أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٨ حزيران من كل عام

٠١
( غ وبلز ) و ( ه تلر ) في فاسطين :

الليلة في المنام زارني ( غوبلز ) وسألني :
- ألم أكن محقا حين قلت : " كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي " ؟
أجبته :
- ولماذا توجه لي هذا السؤال؟
أنا مثقف - هكذا أعتقد .
قال لي :
- انظر إلى رئيس وزرائكم . لقد ألغى وزارة الثقافة . فلماذا تهاجمونني ولا تهاجمونه ؟ أليس هو أيضا عدوا للثقافة ؟
أجبته :
- ربما ! وربما لا تهمه الثقافة أو أنه لا صلة له فيها ، ثم هذا شأنه . اسأله هو ؟
قال لي :
- ألهذا إذن رفعتم عليه قضية في المحكمة ؟
اجبته :
- ربما !
والليلة أيضا زارني ( ادولف هتلر ) - طبعا في المنام - وسألني :
- هل يخشى رئيس وزرائكم الرياضيين ولا يحبهم ؟
فسألته :
- وما شأني أنا بالرياضة ؟ثم ثم إني أشجع الألمان في مباريات كأس العالم ، لا لأنني درست في ألمانيا ، وإنما لأنني أخاف منك حتى في المنام .
وذكرته بما فعل في برلين يوم فاز عبد أسود في الجري ، فقد ترك الملعب لأن فوز الأسود لم يثبت صدق ادعاءاته ، وقلت له :
- ربما يخاف رئيس وزرائنا أن يفوز شخص لا يرغب فيه ، وهذا شأنه الشخصي ، وأرجو ألا تزجني في مشاكل مع رئيس الوزراء ، فهو ينفذ ما قاله له الأستاذ موسى أبو دية، حيث اقتنع به . لقد قال الأستاذ موسى أن لا أحد يصلح لأن يكون رئيس جامعة غير د. رامي ، ولا أحد يملأ كرسيه ، ولهذا يشاع إنه اشترط على " أبو مازن " بأن يجمع المجد من طرفيه .
وفجأة وجدتني في ( توبنغن ) ، في مكتبتها ، مع ( اندريا هايست ) و..و..وصحوت من نومي لاعنا الشيطان .

٢

" المنفى " محاضرة في المنتدى التنويري في نابلس في 7/6/2014

أمس ، السبت ، حاضرت في المنتدى التنويري في نابلس عن المنفى في نصوص أدبية فلسطينية .
توقفت أمام استحضار المنفى والتنبؤ به في أشعار ابراهيم طوقان الذي توفي قبل النكبة ، ثم ركزت على نصوص مبكرة لعبد الكريم الكرمي ( ابو سلمى ) ، وتحديدا قصيدته " سنعود " ، وتناولت قصتين من قصص سميرة عزام من مجموعتها " الساعة والانسان " ، والقصتان هما " لأنه يحبهم " و" فلسطيني " ، وقد عبرت ، مثل أبي سلمى ، عن تبدل الأحوال وتغيرها وقسوتها ، حيث يغدو الفلسطيني غير مرغوب فيه ، ويتحول من مواطن محترم في بلده ، إلى شاذ أو مجرم أو بغي أو لص ، وكل ذلك بسبب فقدان الزوج أو الأرض أو ... عدم تعامل اللبناني مع الفلسطيني من منظور قومي ، فقد نظر إلى الفلسطيني على أنه غريب غير مرغوب فيه .
سأتوقف أمام أعمال غسان الروائية ، بشكل عام ، لأربط بينها وبين قصتي سميرة عزام .
يموت الفلسطيني في المنفى ويلقى بجثته في المزابل ، ويحيا مشردا مشتتا هاربا من عار أخته ، وتعمل المرأة خادمة في البيوت تتعرض لاستغلال رأس المال .
الوقفة المطولة كانت أمام تجربة محمود درويش بعد خروجه من فلسطين في 1971،ووقد توقفت أمام ديوانه " محاولة رقم7 " و وأشعاره بعد خروج الثورة من بيروت في 1982، وتناولت قصيدته " نزل على بحر " من ديوان " هي أغنية هي أغنية ".
أشرت طبعا إلى رواية رشاد أبو شاور " العشاق " وبعض أعمال يحيى يخلف ، ولكني توقفت مطولا أمام رواية سامية عيسى " حليب التين " .
الحضور كان بالطبع قليلا جدا ، ولم يزد العدد على 13مستمعا ، وهذا ، طبعا ، كثير ، ويعكس اهتمام شعبنا بالثقافة والأدب .
بارك الله فينا ، وسأحاضر ثانية حين يطلب مني أيضا ثانية .

٣
كتاب جديد :

" أوراق مقارنة في اﻷدب الفلسطيني "

بعد شهرين ، إن شاء المشيء ، سيصدر لي كتاب عنوانه " أوراق مقارنة في اﻷدب الفلسطيني " .
ما بين فترة وأخرى أجدني أكتب ورقة لهذه الجامعة أو تلك ، وأجدني أقارن بين نصوص أدباء فلسطينيين وأدباء عالميين تأثر الكتاب الفلسطينيون بنتاجهم .
القراءات السابقة والمقابلات التي تجرى مع الكتاب وقراءات نصوص أدبية عالمية أعيدت طباعتها في فلسطين هي ما تقودني إلى المقارنة .
أحيانا أكرر دراسات سابقة وأتوسع فيها ، وأحيانا أكتب أشياء جديدة لم يخض فيها الدارسون من قبل .
مثلا ما صلة اﻷدب الفلسطيني باﻷدب الصهيوني؟
هذا جانب أكتب فيه ويلفت نظري حقا .
أعتمد في الكتابة فيه على نصوص أدبية عبرية منقولة إلى العربية ، أو على نصوص مكتوبة باﻷلمانية أو مترجمة إليها . رواية ( هرتسل ) مثلا : " أرض قديمة-جديدة " ، أو بعض نصوص ( برتولد بريخت ) ،أو اﻷدب الصهيوني المترجم إلى اﻷلمانية مثل رواية ( ليون أوريس ) " اكسودس " .
الموضوع طريف ولو كنت أتقن العبرية ﻷمطرتكم بمقالات تفوق ما كتبه غسان كنفاني .
في انتظار صدور الكتاب في اﻷرض المحتلة عن مجمع القاسمي وتحياتي لكم .
٢٠١٤

٤
أدبيات العائدين وأدبيات المقيمين :

وأنا أكتب عن أدب العائدين فكرت أيضا في أدب المقيمين .
ترى اي النصوص برز فيها النقد الذاتي أكثر ؟
هل برز في نصوص العائدين أم في نصوص المقيمين ؟
هل كان الأدباء العائدون متصالحين مع النظام السياسي ، فلم ينقدوه ، خلافا للأدباء المقيمين؟
الموضوع يحتاج إلى أن يفكر فيه حقا .
أكثر النصوص التي فيها نقد ذاتي هي النصوص التي كتبها المقيمون ومنهم أحمد حرب في " بقايا " ، وأحمد رفيق عوض في " مقامات العشاق والتجار " ، وأسامة العيسة في " مجانين بيت لحم " ، والأخير أكثر نص انتقد فيه مؤلفه " أبوعمار " ، ولا بد من الإشارة إلى روايات يوسف العيلة العديدة من " خيال اوسلو " إلى " أوراق لاجيء " .
هل انسى " لا ملائكة في رام الله " لايناس عبد الله و" رام الله الشقراء " لعباد يحيى .
حقا لماذا بدا النقد الذاتي القاسي والمؤلم في نصوص المقيمين ، لا في نصوص العائدين؟
أيعود السبب إلى ....
٢٠١٥

٥
حزيران الذي لا ينتهي : استدراك

وأنا أمسح شقتي ، هذا الصباح ، تذكرت المرحوم المغفور له بإذن الله الملك حسين وخطابه في حزيران في نهاية الحرب :
خرمشوهم بأيديكم بأسنانكم . ( لماذا غضب مني صديقي حين قيل له : إنني وصفته في نصي " ليل الضفة الطويل " ١٩٩٣ بأنه كلب ، علما بأنني لم أذكر اسمه ؟ ) .
قلت : لعل خربشاتي هذه مستوحى عنوانها من خطاب جلالة الملك .
لعل هناك صلة بين خرمشات وخربشات . حكامنا أيضا ملهمون لنا .

8 / 6 / 1967 :
(حزيران الذي لا ينتهي ) 4

بدأت الهزيمة تنجلي.كانت الطائرات الإسرائيلية تغير عصرا على أطراف نابلس وتقصف.وكان بيت خالتي مكتظا بالناس.غرفة بخمسين ستين رجلا وطفلا وثانية ومثلهم من النساء.ومرحاض واحد لهؤلاء كلهم.
الطائرات تغير والدبابة تقاوم والمدفع المضاد للطائرات يحاول شيئا.
هل كان اسم القائد (ابو هاشم )؟
سيشاع أن ضابطا اسرائيليا نزل من دبابته وأدى التحية العسكرية للشهيد أبي هاشم في وادي التفاح ، لأنه قاوم مقاومة باسلة ولم يترك دبابته لينجو بنفسه.
ساعات المغرب كان ثمة خوف وصمت . صمت بدأ يخيم فقد صمتت المدافع مساء وما عادت الطائرات تغير .
ماذا كان الرجال يفعلون بالبنادق؟
جارتنا القادمة من المخيم ( أم الشكر ) كانت تفكر بزوجها . ماذا سيفعل حين يعود ولا يجدها وأطفاله في البيت ؟
8/6/1967

٦
(2)
مكونات الرواية ( رواية الحياة بعد الموت ) :
- يتكون القسم الأول من ثمانية فصول هي :
- الصبية النائمة والفتى الساهر "
- وعند صفو الليالي يحدث الكدر
- الحرب العظمى .
- الفوضى
- اديل
- بين الهوى والغواية
- فهي شيطان إذا افسدتها - المشنوق .
ويتكون القسم الثاني من سبعة فصول هي
- الشرائع والمراة
- القتال
- في عليبولي
- غرائب الصدف
- مريم
- عواصف الضمير
- ديوان عاليه ،
- بعد عامين
وإلقاء نظرة على العناوين الفرعية يعيدنا إلى العنوان الجزئي الذي اختاره المؤلف لروايته وهو " تاريخية غرامية اجتماعية وقعت حوادثها أثناء الحرب العمومية " .
ويستطيع المرء أن يميز بين ما هو تاريخي وما هو اجتماعي وما هو غرامي ، بناء على العناوين الفرعية التي تلخص ، إلى حد ما ، محتوى ما أدرج تحتها ، بل وتعينه أهو تاريخي أم غرامي أم اجتماعي .
إن الفصول 1+2+5+6+7+12+13 هي عناوين غرامية ،
وأما العناوين 3+10+11+14 فهي عناوين تاريخية بامتياز ،
وأما العناوين 8+9 فهي اجتماعية .
ولا يعني هذا عدم تداخل التاريخي بالاجتماعي بالغرامي أيضا .
والزمن الروائي يمتد من 1915الى 1918 تقريبا ، مع القفز عامين كاملين ، دون الخوض في تفاصيل ما جرى فيهما . هذا يعني أن هناك حذفا واضحا في بنية الزمن ،
ويمكن القول إن الزمن الكتابي للرواية يتطابق مع الزمن الروائي ، فقد كان اسكندر المؤلف يكتب روايته زمن الحكم العثماني ، أيام كانت أحداثها تجري . وكان المؤلف يخفي في النهار ما يكتبه في الليل ، حتى لا يكتشفه العثمانيون إن فتشوا منزله .
وهناك ما هو مشترك بين بطل الرواية نجيب والمؤلف ، وهو أن الاثنين يمارسان مهنة الكتابة ، وكانا ضد العثمانيين ، مع أن نجيب انضم مكرها للجنديةو.
يتذكر قاريء الرواية ما كتبه الناقد ( شمعون بلاص )في كتابه " رواد ومبدعون " حين درس روايتي جمال الحسيني " ثريا " و " على سكة الحجاز " من أن أدباء تلك المرحلة لم يتعرضوا للواقع الاستيطاني في فلسطين إلا قليلا ، فالرواية لا تأتي على المشروع الصهيوني في فلسطين على الإطلاق .
(3)
وكما ذكرت يبدو تأثر الكاتب ، في روايته هذه ، بالأدب الروسي أوضح ما يكون ، مثل ( بوشكين )و( تولوستوي )، وقد أشار هو إلى هذا في التمهيد الذي كتبه ، كما يبدو تأثره بالأدب الفرنسي ، وتحديدا بالكاتب ( فيكتور هوغو ) وروايته " البؤساء " ، وبالكاتب العالمي الانجليزي ( شكسبير ) .
وكان الدكتور قسطندي شوملي ، وهو يدرس الاتجاهات الأدبية والنقدية في فلسطين ، التفت إلى هذا وأشار اليه .
إن طريقة القص في " الحياة بعد الموت " خارجة من معطف الرواية الروسية في القرن 19، كما أن بؤس شخصيات الرواية ومعاناتهم يذكر بعنوان رواية ( هوغو ) " البؤساء " .
كان فن القصة والرواية في فلسطين حديث النشأة ، وكان المثقفون يجيدون غير لغة أجنبية ، فبيدس مثلا كان مديرا للمدارس الروسية في الناصرة ، ونجاتي صدقي درس الاقتصاد في موسكو ، وهؤلاء كلهم ترجموا الأدب الروسي وغيره إلى العربية .
ويلحظ المرء إشارات البيتجالي إلى قراءاته من خلال ما يورده سارده ، فهو لا يخفي قراءاته في الأدب وغير الأدب .
ونعود إلى ملاحظة ( شمعون بلاص )في كتابه " رواد ومبدعون " لنلاحظ عدم تعرض البيتجالي إلى الاستيطان الصهيوني في فلسطين ، فذكر اليهود ، في الرواية ، ذكر عابر .
هنا نعود ثانية إلى رواية بيدس " الوارث " .
كتب بيدس روايته مختارا لها بيئة بعيدة عن المدينة التي عاش فيها والوطن الذي كان يعمل فيه ، فقد جرت احداث الرواية في القاهرة ، ما بين 1914 - 1918، أي الفترة نفسها ، تقريبا ، التي جرت فيها أحداث رواية البيتجالي ، وكتب عن اليهود هناك ، دون أن يأتي على الخطر الصهيوني في فلسطين ، ولم يأت على الأرض الفلسطينية والمستوطنات ، وربما يكون السبب أن الخطر الصهيوني كان في بداياته . وكما ذهب فاروق وادي في كتابه " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " ، فقد أبرز لليهود الصورة التقليدية ، أي النمط الشايلوكي ، ولم يبرز صورة اليهودي الجديد ، تلك الصورة التي برزت أوضح ما يكون في رواية ممدوح عدوان " اعدائي " ، كما لم تبرزها أية رواية من قبل .
٢٠١٦

٨
( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) :

ولقد سرحنا بإحسان وبقي أن أطلق الجامعة بإحسان كما طلقت الفصائل كلها .
كلهما عامان و إن شاء الله سأطلق الجامعة أيضا بإحسان .
أظن أن زواجا يستمر 37 عاما هو زواج ممل .

2017 / 6 / 8

صباح الخير
( قلنا لها إلى اللقاء ونحن ندرك أن لا لقاء إلى الأبد . ) ( بول دي مان ) " العمى والبصيرة " :
" الكتابة أن تقول شيئا وتقصد عكسه " .

٩
قطر :

ما يجري بين قطر و دول الخليج تياسة عربية سببها العقلية البدوية العشيرية / العشائرية ، والغرب يضحك على العربان ويسترد ثمن النفط .
لم يتعلم العرب ولم تتعلم إيران وتركيا أيضا . ما زال هؤلاء وهؤلاء يتصرفون - ولا أقول يفكرون - بعقلية القرن الأول الهجري / السادس الميلادي - أي عقلية المذهب والطائفة والعرق : عرب / مجوس .
مثلنا يقول : " رزق الهبل على المجانين " ورزق ترامب وبوتين على جهل المسلمين .
2017/ 6 / 8
١٠
واسيني 1 : "مي ليالي إيزيس كوبيا/ ليالي العصفورية " :

اقرأ في هذه الأيام رواية واسيني الأعرج عن مي زيادة "مي ليالي إيزيس كوبيا "2018 وهي عن اللبنانية الفلسطينية ابنة الناصرة الأديبة والكاتبة مي زيادة.
اقرؤها ببساطة لأنني صرت أخشى على نفسي من مصير مشابه.يعني اقرؤها بقصد مسبق.
واسيني الأعرج زار فلسطين مرارا وغدت هناك صداقة ومحبة بينه وبين القراء الفلسطينيين.
زار الناصرة والأماكن التي عاشت فيها مي؛ بيتها ومدرستها ،وسافر إلى الأماكن الأخرى التي أقامت مي فيها ؛بيروت والقاهرة...الخ وتتبع حياة الكاتبة ليعيد لها الاعتبار.
عنصر التشويق في الرواية واضح. وقاريء الرواية سيخرج منها بأبعاد معرفية عن الكاتبة وعلاقتها بكتاب عصرها ،عدا أنه سيرى في ابن عمها جوزيف شخصا ينطبق عليه المثل"الأقارب عقارب ".
لعلني سأكتب عن الرواية أكثر ولعلني أخربش هنا أيضا عن بعض جوانبها.
كنت التقيت بالكاتب في مجمع القاسمي في باقة الغربية حيث شاركنا في مؤتمر أدبي عن أعماله في 12/ 5/2018 وقدمت مداخلة عن القدس في روايته "سوناتا لاشباح القدس ".
2018

١١
جوخة 20 :
جوخة الحارثي : التعدد اللساني

تحفل الرواية بمستويات لغوية متعددة سببه أنها تحفل بشخصيات تختلف بيئاتها وثقافتها ، فالرواية فيها البسطاء العاديون الذين لم يتعلموا في المدارس إطلاقا ، وفيها المتعلمون من عمانيين وغير عمانيين ، وإن كان الأخيرون قلة كالانجليزي بيل والمصري الأستاذ ممدوح الذي يعلم في مدارس عمان ، وفيها محبو الشعر العربي القديم . ولم تقم جوخة الحارثي بما ثقوم به مياه نهر ( ليثي ) كما تقول الأسطورة ، حيث تحول كل ما يدخل فيها إلى ذهب ، أو لا تفعل جوخة الحارثي ما تفعله عيون ( ميدوزا ) أيضا في الاسطورة حيث تحول كل ما تقع عليه عينا ميدوزا إلى حجر / ذهب . لا تؤسلب الكاتبة لغة شخصياتها ولا تعيد كتابتها بعربية فصيحة كلاسيكية .إنها
تتركها تعبر عما في داخلها وتنقل ما يجري على لسانها كما هو ، وهكذا نقرأ لهجات وأمثالا شعبية عمانية باللهجة الشعبية العمانية ومفردات أجنبية ولغة عربية تراثية من خلال الشعر العربي القديم ، وهذا بدوره قد يترك تأثيره السلبي على القراءة ، في الوقت الذي يمنح الرواية ميزة تصوير الواقع العماني ونقل أجوائه حتى على الصعيد اللغوي ، وهنا يضطر القاريء إلى البحث عن معاني بعض المفردات التي هي من صميم البيئة العمانية ، مثل الفاشغ و مصر - ما يوضع على الرأس - والفلج ومندوس والمستوصف ، وهي كلمات أقرأها لأول مرة ، وإن اتضح بعضها من خلال السياق .
سوف أورد نماذج من التعدد اللساني في الرواية التي تتشابه في هذا الجانب مع رواية السعودية رجاء الصانع "بنات الرياض " وكنت خصصت التعدد اللساني فيها بمقالة نشرتها في جريدة " الأيام" الفلسطينية .
مسرد :
- مثل شعبي :
" المشي الريول تخب مين الفؤاد محب ومين ما أشتهي علي كود وتعب / تمشي الأرجل مسرعة حيث يحب الفؤاد ، وحيث لا أشتهي أشعر بالتثاقل والتعب "
" اللي ينقد يطيح المنقود فيه "
" أنفك منك ولو خاس "
" النهار حال حد ، والليل حال حد - شدة على الدال / النهار للإنس والليل للجن "
"الحمار لما يشبع يرفس "!!
- لهجة :
مسكد / مسقط
دخاتر / دكاترة
ترقص الحمبورة
لقيت القاشعة
تريد تتسفل
- لغة انجليزية :
نعم تي.. مور تي بليز tea /more tea e
لت ات جو / let it go.
اعملي له ديلت / Delete .
أوه دير / Oh dear.
- لغة مؤسلبة :
قال المعلم بيل :" لماذا لم تتعلم الإنجليزية وأنت صغير ؟ الآن أدركت أهميتها ؟ إنها أهم لغة في العالم " مع أن الرواية تشير إلى أن بيل الانجليزي يتقن العربية الفصيحة .
- لهجة مصرية :
انفجر أستاذ ممدوح من الضحك : " لما حتكبر حتبقى إيه ؟ تكبر وتطير وتجلس فوق الغيم ؟ الغيم ده زي البخار يا عبيط..هوا يعني..هوا .."
- أبيات من الشعر العربي القديم :
" أعانقها والنفس بعد مشوقة
إليها وهل بعد العناق تدان
وألثم فاها كي تزول حرارتي
فيشتد ما ألقى من الهيمان...الخ " .
وهنا يمكن التمييز بين لغة المتعلمين ، مثل خالد وأسماء وآخرين ، ولغة غير المتعلمين مثل ظريفة وسالمة . بين لغة قاريء كتب التراث العربي ولغة الانسان غير القاريء عموما .
ويمكن القول إن الكاتبة لم تغرق في نقل اللهجة العمانية ، وأنها أقامت ، في الهوامش ، بتوضيح بعض العبارات والأمثال مما اعتقدت أنه سيخفى معناه على القاريء العربي غير العماني .

١٢
يافا 7 حزيران 2019 :
وأخيرا تزور يافا :

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

منذ فترة طويلة وأنا أفكر في إنجاز كتاب عن المدن الفلسطينية التي لها حضور في ذاكرتي الشخصية والأدبية ، المدن التي زرتها قبل العام 1987 ثم انقطعت عن زيارتها ثلاثين عاما تقل قليلا أو تزيد قليلا : القدس وعكا وحيفا ويافا وغزة تحديدا .
تمكنت من زيارة القدس وعكا وحيفا ولم أفلح في زيارة يافا وغزة .
في العام 2000 عقد قسم اللغة العربية في
الجامعة الإسلامية في غزة مؤتمرا علميا أردت المشاركة فيه ولكن السلطات الإسرائيلية لم توافق على منحي تصريحا بحجة أنني " محروق " . هكذا جاء الرد .
سافر زملائي ولم أسافر ولم أر غزة التي زرتها مرات عديدة بعد هزيمة حزيران 1967 .
يافا المدينة التي ولد فيها أبي ، وهي مدينته ومدينة آبائه وأجداده ، ظلت زيارتها حلما يراودني ، وآخر مرة زرتها كانت في العام 1987.
منذ أيلول 1987 لم أر يافا ، وكلما فكرت في زيارتها أشكل الأمر وصعب حتى زرتها أخيرا في ثالث أيام عيد الفطر السعيد في السابع من حزيران 2019 .
اثنان وثلاثون عاما تنقضي ولا أرى مدينة الآباء والأجداد وهي على مرمى العصا . كما لو أنني ابن عاق ل " أم الغريب " التي طالما استقبلت قبل 1948 الغرباء واحتضنتهم ، حتى أنها كانت تبصر بدايات ولادة المشروع الصهيوني دون أن ترى فيه خطرا يهدد وجودها .
مرة كنت أشاهد لقاء بثته فضائية الجزيرة مع شفيق الحوت روى فيه أن أمه سخرت منه حين أخبرها عن الخطر القادم من اليهود ، ولم تصدق ما قاله لها إلا حين رأت جثة أحد أبنائها في 1948 مقتولا على أيدي العصابات الصهيونية .
وأخيرا زرت يافا !
في ثالث أيام العيد زرت القدس لأعيد على أختي .
بعد أن اجتزنا معبر قلندية أخذت أصغي إلى أصحاب الحافلات ينادون :
- يافا. البحر . يافا. البحر .
سألت السائق عن الأجرة وعن الأيام التي تتوفر فيها الباصات هنا على المعبر ، و عن مكان وقوفها في القدس .
لطالما كتبت عن يافا مستعينا بما أقرأ في النصوص الأدبية أو بما أشاهد من أفلام قصيرة أو لقاءات وحوارات عابرة مع أبنائها الباقين فيها يتحسرون على ماضيها ، ونادرا ما أفلحت في استحضارها مما بقي عالقا في ذاكرتي من زيارتي لها قبل العام 1987 .
الصورة التي تشكلت عن المدينة من خلال النصوص الأدبية لم تكن مشرقة دائما ، وقصيدة محمد مهدي الجواهري لم أتمثلها تمثلا جيدا . لقد رسخ ، في الذاكرة أكثر ، نصان كتبهما راشد حسين وسميح القاسم وأظهرا للمدينة صورة قاتمة تطابقت إلى حد ما وما شاهدته بعد 1967 ، وغالبا ما كتبت عن هذين النصين .
كان زوج أختي يقترح علي أن أزوره ليصطحبني إلى يافا ، وغالبا ما كنت أجيب بالإيجاب ولا أبادر .
في القدس في الرابعة عصرا سرنا إلى يافا وكنت أمعن النظر في جانبي الطريق ؛ الأحراش والقرى العربية ومكان استشهاد عبد القادر الحسيني /القسطل ومخلفات حرب 1948 من الآليات الحربية الإسرائيلية التي شاركت في المعارك . كانت هذه المخلفات في وسط الشارع الرئيس ثم ركنت ، بعد توسيعه ، إلى الجانبين .
عندما زرت يافا في 1967 أو 1968 لفتت عمارة شالوم النظر ، فقد كان عدد طوابقها يربو على السبعين ، والآن وأنت في تل أبيب ترى عشرات العمارات ذات الطوابق المرتفعة .
وأنت في يافا الآن ترى الساعة مازالت قائمة وترى فرن "أبو العافية "في مكانه .
وأنا قرب الشاطيء على الرصيف تفقدت الميناء .هل خانتني الذاكرة أم خانني النظر .لم أر الميناء ولم أر الحرش وكأنني افتقدت التلة المقابلة . أخيرا عثرت على التلة ولكنني لم أعثر على الميناء والحرش . كاد الأمر يلتبس علي بخصوص التلة ثم أدركت أن المباني الجديدة التي أقيمت هي ما جعل الصورة مشوشة .
حين كنت أزور يافا قبل 1987 لم يكن يدفعني إلى زيارتها الوعي بالمكان ؛ ما كان عليه وما صار إليه ، على الرغم من أن هذه الفكرة محورية في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " . ما كان يلح علي في حينه هو رؤية مدينة الآباء والأجداد التي طردوا منها وبسبب فقدانها صاروا لاجئين وولدت في مخيم لاجئا يعاني صحيا ونفسيا واجتماعيا وانسانيا .
في هذه السنوات أصبحت أزور مدننا محملا بأبعاد معرفية وبتجربة مرة وبنظرة شمولية ترى في فلسطين شقيها ؛ المنفى والاحتلال ، وتدرك ما معنى هذا القدر من الشقاء والمعاناة لسبعة ملايين لاجيء وستة ملايين محاصر ، وتنظر إلى الماضي بعين الحاضر والحاضر بعين الماضي ، وتردد عبارة " ما متع غني إلا بما جاع به فقير " على النحو الآتي :" ما متع يهودي إلا بما تعذب به فلسطيني " .
في أثناء تجوالي في المباني المحيطة بالساعة وشاطيء البحر رأيت مباني لم أقترب منها من قبل ، مع أنها كانت موجودة وقائمة من العهد العثماني . في هذه المباني كان يقيم القناصل الأوروبيون ويتحكمون في المدينة ويخططون لمستقبلها وما ستصير إليه . الآن هذه المباني غدت محلات لبيع بعض تحف أو أشبه بمطاعم ، وغدت ساحتها خضراء يأتي إليها العرسان لتبادل الخواتم أو غدت مكانا لعرض مسرحية أو لعزف قطعة موسيقية .
المقاعد متوفرة بكثرة ليجلس عليها السائحون أو أبناء المدينة لينظروا إلى البحر .
في ساحة هذه المباني العلوية نافورة ماء تسمى بركة الحظ . ما عليك إلا أن ترمي قطع النقود وتتمنى . هكذا تقول الأسطورة ، ولما كنت أملك شيكلا واحدا فائضا فقد آمنت بالأسطورة وألقيت به فيها وتمنيت ما تمناه الفلسطينيون منذ 1948 ، وتحديدا في فترات ارتكاب المجازر بحقهم ، ولم يتحقق . ضحيت بالشيكل وتمنيت مؤمنا بما تقوله الأسطورة التي عادة ما لا آؤمن بها .
وسألني ابن أختي عما تمنيت .
لن أكتب الأمنية بالحروف نفسها ولكني أقول : تمنيت أن يعيد الله إلى فلسطين سبعة ملايين لاجيء فلسطيني وأن يعيد معهم أبي وأعمامي وجدي وجدتي الأموات .
شاطيء يافا في حزيران ، حيث الحر والرطوبة ، مكتظ بالعرب واليهود ، والملابس غالبا ما تفصح عن هوية كل طرف . هنا يجتمع الشرق المحافظ والغرب المتحرر ، وكل يتصرف بما يؤمن به .
في السادسة مساء تقريبا كان ثمة سائق ينادي :
- بيت لحم . الخليل .بيت لحم. الخليل .
تركت الشاطيء وسرت باتجاه فرن "أبو العافية " وسألت عن أبناء ابنة عم أمي نجاح ؛ سألت عن أحمد وخميس ، فاسماهما عالقان في الذاكرة ، أما أمهما التي أعرفها جيدا فقد توفيت منذ ست سنوات كما أخبرني حفيدها المحاسب . قال لي إن أحمد وخميس مسافران ، وأصر على أن يضيفني بعد أن عرفته بنفسي .
واصلت السير في الشارع الذي كان يضم بنايات قديمة أقيمت فوقها مبان جديدة ، واستبد بي الفضول لمعرفة اسم الشارع ، وحين لم يجبنا بعض العرب ، لأنهم كانوا زوارا لا يعرفون ، فقد سألت شابا يهوديا بدا متدينا يقف على مدخل بناية أشبه بقاعة احتفالات .
- اسلخاه ، ما شم هرحوب هزي ؟
- رحوب يافو .
أجابني وواصلت سيري .
كان الشارع هادئا فحركة المواصلات ، مشاة وسيارات ، كانت خفيفة ضعيفة ويبدو أنها أسبتت واحتاجت إلى " كافر سبت " .
عندما كان أبي على قيد الحياة كنت أعرف منه عن حياته وبيتهم في المدينة . عرفت أنهم كانوا يقيمون في البلدة القديمة ، ثم بنوا بيتا جديدا في حي النزهة ، والغريب أنني لم أطلب منه قبل 1987 أن يصطحبني إليه .كان يزوره بحكم عمله سائقا في شركة باصات ( ايغد ) ويتحدث العبرية مع الذين أقاموا في البيت بعد 1948 ، وفي آخر زيارة له ، كما أخبرني ، لم يجد البيت .لقد رأى كازية بنزين ، والآن حين اسأل عن بيت جدي هناك أقول :
- في حي النزهة حيث توجد " طرمبة " بنزين . ولا أعرف ما ألم بكوشان البيت الذي ظل أصغر أعمامي يحتفظ به ، ولا أعرف ما ألم بمفتاح الدار .
من سنوات قرأت مقطعا شعريا يقول صاحبه :
-" عبثا نحتفظ بمفاتيح الدار ،
فقد غيروا الأبواب " .
وفيما يخص بيتنا فلم يغيروا الأبواب وحسب . لقد هدموا البيت كله ؛ البيت الذي بناه جداي من وراء فرش الكعك .
كانت جدتي تصحو فجرا وتعجن العجين وتصنع الكعك ليبيعه جدي على طلبة المدارس . ولا أدري إن كان جدي في يافا مسحرا ، ومؤخرا عرفت أنه أول مسحر في مخيم عسكر القديم .
كان المساء يحل وعبثا نجحت في الاهتداء إلى حي النزهة ، وكان زوج أختي على عجل لمغادرة المدينة حتى يتلافى أزمة مرور إن كانت هناك أزمة .
في يافا سألني ابن أختي :
- ماذا ستكنب ؟
فأجبته :
- لم أر المدينة بعد . الكتابة تتطلب أن أعود إلى يافا واتحسسها بيتا بيتا وشارعا شارعا ، وأن أجلس في مقاهيها وأصغي إلى أهلها .
هل زرت يافا أم أنني كنت عابرا في الوجوه العابرة ؟
منذ تلك الزيارة وعنوان قصيدة محمود درويش في رثاء "أبو علي إياد " يلح علي " عائد إلى يافا " ويلح علي أكثر سطر شعري له " ويافا حقائب منسية في قطار " .
عبثا احتفظ عمي بالكوشان ، فلقد هدموا البيت كله .
لا بد من زيارات أخرى .
الجمعة 14 حزيران 2019

١٣
الفلسطيني في الرواية العربية " حقل أرجوان " والفلسطيني الخائن ( ٢ من ٢ ) :

عادل الاسطة

في تتبع صورة الفلسطيني في الرواية العربية نادرا ما يقرأ المرء عن الفلسطيني المتعاون أو الفلسطيني الخائن . وربما يقرأ المرء عبارات تتهم الفلسطينيين ككل بأنهم باعوا أرضهم لليهود ، وهذا الاتهام وجه إليهم قبل العام ١٩٤١ تقريبا ، تاربخ وفاة الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان الذي كتب قصيدة " نعمة " يخاطب فيها أهل بيروت موضحا لهم أن ما يقولونه ، بغبطة ، من أن الفلسطينيين يعيشون بنعمة ، لأنهم يبيعون اليهود تربا ويحصلون مقابله على التبر - الذهب ، قول خاطيء ، فالتراب أغلى من الذهب وأفضل .
وقد تكرر مثل هذا القول على لسان شخصيات عربية ؛ روائية وغير روائية ؛ سياسية وشعبية ، ودافع الفلسطينيون عنه في أدبياتهم وفي أحاديثهم ، وعزوا البيع إلى عائلات إقطاعية عربية ، وذهبوا إلى أكثر من ذلك ، فاتهموا الحكام العرب بالتخاذل والتبعية ، بل والتعاون مع الدولة الإسرائيلية ، وبلغ دفاع الفلسطينيين عن أنفسهم ذروته في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، حين أقدمت دول عربية على إقامة علاقات سياسية وتطبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي .
هذا الاتهام للفلسطينيين ورد الفلسطينيين عليه بدا ، كما لاحظنا ، في رواية " حقل أرجوان " .
والرواية التي كتبها كاتب سوري ورواها فلسطيني تأتي ، كما لاحظنا أيضا ، على نماذج فلسطينية سلبية ، منها شخصية المتخاذل وشخصية المتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي ، وهو ما لاحظناه أيضا ، وإن لم نضئه بما فيه الكفاية .
هنا سوف أتوقف بقليل من التفصيل أمام هذين النموذجين اللذين برزا أكثر وأكثر في الأدبيات الفلسطينية في الأرض المحتلة ، كما في قصص وروايات كثيرة ، مثل قصة " المخبر . ن " للقاص محمد نفاع ، ومجموعة " العودة " للقاص جمال بنورة ، على سبيل المثال لا الحصر ، ولم تخل منها أدبيات الفلسطينيين في المنفى كما في رواية غسان كنفاني " أم سعد " وإن ارتد الزمن الروائي فيها للكتابة عن النموذج المتخاذل إلى فترة ما قبل العام ١٩٤٨ .
في " حقل أرجوان " يقتل الفدائيون جعفر جبريل ، وهو أحد أفراد المجموعة التي شكلوها بعد هزيمة حزيران لمقاومة الاحتلال ، ويعود السبب إلى أنه لم يواصل معهم طريق المقاومة ، فقد انسحب من المجموعة ، بحجج تتمثل في أنه رب أسرة يريد أن يعيلها ، وفي أن المقاومة لن تؤثر على دولة استطاعت هزيمة ثلاثة جيوش عربية ، وما دفع إلى قتله أيضا أن دورية إسرائيلية داهمت أحد مخازن الذخيرة ، ولم يكن يعرف عن المخزن إلا جعفر والدكتور نافذ . وسيكتشف الدكتور لاحقا ان تصفية جعفر كانت خطأ ، فالرجل اعترف على المخزن ليحافظ على أعضاء الخلية وعدم تسليمهم ، " إذ لو اعترف بشكل كامل لكنا الآن في السجن ، لكن يبدو أنه افتدانا بالأسلحة وقتله ربما كان ارتجالا متسرعا " .
شخصية الشيخ أحمد حسن تبدو مختلفة عن شخصية جعفر جبريل ، فإمام الجامع الذي يقتل بعد عام من اشتباك الدكتور نافذ مع الجيش الإسرائيلي وجدت جثته " على عتبة داره وفي ظهره سكين غاص نصلها حتى القلب ، وقرب الجثة رسالة مختصرة " كتب فيها " لن يتاح لك بعد اليوم أن تخدع الثوار بقنابل إسرائيلية لا تنفجر .
شعب يمهل ولا يهمل " .
لقد نشأت ثمة علاقة بين الشيخ أحمد وبين الدكتور نافذ ، وجرت بينهما حوارات عديدة ، فمن هو هذا الشيخ ؟
الشيخ من قرية " فلامة " الصغيرة التابعة لمدينة قلقيلية ، وكما يروي عنها ابنها فقد تعرضت في العام ١٩٥١ " لهجوم يهودي قدر عدد أفراده ب " ١٣٠ " جنديا ، هاجموا القرية بالبنادق والرشاشات والألغام " ومني الهجوم بالفشل بعد أن استشهد مختار القرية وجرح بعض أبنائها " بعد ان دافع الحرس الوطني والأهالي عن القرية ببسالة نادرة " .
يكرم أهل عينابوس الشيخ ويجلونه وهو " شاب دون الأربعين ، لحيته سوداء ونظراته ثاقبة " وقد جاء إلى عينابوس " منذ عامين في ظروف غامضة هاربا من جور اليهود وملاحقتهم لعائلته المتدينة في سفارين التابعة لطولكرم " ويتحدث الشيخ عن أجداده المتدينين منذ القرن الثاني عشر ، وفي خطبة الجمعة وسهرات الليل يدعو للحياد عن الأمور السياسية والأحزاب التي تورط الشعب وتؤدي إلى المهالك " وما كان ليترك مناسبة إلا ويتهم فيها الدهريين والملحدين والشيوعيين ، عملاء موسكو ، بأنهم سبب البلاء ، هؤلاء الذين جاؤوا بالبدع الملحدة التي تحل محل الإله وتعيد أصل الكون للطبيعة والمادة " وهذا ما كان ينفر الدكتور نافذ منه الذي كان في أعماقه يرفض الأفكار الانهزامية والمحايدة التي يبثها الشيخ والتي تستغل سذاجة وجهل وغريزة الشعب .. " .
اعتراض الدكتور نافذ على آراء الشيخ كانت تجعل الأخير يمتعض من دهريات الأول وثقافته الطبيعية والمادية " ولكي يهرب من الحوار يغمز من جانبي بأن الملحدين والمشركين لا يمكن أن يحرروا فلسطين أو القدس الشريف " ، وحين يتفوه الشيخ بآرائه هذه يبدو مهتاجا " وفي غمرة هياجه راح يلمح إلى أن العمليات الفدائية ليست أكثر من عمليات انتحارية تقوم بها مجموعة من الشباب الأهوج المورط للشعب البريء " ، وهنا يشيد فجأة بمواقف الحاج أمين الحسيني الذي كان عدوا للانجليز واليهود .
والشيخ الذي يهاجم العمليات الفدائية يخطب في الوقت نفسه ضد إسرائيل والاحتلال ، ولأمر ما (؟) يدبر لمختار القرية طريق الهرب إلى الأردن .
في أثناء غياب الدكتور نافذ عن القرية يتفقده الشيخ ، وحين تموت ابنة الدكتور الطفلة يصلي الشيخ عليها ويعزيه وينفرد به " وأسر بأنه يرغب مقابلتي على انفراد لأمر خاص ومهم وعاجل " ، ويلتقيان لاحقا معا في بيت بعيد عن عينابوس ويقول الشيخ للدكتور كلمة السر بينه وبين القيادة في الأردن ويفاجئه باتصاله بالقيادة ويخبره بأنه حمل له ولمجموعته أموالا وأسلحة ، ويصبح بيت الشيخ " أحد المقرات السرية " للدكتور حين يشعر بالخطر " وفي تلك الليلة استفاض الشيخ بالكلام عن خديعة السلام مع عدو الدين الذي لا يحفظ عهدا ولا يعرف غير سلام السلاح والموت " .
المعركة بين الدكتور نافذ والجيش الإسرائيلي تتم في بيت الشيخ الذي أعطاه قنبلة لا تنفجر وسلمه للعدو .
صورة " الفلسطيني الخائن " في الرواية العربية ستظهر من جديد بعد ما يقارب ٣٦ عاما في رواية الياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم و نجمة البحر " وهذا ما سوف أكتب عنه في مقال آخر ، وهنا يمكن إثارة السؤال الآتي :
- هل أراد الروائي علماني التوجه أن يسيء إلى التيارات الإسلامية أم أن الواقع الفلسطيني عرف حالات مثل هذه ؟
رواية " حقل أرجوان " رواية فيها قدر كبير من الأحداث والشخصيات الحقيقية ، وفي فترة الانتفاضة الأولى قتل إمام جامع في أحد مخيمات اللاجئين في مدينة نابلس لتعاونه مع الاحتلال ، وفي السنوات الأخيرة تردد أنه في العام ١٩٤٨ كان هناك حوالي ثمانية عشر إماما في القرى الفلسطينية هم يهود تظاهروا بأنهم فلسطينيون متدينون فأموا بالجوامع ، ومن المؤكد أن صورة الفلسطيني المندين ستختلف كليا بعد تأسيس حماس وحركة الجهاد الإسلامي .
الاثنين ٨ حزيران ٢٠٢٠

١٤
ذاكرة أمس ٨٤ :

" واوي بلع منجل " وحصان طروادة الفلسطيني

ربما احتاجت إسرائيل إلى ما يقارب الأربعين عاما حتى تدرك معنى قول الشاعر الفلسطيني توفيق زياد " واوي بلع منجل " الذي ورد في مقطوعاته التي كتبها إثر هزيمة حزيران ١٩٦٧ .
كان زياد في حينه كتب المقطع الآتي :

" أمثال "
- ١ -
عن جدنا الأول ،
قد جاء في الأمثال :
واوي ..
بلع ..
منجل .. !!
كل ما تجلبه الريح
ستذروه العواصف
والذي يغتصب الغير
يعيش ..
العمر
خائف .. !! " .
وورد قوله في ديوانه " كلمات مقاتلة " .
أول منجل بلعته إسرائيل تجسد في الفلسطينيين الباقين على أرضهم في العام ١٩٤٨ ، وثاني منجل تمثل في العام ١٩٦٧ حيث احتلت المزيد من الأراضي ولم تتمكن من طرد سكانها ، على الرغم من التضييق عليهم ، ومع بداية القرن الحادي والعشرين أدركت أن منجل غزة قد يخنقها ، فعملت على لفظه حتى لا يقتلها ، وهكذا خرجت من غزة .
مع الأيام بدأت الدولة تدرك أنها بلعت مناجل أخرى ، فماذا تفعل ؟ ماذا تفعل بسكان القدس الباقين ؟ وماذا ستفعل بسكان الضفة الغربية أيضا ؟
نحن الآن في حزيران ، وقد مر على حزيران ١٩٦٧ أربع وخمسون عاما لم تتمكن إسرائيل الدولة البلاعة خلالها من هضم ما ابتلعت .
في حزيران ٢٠٢١ نستحضر مقطوعات الشاعر توفيق زياد ، فنعرف بعد النظر الذي امتاز به .
كنت من قبل ضمنت في إحدى اليوميات قوله :
" إن من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما
إذا
الميزان
مال "
وأمس ، بل ومنذ بداية حزيران وأنا أكرر قوله :
" والذي يغتصب الغير
يعيش العمر خائف " .
هل شعرت إسرائيل منذ تأسيسها يوما بالأمان ؟
انظروا إلى حدودها الشرقية والجنوبية والشمالية و .... واقرأوا أدبيات أدبائها لتلحظوا عقدة الخوف فيها .
إن لم تخني الذاكرة فقد كتب أحد روائييها ، وهو ( عاموس كينان ) ، رواية عنوانها " الطريق إلى عين حارود " ، وقد نقلت إلى العربية ونشرت في مجلة " الكرمل " في ثمانينيات ق ٢٠ وكتب لها مقدمة الشاعر سميح القاسم ، وفيها يعاني بطلها من الخوف القادم من الشمال .
منذ العام ١٩٧٨ وما بعده حتى ٢٠٠٧ كان الخوف الدائم يأتي إسرائيل من الشمال ، وها هو منذ العام ٢٠٠٧ يأتي من الجنوب ، فكيف إذا تساقطت الصواريخ في لحظة واحدة من الشمال والجنوب ؟
هل ستشكل معا كماشة تخنق روح الدولة ؟
ربما احتاجت إسرائيل الآن إلى بعض حكمائها مثل الفيلسوف ( يشعياهو لايبوفيتش ) الذي تنبأ في العام ١٩٦٨ بأن استمرار الاحتلال سيقود إلى دمار المجتمع الإسرائيلي .
في حزيران ٢٠٢١ نتذكر حزيران ١٩٦٧ وكنا في حزيران ١٩٨٢ أعدنا حزيران ١٩٦٧ وفي حزيران ٢٠١٧ كتبت كتابي " حزيران الذي لا ينتهي " ، وما زال خالد الفدائي الأول في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " يسير .
٨ حزيران ٢٠٢١

١٥
غزة ( ٢٤٦ ) :
حلم العودة إلى الشمال

يحلم أهل شمال قطاع غزة الذين أجبروا على النزوح إلى رفح ، ثم إلى المواصي وغيرها ، بالعودة إلى بيوتهم ، وقد بدأوا يهمسون بأن الموعد يقترب ، وهم يحدوهم الأمل بذلك ، ومثالهم الآن أهل مخيم جباليا ، فالذين صمدوا ، في بداية الحرب ، ولم يهاجروا ، اضطروا في الشهر الأخير إلى ترك المخيم أمام توحش قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي ، ولكن ما أن هدأ القتال حتى عادوا إلى بقايا بيوتهم المهدمة واستصلحوا مساحة منها سدوا جدرانها المهدمة بالشوادر ، مثل بيوتنا في المخيم في نهاية خمسينيات القرن العشرين ، وأقاموا فيها .
عادت الحياة إلى المخيم وإن بصعوبة وبشروط قاسية ، ولكن ما كان يردده قسم منا بأن حلم العودة مستحيل ليس صحيحا .
عودة مستوطني غلاف غزة وغلاف الشمال يقابله عودة سكان شمال غزة إليها .
في الأدبيات الإسرائيلية بعد حرب حزيران ١٩٦٧ كانت العقيدة الإسرائيلية تصر بأن لن نعيد شبرا واحدا للاجئين . قرأت هذا فيما ترجم من أعمال أدبية إسرائيلية اتكأ عليها محمود درويش حين كتب قصيدته " الكتابة على ضوء بندقية " .
ان استمرت الحرب واشتد وطيسها فلن يكون مصير الدولة العبرية دولة يهودية مضمونا ، وأغلب الظن أن فلسطين سيكون مستقبلها ما آلت إليه جنوب أفريقيا : دولة واحدة . ويومها لن تصر العقيدة الإسرائيلية الصهيونية على إعادة شبر من فلسطين للاجئين لأن هؤلاء سيعودون إليها كلها . هل هي أضغاث أحلام ؟
الخيالي هو الواقعي الأكيد ، وكنت في بداية الحرب كتبت تحت هذا العنوان .
٨ / ٦ / ٢٠٢٤ .

١٦
غزة 611 :
عائلة أبو شريعة تباد :

عندما أدرجت أمس ، عن صفحة أحمد نصر ، وهو مقيم في غزة ، خبر إنذار عائلة الدكتور أسعد عطية أبو شريعة بمغادرة مكان إقامتهم في حي الصبرة بغزة علق أحد الأصدقاء بأن الخبر قد لا يكون صحيحا .
ردت العائلة على الضابط الإسرائيلي بأنهم لا يملكون مالا ولا طعاما ولا يوجد مكان ينزحون إليه ، وما هي إلا دقائق حتى هدم صاروخ إسرائيلي البناية على من فيها ، فارتقوا شهداء ، وسرعان ما نعتهم قيادة لجان المقاومة .
في ستينيات القرن العشرين كتب توفيق زياد قصيدته " هنا باقون " .
ما زال أهل قطاع غزة باقين . هل أقول : المجد لهم ؟ .
أمس ارتقى 91 فلسطينيا في غزة . صارت الأرقام عادية . هل اعتدنا ؟

خربشات ٨ / ٦ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة عادل الاسطةغزة : 611
الجوع الكافر ثانية وثالثة

في صفحات عديدة كثيرة من صفحات أبناء قطاع غزة النشطين تقرأ عن نسبة العمولة - بلغت اليوم مثلا 40 إلى 45 بالمائة - وتقرأ عن الأسعار الجنونية للمواد الغذائية . كيلو السكر مثلا من 3 شواكل إلى 300 شيكل ، وأطرف ما شاهدته بيع البصل بالبصلة ونصف البصلة وربع البصلة . 13 شيكلا لربعها و17 لنصفها و 25 شيكلا للبصلة كاملة . رأس البصلة .
" باب النجار مخلع " يقول مثلنا الشعبي ، ومن أشرطة الفيديو التي شاهدتها شريط يتحدث فيه خباز / فران يخبز للناس عجينهم ولا يجد رغيفا يسد به رمقه ويطعمه لأطفال أسرته . الفران قال إنه يعمل الآن بأجرة أسبوعية لا تزيد على ال 180 شيكلا وهي لا تكفي لشراء رطل طحين ، وكانت قبل الحرب تكفي لشراء مونة أسبوعية .
في أمثالنا أن منتج العسل يذوقه " طباخ السم بذوقه " ، وفي أيام الفقر كان الناس - إن لم يكونوا يملكون أجرة الفران - كانوا يعطونه أرغفة ، وهو ما يحدث في معاصر الزيت الآن حيث أن صاحب المعصرة يأخذ نسبة معينة أجرة ، فيبيع الزيت لمن طلبه .
اليوم خرجت من نابلس لزيارة أختي بمناسبة عيد الأضحى . أختي تقيم في مزارع النوباني التابعة لرام الله . لم تكن هناك أزمة مرور ، ولكنا اجتزنا ثلاثة حواجز عسكرية ؛ حاجزان منها مؤقتان . حاجز طيار . فحصوا هوياتنا وواصلنا طريقنا . ما لفت انتباهي في أثناء مرورنا بقرية اللبن هو البوابة الحديدية على مدخلها ، وثمة مثلها في مدخل قرية سنجل . ببساطة يمكن إغلاق البوابة ليعيش أهل القرية معزولين محاصرين كما لو أنهم سجناء في بيوتهم .
وأنا أمعن النظر في الطريق قلت إن من يتحدث عن حل الدولتين لا يرى ما جرى ويجري على الأرض ، وليس قولي جديدا ، فقد قاله غيري من قبل منذ سنوات ، وقبل أيام سمعته من الصحفي الإسرائيلي ( جدعون ليفي ) الذي دعا إلى حل الدولة الواحدة .
من زمان وأنا أقول إن مستقبلنا هو جنوب أفريقية . هل قرأ الجندي الإسرائيلي الأفريقي الإثيوبي ما كتبت ؟
عندما مررنا بحاجز عورتا كان الجندي إثيوبي المنشأ يعطي إشارة عدم معارضة للمرور ، فلم يوقفنا للتفتيش . خيال . خيال شرقي ، وفي قطاع غزة ارتقى اليوم أكثر من 30 مواطنا غزاويا في رحلتهم اليومية نحو مركز توزيع المساعدات في رفح ، وكنت صباحا كتبت عما ألم بعائلة الدكتور أسعد عطية أبو شريعة .
حالة تعبانة يا ليلى !
٨ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى