن الخلع معروفا قبل ١٩٦٧ ولم تكن الكهرباء في ٥٠ القرن ٢٠ وصلت إلى مخيمات نابلس ومنها الفارعة ولم يتم إنشاء مخيم البقعة إلا بعد ١٩٦٧ وهكذا دواليك .
( ٢٩ / ٧ / ٢٠٢٣ ) .
7
الرواية وسيرة الكاتب :
يبدو أنني ممن يأخذون بالرأي الآتي :
" إن الرواية التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية ليست رواية وإنما هي بحث اجتماعي " هذا ما كان يراه الروائي الألماني ( مارتن فالزر ) الذي توفي عن ٩٦ عاما .
( من مقال Dr. Joseph Zeitoun )
يبدو ذلك ولهذا لم أحب الرواية التاريخية . ( ٢٨ / ٨ / ٢٠٢٣ .)
8
سحر خليفة في روايتها " الجسر " ٢٠٢١ :
الزمن الذي تجري فيه الأحداث هو السنوات القليلة بعد هزيمة ١٩٦٧ - تقريبا في العام ١٩٦٩.
الشاب الفلسطيني نبيل الذي درس في الجامعة الأردنية وانتمى لفصائل الثورة وقام بعملية فدائية يريد أن يتسلل إلى الأردن عبر النهر فيتخفى ويعمل ممرضا لدافيد في مزرعته في بيسان .
دافيد هذا شارك في حرب فيتنام وأصيب وقرر الهجرة إلى إسرائيل وصار يكتب في الجروزالم بوست كما كان يكتب من قبل في الواشنطون بوست . كتب ضد العنصرية وحرب فيتنام فأثار غضب اليهود " وحين بدأت تصله طرود متفجرات شبيهة بما كان يصل المحامية التقدمية فيليتسيا لانجر " والمفكر الإنساني إيلان بابيه قرر أن يعتزل الصحافة والسياسة ويعيش بعيدا منفردا في منطقة نائية بين بيسان وطبرية " .
في العام ١٩٦٩ كان عمر إيلان بابيه ١٥ عاما ، فهو من مواليد ١٩٥٤ . كيف كان يومها مفكرا إنسانيا ؟ هل وصلته يومها طرود مفخخة ؟ أصلا يومها كان يمينيا متطرفا ، فلم يتغير تفكيره إلا حين درس الدكتوراه مع مشرف فلسطيني .
أرجو من كتابنا أن يرأفوا بنا ويحترموا عقولنا !! ( ٢٧ / ٧ / ٢٠٢٣)
9
غسان كنفاني " الرجل الذي لم يمت ":
ظهرت القصة في مجموعة " موت سرير رقم ١٢ " ١٩٦١ .وقد كتبها في الكويت في العام ١٩٥٨ ، وهي عن إقطاعي عربي باع أرضه في فلسطين قبل النكبة بقليل وغادر إلى بلده الذي لم يحدد .
حذره الفلاحون من بيع أرضه التي يستأجرونها ، فلم يكترث فعمدوا إلى قتله . جرح ولم يمت وظل جرحه ندبة في رقبته .
زينب فلاحة تزرع الأرض المستأجرة وكانت تتحدث مع السيد علي الإقطاعي ، بل وتمنت أن تزوج ابنتها ليلى من ابنه أحمد ، ولكي تزيل الفارق الطبقي أرسلت ابنتها إلى حيفا لتتعلم هناك ، فتقرب الشهادة بينها وبين ابن الإقطاعي ، وفي حيفا تعرف عن بيع الأرض ، فتكتب رسالة إلى أمها تعلمها وتطلب منها أن تتأكد من الموضوع ، وحين تتحقق الأم يذهب ابنها حمدان وزوجها وليلى لقتل علي .
يطلق حمدان النار على علي ويصيبه ، ولكن يحدث ما لم يتوقع . تنفجر الرصاصة الأخيرة في حمدان فينقتل .
تحدث النكبة وتهاجر زينب وتعيش في المنافي وذات نهار ترى السيد علي في السيارة فتعرفه من الندبة ، وتتمنى لو تبصق في وجهه .تنتهي القصة بالآتي :
" ولأول مرة ، منذ غادرت أرضها ، أحست بشيء من الراحة لأن السيد علي لم يمت . . وانه ما زال حيا ، يحدق كل صباح بالجرح الطويل المحفور في صدغه وعنقه ، ويتذكر الأرض التي باعها .
وقالت في ذات نفسها وهي تنظر إلى الطريق :
- سوف يتيسر للسيد علي أن يرانا نعود إلى الأرض التي باعها .سوف يشعر يومها - وهو يحدق بالجرح الطويل المحفور في صدغه وعنقه - أن هناك شيئا أقسى من الموت ...
أقسى بكثير " .
لا أعرف إن كان كنفاني قرأ رواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز " فثمة ما هو متشابه بين النصين ، ولا عجب .
ليس ما سبق هو ما ذكرني بالقصة . ما ذكرني بها هو النظر في الدوال التي وردت على لسان شخصيات كنفاني في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين . هل استخدم دال إسرائيلي أم لا ؟
إنني أريد أن أتعمق في الرواية التاريخية التي يستحضر فيها كاتب زمنا لم يعشه ليكتب عنه . هل يستحضره كما كان أم أنه يكتب عن زمنه هو فيكون العمل الأدبي معبرا عن زمن آخر هو زمن الكتابة وزمن الكاتب لا زمن الشخصيات التي يستحضرها . إنه المنهج الذي يستقريء النصوص / الاستقرائي ، وهذا ليس بعيدا عما وظفته في رسالة الدكتوراه في العام ١٩٩١ .
كلما أعدت قراءة كنفاني اكتشفت أنه لم يتجاوز ، أو أنني مخطيء .( ٣٠ / ١٠ / ٢٠٢٥)
10
إبراهيم نصرالله وغزة :
حظيت غزة في مشروع إبراهيم نصرالله الروائي ، وإبراهيم صاحب مشروع روائي ، حظيت برواية " أعراس آمنة " التي تقع في ١٣٨ صفحة .
لا أعرف إن كان الكاتب زار غزة ، وإن كان زارها فما المدة التي أنفقها فيها .
تجري أحداث الرواية في غزة ، فهل حضرت غزة فيها ؟ وأنا أقرأ الرواية خطرت ببالي رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ( ١٩٦٦ ) .
زار غسان قطاع غزة في منتصف ستينيات القرن العشرين ، وكنب روايته التي لم يركز فيها على المكان . ألأنه لم يتمكن من المكان لم يكتب عنه الكثير ، فقد كانت الزيارة قصيرة جدا ؟
في " أعراس آمنة " تقرأ حوارات بين شخصيات لا تعرف عن حياتها الكثير ، فالرواية ليست رواية شخصية بالدرجة الأولى ولا هي رواية مكان بالدرجة الأولى أيضا .
ذكر المكان في الرواية ذكرا عابرا ويمكن لك أن تستبدله بأي مكان فلا يؤثر ذلك ، إذ لا خصوصية تظهر لمكان تميزه عن غيره ، لا بناء ولا روحا ولا معمارا ولا لهجة محلية ولا تاريخا أيضا .
أتمنى أن يقرأ قراء غزة الرواية ويخطئوا ملاحظاتي التي قد استطرد فيها مساء .(
١٢ / ١ / ٢٠٢٥ )
11
أعراس آمنة وغزة ثانية
لم أكن افكر في الكتابة عن " أعراس آمنة " ( ط٢ ٢٠٠٩ ) لولا ما كتبه ابن غزة يسري الغول في شهر تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤ تحت عنوان " الطريق إلى المعمداني " ( ٥ / ١١ / ٢٠٢٤ ).
كان د. شفيق التلولي أشار إلى اسمي في التعليقات على الكتابة لكي أهتم بالمقال كما أفعل مع كتابات أبناء قطاع غزة . قمت بدوري بإرساله إلى موقع " Creative Palestinians مبدعون فلسطينيون الذي تشرف عليه الفلسطينية روض الدبس Rawd Dibs فاهتمت به ونشرته ، ولما أعدت قراءته ولاحظت حضور المكان فيه ودقة وصف يسري في حركته في المكان عقبت " لا أظن أن أحدا من خارج قطاع غزة يمكن أن يكتب نصا مثل هذا يصف فيه المكان بدقة " ، وكنت انتبهت في بداية الحرب إلى يوميات عاطف ابوسيف من داخل مخيم جباليا وقارنت بين كتابته في يومياته وما أكتبه وأشرت إلى الفارق بين الكتابة عن قرب والكتابة عن بعد ؛ الكتابة من داخل الحدث والمكان والكتابة من خارجه .
وأنا أتابع الموضوع عادت بي الذاكرة إلى رواية إبراهيم ، فعدت إلى ملاحظاتي عليها ، بل وقرأت جزءا منها قراءة ثانية ، لأرى كتابته عن غزة هو الذي قد يكون زارها ، مثله مثل غسان كنفاني ، ف " أعراس آمنة " ليست بعيدة كثيرا عن " ما تبقى لكم " .
ورد في الرواية دال غزة ورفح وذكر البحر و ... وذكرت بعض الشخصيات التي اغتيلت هناك ، بل وسرد الكاتب قليلا من المعلومات التي تدوولت في الأخبار ، ولكن شوارع غزة وروحها ولهجتها ومخيماتها لم تحضر .
وأنا أفكر في الكتابة عن علاقة الكاتب بالمكان استحضرت مجموعة كتابات عاش أصحابها فيه وأخذت اوازن بينها وبين " أعراس آمنة " ، بل واستحضرت رواية إبراهيم نصرالله نفسه " حارس المدينة الضائعة " التي كتبها عن عمان التي يعرفها جيدا ، ووجدت بونا شاسعا وخلصت إلى أن " أعراس آمنة " لن يختلف حالها لو استبدلنا اسمي غزة ورفح فيها باسمي أي مدينتين عربيتين .
ماذا لو كتب دارس عن المكان فيها والمكان في روايات رام الله لفاروق وادي ومريد البرغوثي وأكرم هنية وروايات القدس لعارف الحسيني وبعض كتب محمود شقير عن القدس ؟
أتمنى أن ينجز دارس دراسة في الموضوع ، وآمل أن يثريه كتاب غزة بالنقاش . (١٢ / ١ / ٢٠٢٥ )
عادل الأسطة
١٢ / ٥ / ٢٠٢٦
في الفترة الأخيرة ، ولقراءتي روايات يكتبها أصحابها عن عوالم صلتهم بها شبه معدومة ، تذكرت قصيدة الشاعر الأمريكي ( تشارلز بوكوفسكي ) التي أدرجتها واقتبست منها غير مرة ، بل إنني أرسلتها إلى كتاب عديدين .
يقول ( بوكوفسكي ) :
"
تريد أن تصبح كاتباً؟
إذا لم تخرج منفجرةً منك،
برغم كل شيء
فلا تفعلها.
إذا لم تخرج منك دون سؤال،
من قلبك ومن عقلك، من فمك، من أحشائك
فلا تفعلها.
إذا كان عليك أن تجلس لساعات
محدقاً في شاشة
أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة
باحثاً عن الكلمات،
فلا تفعلها.
إذا كنت تفعلها للمال
أو الشهرة،
فلا تفعلها.
إذا كنت تفعلها
لأنك تريد نساءً …. ….
فلا.. تفعلها.
إذا كان عليك الجلوس هناك
وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،
فلا تفعلها.
إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،
فلا تفعلها.
إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،
فانسَ الأمر.
إذا كان عليك انتظارها
لتخرج مدويّةً منك،
فانتظرها.. بصبر.
إذا لم تخرج منك أبداً،
فافعل شيئاً آخر.
إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك
أو صديقتك، أو صديقك
أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق
فأنت لست جاهزاً.
لا تكن مثل كثير من الكتّاب،
لا تكن مثل آلاف من البشر
الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،
لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،
لا تدع حب ذاتك يدمّرك.
مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم
بسبب أمثالك.
لا تضِف إلى ذلك.
لا.. تفعلها.
إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،
إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون
أو للانتحار أو القتل،
لا تفعلها.
إلا إذا كانت الشمس داخلك
تحرق أحشاءك،
لا تفعلها.
عندما يكون الوقت مناسباً،
إذا كنت مختاراً
ستحدث الكتابة من تلقاء نفسها
وستستمر بالحدوث مرة بعد أخرى
حتى تموت
أو تموت هي داخلك.
لا توجد طريقة أخرى.
ولم توجد قط. "
وكنت في دفاتري / خربشاتي / يومياتي ، كنت أثير أسئلة تفجر مع الكتاب والقراء جدلا . ومن ضمن تلك الدفاتر الآتية ، وهي تتمحور حول كتابة الرواية . هل أكتب إنها شوشت علاقتي مع عديدين منهم ؟
إن جدلي ، حول المكان ، مع محمود شقير ومداخلات كتاب وقراء كثر ، يحتاج وحده مساحة خاصة . لقد كان أقرب إلى حلقة نقاش يشارك فيها مختصون ، ويحرص القائمون عليها على نشرها في المجلات ، لتعميم الفائدة . الآن صار النشر في وسائل التواصل الاجتماعي فوريا ، ومع ذلك يظل نشرها ، في الصحف والمجلات الورقية ، لا غنى عنه .
منذ عامين وأنا أفكر في أن أخص المقدمة التي كتبها خليل بيدس في العام ١٩٢٤ ، وصدر بها مجموعته القصصية " مسارح الأذهان " ، بمقالة ، ثم وجدتني ، وأنا أراجع يومياتي ، أتيت عليها هنا وهناك .
كان الدافع وراء العودة إليها هو أنها ، في رأيي ، صادرة عن كاتب لديه بصيرة ودراية وإدراك وإلمام بفن الرواية تفوق وعي روائيين كثر في أيامنا يفرخون روايات لا تعيش في الذاكرة . ببساطة إنهم يؤلفون روايات ولا يكتبون روايات .
لعل الهوامش هذه تصيب قدرا من الحقيقة . إنها هوامش كانت ثمرة تجارب وإمعان نظر وقراءة روايات كثيرة .
2
لمن يكتب الروائي ؟
أعادتني روايتا رشاد أبوشاور " ترويض النسر " وسعد محمد رحيم " مقتل بائع الكتب " إلى المقدمة التي كتبها الروائي الفلسطيني خليل بيدس لمجموعته القصصية " مسارح الأذهان " ١٩٢٤ وفيها تساءل :
- لمن يكتب الروائي ؟
تسرد الأولى الأحداث ولا تحفل بتناصات مع كتب أخرى ، وهذا يسهل أمر القراءة . كما لو أنها مكتوبة لجمهور القراء كله ، وتحفل الثانية بتناصات أدبية وفنية كثيرة . إنها ذات حمولات معرفية ، ما يجعل قراءتها وفهمهما يقتصر على جمهور القراء المثقفين وقارئي الأدب العربي والعالمي والملمين بالفن التشكيلي ورموزه البارزين .
كان بيدس يرى أن الروائي يكتب للقراء عامة ، وهذا رأي عموما .
وأنا أقرأ " مقتل صاحب الكتب " لاحظت أن الرواية العراقية تحفل أكثر من غيرها بأبعاد معرفية عربية وعالمية ، وهذا ليس حكما يعتمد على قراءة مسحية إحصائية . إنه يعتمد على قراءات مثل
علي بدر في " مصابيح أورشليم " و علي عواد في " نخلة الواشنطونيا " و إنعام كجه جي في مجمل رواياتها و ... .
3
فيضان روائي أم ..... ؟
قبل سنوات عقبت إنعام كجه جي على منشور تناول تجربة الطيب صالح الروائية حمد فيه كاتبه الكاتب وثمن موقفه من عدم تفريخه عددا كبيرا من الروايات . ثمنت الروائية المنشور وأثنيت بدوري على رأيها وثمنته .
لم تصدر إنعام في مسيرتها أكثر من خمس روايات استقبل أكثرها استقبالا حسنا .
قبل حصول نجيب محفوظ على نوبل أخذ في ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ يكثر من الكتابة ، فكان يصدر كل عام رواية ، وقد لاحظت هذا أستاذتي الألمانية ( روتراود فيلاندت ) فنبهتنا إليه ، وكان محفوظ حصل في حينه على الجائزة . هل حصل عليها لأي من رواياته التي كتبها في ٧٠ و٨٠ القرن ٢٠ أم بسبب الروايات التي كتبها في ٥٠ و٦٠ القرن ولم يكن في حينه يصدر في كل عام رواية ؟
إبراهيم نصرالله يكتب على لسان سارد روايته " مأساة كاتب القصة القصيرة " أن هناك فيضانا روائيا . ما ورد على لسان السارد لفت نظري ، وحين كتبت مقالي " الأدب والكورونا ثانية " ( جريدة الأيام الفلسطينية ١٧ / ١ / ٢٠٢١ ) كتبت :
" الكاتب الروائي الذي ينجز كل عام رواية يبدي سارد روايته كاتب القصة القصيرة رأيا في الفيضان الروائي الذي تشهده الساحة الأدبية العربية ، وهو هنا مثل نقاد كثيرين يرددون هذا الرأي " .
ما لاحظته ولفت نظري انتبه إليه الناقد فراس حاج محمد الذي كتب مقالا نقديا في ٣١ / ٧ / ٢٠٢١ عنوانه " هواجس ما بعد الكتابة الروائية " مأساة كاتب القصة القصيرة " :
" ومن الملاحظ أن السارد ينتقد ما وقع فيه الكتاب الآخرون من الغرق في " الفيضان الروائي " على الرغم من أنه - أي الكاتب إبراهيم نصرالله - وليس السارد ، يعاني في الحقيقة من فيضان روائي كبير وأنتج الكثير من الروايات في السنوات الأخيرة " .
أحد طلابي أعد رسالة ماجستير عن روائي عربي ، وكنت طلبت منه أن يقرأ روايات أخرى للكاتب ، فاكتشف أن بعضها يكرر بعضها وأن قسما منها وردت أحداثه في غير رواية .
لم أقرأ شخصيا نتاج إبراهيم نصرالله الروائي كله لأصدر حكما ، ويمكن أن يخبرنا متابع لأعماله ومتخصص فيها برأيه .
وأنا أقرأ رواية محمود شقير " منزل الذكريات " تساءلت :
- هل خلت الرواية هذه من أفكار وعبارات كنت قرأتها في مجموعته " الولد الفلسطيني " ١٩٧٧ ؟
مرة سألني زياد خداش إن كان محمود درويش نفسه ظهر التكرار في شعره .
أراد زياد أن يعرف رأي الذكاء الاصطناعي في درويش وشعره فسألني . . ( ١٠ / ١ / ٢٠٢٥)
4
روايات الواقعية الاشتراكية :
ما هو مآل عشرات ، وربما مئات ، روايات " الواقعية الاشتراكية " التي فصلت شخصياتها وأحداثها وفكرتها ، بناء على مبنى ذهني جاهز لكتابها ؟
كتب كتاب الواقعية الاشتراكية رواياتهم من وحي أفكار آمنوا بها حتى صارت لديهم مقدسة وغير قابلة للنقض . وأغلب الظن أنهم كتبوها وهم في مكاتبهم أو بيوتهم يحتسون الفودكا والنبيذ ، أو يجلسون في مقاهي خاصة بالمثقفين ، وأغلب الظن أنهم كتبوا عن العمال والفلاحين دون أن يعيشوا بينهم ويستمعوا إليهم ، وهكذا جاءت كتابتهم كما قال منظر الواقعية ( جورج لوكاش ) " نتاج مبنى ذهني جاهز ورؤى فكرية مسبقة " للواقع ، وأما الواقع المحيط بهم فبعيد عن رواياتهم ، وكان بيدس في تنظيره ، في المقدمة ، كتب أن من أهم مقومات الروائي أن يعيش مع العامة ويختلط بهم ويصغي إليهم وأن يدرس شخوصه ويحلل نفسياتها .
هل اختلف رأي غسان كنفاني في مقالته عن ( شولوخوف ) في كتابه " فارس ..فارس " عن رأي بيدس ؟
عندما ترجمت كتاب ( استيفان فيلد ) " غسان كنفاني : حياة فلسطيني " ( ١٩٧٥ ) لفت انتباهي عبارة عن تلقي الأوروبيين لأدب الواقعية الاشتراكية . ما عاد يلقى قبولا . ذهب إلى هذا الرأي وهو يكتب عن رواية كنفاني " أم سعد " .
أكثر روائيينا اليوم يفرخون ، من وراء مكاتبهم ، روايات ، فيصدر الواحد منهم رواية كل عام ؛ رواية ما إن تبدأ تقرأ ها حتى تضعها جانبا . هل سيكون مآلها مآل روايات الواقعية الاشتراكية ؟ ! ( ١٨ / ٨ / ٢٠٢٥ )
5
روائي من غزة له 27 رواية لم أقرأ له :
يا للفضيحة !
وأنا أقرأ في كتاب " استعادات مقلقة : يوميات غزة ، مائة كاتب وفنان من غزة يكتبون عن الحرب " ( ٢٠٢٥ ) التفت إلى حياة الكاتب عون الله أبو صفية ، المولود في ١٩٥٣ والعائد ، في ١٩٩٦ ، إلى غزة ، عرفت انه أصدر ٢٧ رواية وثلاث مجموعات قصصية .
هل يعقل أن يصدر كاتب فلسطيني هذا العدد من الروايات ولا أكون قرأت له رواية واحدة ؟
لقد فوجئت أيضا بقراءة نصوص / شهادات لكاتبات أصدرن غير رواية ولم أسمع بهن .
شهادة عون الله أبو صفية " النزوح ليس سياحة في الوطن " يكتب فيها عن قصة عودته من المنفى ثم كيف تلقى أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وحياته وأسرته ومشاعره في اليوم الأول فقط .( ١٣ / ٥ / ٢٠٢٥ )
6
" تعويذة الجليلة " لكميل ابو حنيش : مائة عام من المقاومة .
في المنتدى التنويري في نابلس عقد في تموز ٢٠٢٣ حفل إشهار رواية كميل المحكوم بالسجن سبعة مؤبدات وكذا سنة فوقها ( تم تحريرالأسير ) .
يكتب الروائي في روايته الصادرة عام ٢٠٢٣ رحلة الجليلة منذ ولادتها حتى وفاتها ؛ من قريتها سلمة قرب يافا إلى بياراتها في مخيم الفارعة ، وهكذا نقرأ أولا عن أسرتها في بياراتها في يافا وما مرت به من معاناة بسبب الاستيطان الصهيوني . من حصار وقتل وتشريد واحتلال ثان إلى انتفاضة أولى عليه في ١٩٨٧ إلى عودة الفلسطينيين إثر اتفاق أوسلو إلى غزة وأريحا ونابلس ورام الله وبقية مدن الضفة الغربية ، وتنتهي الرواية بموت الجليلة التي أهدت التعويذة إلى حفيدتها ، وكانت هي أهديتها يوم ماتت جدتها في سلمة منها - من الجدة المتوفاة . جيل يسلم الراية إلى جيل دون أن يمل من الكفاح أو يتعب منه .
بلغة بسيطة وسرد مشوق يكتب كميل روايته التي تذكر قاريء الأدب السوفيتي بنماذج منه كتبت بروح متفائلة تمجد الحياة والشعب ، وتذكر أكثر وأكثر بروايات كنفاني " رجال في الشمس " و " عائد إلى حيفا " و " أم سعد " ، كما لو أن الكاتب الأسير يواصل رحلة الكاتب الشهيد .
ونظرا لأن كميل يكتب عن فترة طويلة كان شاهدا على جزء منها ، وعن أمكنة ربما زار قسما منها ، فإن روايته لا تخلو من عثرات سببها ما سبق وسببها أيضا تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي .
لم يكن الخلع معروفا قبل ١٩٦٧ ولم تكن الكهرباء في ٥٠ القرن ٢٠ وصلت إلى مخيمات نابلس ومنها الفارعة ولم يتم إنشاء مخيم البقعة إلا بعد ١٩٦٧ وهكذا دواليك .
( ٢٩ / ٧ / ٢٠٢٣ ) .
7
الرواية وسيرة الكاتب :
يبدو أنني ممن يأخذون بالرأي الآتي :
" إن الرواية التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية ليست رواية وإنما هي بحث اجتماعي " هذا ما كان يراه الروائي الألماني ( مارتن فالزر ) الذي توفي عن ٩٦ عاما .
( من مقال Dr. Joseph Zeitoun )
يبدو ذلك ولهذا لم أحب الرواية التاريخية . ( ٢٨ / ٨ / ٢٠٢٣ .)
8
سحر خليفة في روايتها " الجسر " ٢٠٢١ :
الزمن الذي تجري فيه الأحداث هو السنوات القليلة بعد هزيمة ١٩٦٧ - تقريبا في العام ١٩٦٩.
الشاب الفلسطيني نبيل الذي درس في الجامعة الأردنية وانتمى لفصائل الثورة وقام بعملية فدائية يريد أن يتسلل إلى الأردن عبر النهر فيتخفى ويعمل ممرضا لدافيد في مزرعته في بيسان .
دافيد هذا شارك في حرب فيتنام وأصيب وقرر الهجرة إلى إسرائيل وصار يكتب في الجروزالم بوست كما كان يكتب من قبل في الواشنطون بوست . كتب ضد العنصرية وحرب فيتنام فأثار غضب اليهود " وحين بدأت تصله طرود متفجرات شبيهة بما كان يصل المحامية التقدمية فيليتسيا لانجر " والمفكر الإنساني إيلان بابيه قرر أن يعتزل الصحافة والسياسة ويعيش بعيدا منفردا في منطقة نائية بين بيسان وطبرية " .
في العام ١٩٦٩ كان عمر إيلان بابيه ١٥ عاما ، فهو من مواليد ١٩٥٤ . كيف كان يومها مفكرا إنسانيا ؟ هل وصلته يومها طرود مفخخة ؟ أصلا يومها كان يمينيا متطرفا ، فلم يتغير تفكيره إلا حين درس الدكتوراه مع مشرف فلسطيني .
أرجو من كتابنا أن يرأفوا بنا ويحترموا عقولنا !! ( ٢٧ / ٧ / ٢٠٢٣)
9
غسان كنفاني " الرجل الذي لم يمت ":
ظهرت القصة في مجموعة " موت سرير رقم ١٢ " ١٩٦١ .وقد كتبها في الكويت في العام ١٩٥٨ ، وهي عن إقطاعي عربي باع أرضه في فلسطين قبل النكبة بقليل وغادر إلى بلده الذي لم يحدد .
حذره الفلاحون من بيع أرضه التي يستأجرونها ، فلم يكترث فعمدوا إلى قتله . جرح ولم يمت وظل جرحه ندبة في رقبته .
زينب فلاحة تزرع الأرض المستأجرة وكانت تتحدث مع السيد علي الإقطاعي ، بل وتمنت أن تزوج ابنتها ليلى من ابنه أحمد ، ولكي تزيل الفارق الطبقي أرسلت ابنتها إلى حيفا لتتعلم هناك ، فتقرب الشهادة بينها وبين ابن الإقطاعي ، وفي حيفا تعرف عن بيع الأرض ، فتكتب رسالة إلى أمها تعلمها وتطلب منها أن تتأكد من الموضوع ، وحين تتحقق الأم يذهب ابنها حمدان وزوجها وليلى لقتل علي .
يطلق حمدان النار على علي ويصيبه ، ولكن يحدث ما لم يتوقع . تنفجر الرصاصة الأخيرة في حمدان فينقتل .
تحدث النكبة وتهاجر زينب وتعيش في المنافي وذات نهار ترى السيد علي في السيارة فتعرفه من الندبة ، وتتمنى لو تبصق في وجهه .تنتهي القصة بالآتي :
" ولأول مرة ، منذ غادرت أرضها ، أحست بشيء من الراحة لأن السيد علي لم يمت . . وانه ما زال حيا ، يحدق كل صباح بالجرح الطويل المحفور في صدغه وعنقه ، ويتذكر الأرض التي باعها .
وقالت في ذات نفسها وهي تنظر إلى الطريق :
- سوف يتيسر للسيد علي أن يرانا نعود إلى الأرض التي باعها .سوف يشعر يومها - وهو يحدق بالجرح الطويل المحفور في صدغه وعنقه - أن هناك شيئا أقسى من الموت ...
أقسى بكثير " .
لا أعرف إن كان كنفاني قرأ رواية جمال الحسيني " على سكة الحجاز " فثمة ما هو متشابه بين النصين ، ولا عجب .
ليس ما سبق هو ما ذكرني بالقصة . ما ذكرني بها هو النظر في الدوال التي وردت على لسان شخصيات كنفاني في خمسينيات و ستينيات القرن العشرين . هل استخدم دال إسرائيلي أم لا ؟
إنني أريد أن أتعمق في الرواية التاريخية التي يستحضر فيها كاتب زمنا لم يعشه ليكتب عنه . هل يستحضره كما كان أم أنه يكتب عن زمنه هو فيكون العمل الأدبي معبرا عن زمن آخر هو زمن الكتابة وزمن الكاتب لا زمن الشخصيات التي يستحضرها . إنه المنهج الذي يستقريء النصوص / الاستقرائي ، وهذا ليس بعيدا عما وظفته في رسالة الدكتوراه في العام ١٩٩١ .
كلما أعدت قراءة كنفاني اكتشفت أنه لم يتجاوز ، أو أنني مخطيء .( ٣٠ / ١٠ / ٢٠٢٥)
10
إبراهيم نصرالله وغزة :
حظيت غزة في مشروع إبراهيم نصرالله الروائي ، وإبراهيم صاحب مشروع روائي ، حظيت برواية " أعراس آمنة " التي تقع في ١٣٨ صفحة .
لا أعرف إن كان الكاتب زار غزة ، وإن كان زارها فما المدة التي أنفقها فيها .
تجري أحداث الرواية في غزة ، فهل حضرت غزة فيها ؟ وأنا أقرأ الرواية خطرت ببالي رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ( ١٩٦٦ ) .
زار غسان قطاع غزة في منتصف ستينيات القرن العشرين ، وكنب روايته التي لم يركز فيها على المكان . ألأنه لم يتمكن من المكان لم يكتب عنه الكثير ، فقد كانت الزيارة قصيرة جدا ؟
في " أعراس آمنة " تقرأ حوارات بين شخصيات لا تعرف عن حياتها الكثير ، فالرواية ليست رواية شخصية بالدرجة الأولى ولا هي رواية مكان بالدرجة الأولى أيضا .
ذكر المكان في الرواية ذكرا عابرا ويمكن لك أن تستبدله بأي مكان فلا يؤثر ذلك ، إذ لا خصوصية تظهر لمكان تميزه عن غيره ، لا بناء ولا روحا ولا معمارا ولا لهجة محلية ولا تاريخا أيضا .
أتمنى أن يقرأ قراء غزة الرواية ويخطئوا ملاحظاتي التي قد استطرد فيها مساء .(
١٢ / ١ / ٢٠٢٥ )
11
أعراس آمنة وغزة ثانية
لم أكن افكر في الكتابة عن " أعراس آمنة " ( ط٢ ٢٠٠٩ ) لولا ما كتبه ابن غزة يسري الغول في شهر تشرين الثاني من العام ٢٠٢٤ تحت عنوان " الطريق إلى المعمداني " ( ٥ / ١١ / ٢٠٢٤ ).
كان د. شفيق التلولي أشار إلى اسمي في التعليقات على الكتابة لكي أهتم بالمقال كما أفعل مع كتابات أبناء قطاع غزة . قمت بدوري بإرساله إلى موقع " Creative Palestinians مبدعون فلسطينيون الذي تشرف عليه الفلسطينية روض الدبس Rawd Dibs فاهتمت به ونشرته ، ولما أعدت قراءته ولاحظت حضور المكان فيه ودقة وصف يسري في حركته في المكان عقبت " لا أظن أن أحدا من خارج قطاع غزة يمكن أن يكتب نصا مثل هذا يصف فيه المكان بدقة " ، وكنت انتبهت في بداية الحرب إلى يوميات عاطف ابوسيف من داخل مخيم جباليا وقارنت بين كتابته في يومياته وما أكتبه وأشرت إلى الفارق بين الكتابة عن قرب والكتابة عن بعد ؛ الكتابة من داخل الحدث والمكان والكتابة من خارجه .
وأنا أتابع الموضوع عادت بي الذاكرة إلى رواية إبراهيم ، فعدت إلى ملاحظاتي عليها ، بل وقرأت جزءا منها قراءة ثانية ، لأرى كتابته عن غزة هو الذي قد يكون زارها ، مثله مثل غسان كنفاني ، ف " أعراس آمنة " ليست بعيدة كثيرا عن " ما تبقى لكم " .
ورد في الرواية دال غزة ورفح وذكر البحر و ... وذكرت بعض الشخصيات التي اغتيلت هناك ، بل وسرد الكاتب قليلا من المعلومات التي تدوولت في الأخبار ، ولكن شوارع غزة وروحها ولهجتها ومخيماتها لم تحضر .
وأنا أفكر في الكتابة عن علاقة الكاتب بالمكان استحضرت مجموعة كتابات عاش أصحابها فيه وأخذت اوازن بينها وبين " أعراس آمنة " ، بل واستحضرت رواية إبراهيم نصرالله نفسه " حارس المدينة الضائعة " التي كتبها عن عمان التي يعرفها جيدا ، ووجدت بونا شاسعا وخلصت إلى أن " أعراس آمنة " لن يختلف حالها لو استبدلنا اسمي غزة ورفح فيها باسمي أي مدينتين عربيتين .
ماذا لو كتب دارس عن المكان فيها والمكان في روايات رام الله لفاروق وادي ومريد البرغوثي وأكرم هنية وروايات القدس لعارف الحسيني وبعض كتب محمود شقير عن القدس ؟
أتمنى أن ينجز دارس دراسة في الموضوع ، وآمل أن يثريه كتاب غزة بالنقاش . (١٢ / ١ / ٢٠٢٥ )
عادل الأسطة
١٢ / ٥ / ٢٠٢٦