أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٢ حزيران من كل عام

١
مظفر النواب وقصيدته الأولى بالعربية الفصيحة :

زار مظفر النواب بيروت في 1969 ولاحظ أن اللغة العربية فيها على غير ما يرام ، كأن المدينة مدينة غربية ، فشعر بالحزن ، وكتب قصيدته " قراءة في دفتر المطر " ومما ورد فيها عن واقع اللغة العربية في بيروت ، في حينه :
" ولماذا بعتم لغة البيت ،
وفيها " الشياح " وأهلي وأخي في مطر الليل؟؟
ولماذا استأجرتم لغة اخرى،
وتركتم في الهجر عروقي
كأصابع أيتام في الشباك ؟؟!
وتابع :
" لكن واخجلي من بيت مهزوم
وسيخجل من باعوا لغتي ،
....
...وأخاف على أيام مدينتكم منكم...
من لغة أخرى
٢٠١٤

٢
أدب العائدين وأدب المقيمين :
تشابه التجربة / الحاجز :

كنت توقفت في المقالة السابقة أمام الكتابة عن الجسر في نصوص العائدين والمقيمين على حد سواء فالعائدون أخذوا يمرون بما كان - وما زال -يمر به المقيمون ، فالدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الحدود والمعابر لما تتحقق بعد . بل إن السيطرة الفلسطينية الكاملة على الضفة لما تنجز حتى هذه اللحظة ،وفوق هذا وذاك فقد اجتيحت مناطق أ+ب إبان انتفاضة اﻷقصى التي بدأت في 28/9 /2000 وتواصلت حتى 2007 تقريبا،بل إن الفترة الذهبية للهدوء والاستقرار -من1994 - 2000- لم تخل بين فترة وأخرى من صدامات مع اﻷسرائيليين ، أبرزها أحداث النفق في 1996 ، ما جعل اسرائيل تعود إلى سياسة قديمة وهي سياسة إقامة الحواجز على الطرق ما بين مدن الضفة،بل وما بين مدن القطاع قبل أن ينسحب اﻷسرائيليون منه .
تقرؤون بقية المقال يوم اﻷحد في اﻷيام الفلسطينية
14/6/2015

٣
12 / 6 / 1967
( حزيران الذي لا ينتهي ) 8

( تشوش الذاكرة )
تختلط الأشياء ، ولا تعود الذاكرة تطابق بين اليوم وما جرى فيه .
الناس في حيرة من أمرهم ، وهم يتشاورون ويتساءلون :
- أنبقى أم نرحل ؟
لقد جاؤوا من الشرق ، ولو كانوا قدموا من الغرب لرحل أكثر الناس. هل أرادوا خداعنا ؟
حديث الناس في المخيم مازال حول دخولهم إلى المدينة واستقبال الناس لهم . وعلى الرغم من الهزيمة ، فإن الشباب بدؤوا يواجهونها بالضحك . أخذوا يسترجعون اصطفافهم على الشارع الرئيس مرحبين بهم على أنهم جزائريون وعراقيون و ...و .. .و ...
استرجعوا سير النساء اللاتي زغردن ، وتساءلوا عن بنادق الشباب .
في اليوم الأول ، قبل أن نذهب إلى المدينة كانت زوامير الخطر تزعق بين حين وحين ، وكان شباب الدفاع المدني يتجولون حاثين الناس على البقاء في بيوتهم ، وكلما كانت هناك طائرة في الجو استعد حملة البنادق ، وأطلق أبو العزم أو أبي طلقة لإسقاطها . كانت عبارة أبي العزم هي : طلقة لعيون الشباب . وقد ذهبت مثلا ، وأخذ الناس دائما ، ولسنوات يتذكرونها ، ويتذكرون ايضا ما كان يقوم به الصديقان . ( طلقة لعيون الشباب ) .
غير أن الناس لم تنس ، ولسنوات طويلة ايضا زغاريد نعوم وأم النمر - يذكر الناس الاسم الحقيقي لام النمر - وكنت اعرفهما من خلال عين الماء التي كنا نزود ، من خلالها ، بالماء ..
ماذا فعل أبو العزم ببندقيته ؟
لا أدري ، والبندقية التي سلمتها ، في مبنى البلدية في نابلس ، كانت بندقية أبي ( كم أنا انهزامي منذ جزيران ) غالبا ما أقول هذا .
ننتظر مجيء أبي لنقرر إن كنا سنرحل إلى الأردن ، فالناس خائفون ، وأبي ما زال في المدينة ، وبعض الناس بدؤوا يرحلون ، والمخيم غدا بلا مخفر شرطة .
12 / 6 / 2016

٤
بين امي واليهود :

كانت أمي دائما تقول لي المثل :
- اعمل خيرا وارم في البحر ( أتذكر شفيق الحوت وما كانت أمه تقوله له في يافا قبل العام 1948 عن اليهود ) .
واليهود يقولون( قال لي هذا سليمان السائق ) :
- لا تعمل خيرا حتى لا تندم .
هناك تشابه في النتيجة بين ما تقوله أمي ( وما كانت تقوله أم شفيق الحوت ) وما يقوله اليهود :
- عملنا خيرا وخسرنا
وعملوا شرا وخسرنا .
أكيد شعر أهلنا قبل 1948 ، وما زالوا ، بالندم ،لأنهم تعاطفوا مع المهاجرين اليهود الأوائل .
ولا أدري إن كان اليهود ، في سرهم يشعرون بالندم ، إزاء ما يرتكبونه بحقنا من جرائم .
ربما يشعرون بالندم ، لأنهم لم يطردونا في 1948+1967طردا كاملا ، مع أنهم يكررون أحيانا قولهم يخاطبوننا :
- لا تتركونا نقتلكم ، وكما قال قائل ، ولعله محمود درويش إنهم يطلقون النار ويبكون .
12/6/2016

٥
مناقشة رسالة ماجستير/الخميس 16/6/2016الساعة 11-1
الى من يهمه الامر،والى طلابي الذين اشرف على رسائلهم
ستتم مناقشة رسالة الطالب مؤيد عودة
وعنوانها
مظفر النواب :التلقي النقدي والطبعات المتعددة(الصياغات المتعددة للقصيدة الواحدة)
الزمان :اعلاه
المكان:قاعة الفنون في مبنى الاكاديمية
اللجنة
ا.د.عادل الاسطة مشرفا
د.طه طه :ممتحنا خارجيا
د.نادر قاسم :ممتحنا داخليا
ويؤمل الحضور للافادة
واقبلوا الاحترام
الاحد 12/6/2016

٦
أهو مجرد تقليد ؟

سألتني قارئة متابعة جيدة لمقالاتي إن كان الشاعر أحمد دحبور مر بتجربة الموت فكتب قصيدته " في حضرة الذئب " أم أنه كتبها يقلد محمود درويش الذي كتب " جدارية " بعد تجربة مع الموت ؟
كنت سألت يسار فأخبرني أن والده الشاعر أحمد دحبور كان يقرأ الشعر فسقط عن المنصة وأدخل إلى المشفى والشاعر نفسه في ديوانه " كشيء لا لزوم له " ٢٠٠٤ أتى على مناسبة القصيدة .
الذي كتب قصيدة من وحي " جدارية " هو الشاعر المتوكل طه .
قرأ المتوكل " جدارية " فحركت مشاعره فكتب مطولة طبعها في كتاب .
12 / 6 / 2017

٧
كما لو أنني حسني مبارك وكما لو أن رؤساء الجامعة مثل رؤساء الولايات المتحدة الامريكية.
منذ 1982 وأنا عضو هيبة تدريس ،فكم رئيس جامعة تغير؟
الحبل على الجرار أو أنني مثل مبارك : سأطير .
ههههه.
12/ 6 /2017

٨
في الحافلة صباحا :

- الناس ما زالوا نياما . قال السائق ، فعقبت :
- يسهرون حتى السحور ثم ينامون .
نسي السائق أن يلقي أكياس القمامة في حاوية ما ، ولما رأى أكياس قمامة على قارعة الطريق في شارع رئيس تذكر الأكياس التي في حافلته ، فطلب من المرأة الجالسة إلى جانبه أن تتخلص من الأكياس ، ما جعلني أعقب ثانية :
- لو ألقيتها في حاوية .
سألت السائق عن محاولة امرأة الانتحار أمس وعن هويتها ، فأجاب :
- إنها طالبة توجيهي لم تقدم امتحانا جيدا في اللغة الانجليزية .
وأضاف :
- لا أدري لماذا حاولت الانتحار . لماذا التوجيهي أصلا ؟ " .
هنا عقبت امرأة تجلس إلى جانبي :
- تقليد غربي . إنه تقليد غربي .
أبدى السائق رأيه في حل المشكلة حلا جذريا فقال :
- الفتاة تجلس في البيت وتطلب مهرا مقداره 3 آلاف دينار لا 7 آلاف دينار ، يأتيها أبناء الحلال وتجلس في شقة سيدة محترمة .
لم أعقب فقد اقتربنا من الموقف وهنا طلبت من السائق أن يتوقف لأنزل .
ليس هناك أسهل من الحصول على شقة في نابلس . عليك فقط أن تخاطب المارد :
شبيك لبيك الشقة بين ايديك .
وواصلت طريقي .
لم تكن هذا الصباح ثمة محاولة انتحار ثانية .
12/ 6/2017
.
٩
واسيني 8 : " البيت الأندلسي "

ربما يقول لي واسيني الأعرج إنني ، في فكرة المخطوط والاتكاء عليه لإنجاز رواية ، أسبق بسنتين من عبد الرحيم لحبيبي . ربما .
من ضمن الروايات العشر رواية لواسيني نفسه هي رواية " البيت الأندلسي " 2010 ، ومع ذلك يبدو التشابه بين " مي ليالي إيزيس كوبيا " و " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية "2011/ طبعة 2/2014 أوضح من حيث التمهيد وتشابهه في الروايتين تقريبا .
لقد عدت شخصيا إلى نسختي من " البيت الأندلسي " ولاحظت أنني دونت أسماء روايات عديدة هي :
- " اسم الوردة " ل ( امبرتو ايكو )
- " شيفرة دافنشي " ل ( دان براون )
- " عزازيل " ليوسف زيدان ، ولطالما قيل عنها إنها النسخة العربية من " شيفرة دافنشي ".
- " خريطة للحب " لأهداف سويف .
- " العطر " ل ( باتريك سوسكيند ) .
والروايات المكتوبة بلغات غير عربية منقولة إلى العربية ، هذا إذا تناسينا أن واسيني يتقن الفرنسية .
لا بد من إعادة قراءة الصفحات الأولى من " البيت الأندلسي " 7 - 25 وهي تحت عنوان " استخبار ماسيكا " وعموما فقد كنت وجهت طالبي حسني مليطات ، ليكتب عن صلة " البيت الأندلسي " بنصوص سابقة ، في رسالة الماجستير التي أعدها .

واسيني 9 :
" روايات عربية سابقة "

يجدر الوقوف مفصلا أمام ما لا يقل عن عشر روايات عربية ، في أثناء قراءة الصفحات الخمسة والاربعين الأولى ، والصفحات العشرين الأخيرة ، من رواية واسيني " مي ليالي إيزيس كوبيا ".
الصفحات مدرجة تحت عنوان " في ملابسات مخطوط ليالي العصفورية "( 7 ) حتى الصفحة ( 45 ) وتحت عنوان " هي لم تمت ، لكنها شبهت لهم - ليلة أيلول/ سبتمبر 2017 وما تلاها ".
إنها تطرح سؤال " المابعد " في الرواية العربية .
الروايات العربية العشر هي:
- " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974 لاميل حبيبي .
- " شرق المتوسط " 1975 لعبد الرحمن منيف .
- " الآن هنا...أو شرق المتوسط مرة أخرى " 1990 لمنيف أيضا .
- " خربشات ضمير المخاطب " 1997 لعادل الأسطة .
- " مصابيح أورشليم .. رواية عن ادوارد سعيد " 2006 لعلي بدر .
- " عزازيل " 2007 ليوسف زيدان .
- " ترمي بشرر " 2009 لعبده خال .
- " مدينة الله " 2009 لحسن حميد .
- " البيت الأندلسي " 2010 لواسيني نفسه .
- " ساق البامبو " 2013 لسعود السنعوسي .
- " أولاد الغيتو ... اسمي آدم " 2016 لالياس خوري .
نعم إنها تطرح سؤال " المابعد " في الرواية العربية ، وسؤال الجديد الذي يتحول إلى نمط ، الجديد غير المألوف الذي يغدو مع الأيام مألوفا ولا يرى فيه القاريء جديدا فيما يخص الشكل .
هل يمكن أن أكون جريئا وأتساءل :
- ماذا لو حذفنا الصفحات الأربعين الأولى والصفحات العشرين الأخيرة من رواية واسيني وتركنا محتواها له يعبر عنه في أثناء إلقائه شهادة في مؤتمر أو ندوة أو لمقابلة يجريها معه ناقد لمجلة أو صحيفة ؟
وماذا لو فعلنا الشيء نفسه في رواية " عزازيل " و" تغريبة الحميرية " و " أولاد الغيتو " ؟
الموضوع قابل للنقاش وللاجتهاد .

١٠
أمطار حزيران في نابلس :

اليوم صباحا أمطرت في نابلس ، وهذا المطر غير مألوف .
شوارع المدينة ، كما يقول إخواننا المصريون ، غدت " نيلة " - يعني متسخة . ثمة ما يشبه الطين الأسود .
أحد الشباب على الدوار الرئيس قال لصديق له :
" كبست كبسة قوية " - يعني زخت زخة قوية .
في الحافلة التي استقللتها من آخر شارع فلسطين إلى طلعة مدرسة عادل زعيتر تجاذبت مع السائق أطراف الحديث حول أمطار حزيران .
قلت له :
- لو أنها لم تمطر لكان هذا أفضل . شوارع المدينة غدت سودا .
السائق أجاب بروح دينية :
- لا اعتراض على حكم الله ،
و أضاف :
- الدنيا آخر زمن . من 26 سنة لم تمطر في هذا الوقت .
الأجواء مع ذلك جميلة . وينصح بارتداء ملابس أنيقة ونظيفة - يعني ملابس العيد استعدادا ليوم القيامة .
العلم عند الله .
من يدري فمفاعل ( ديمونة ) في دولة أبناء العمومة غالبا ما يذكرني بمفاعل روسيا ( تشرنوبل ) .
تأتي الحلول أحيانا على عكس توقعاتنا ، وستبقى القدس عاصمة أبدية لهم ولنا .
كل حزيران ونحن بخير.
12 / 6 / 2018

١١
جوخة 24 :
جوخة الحارثي : معتقدات وأساطير

كما لاحظنا ترصد جوخة الحارثي المجتمع العماني والتطورات التي طرأت عليه خلال فترة تربو على المائة والثلاثين عاما .
كان المجتمع مجتمعا إقطاعيا يعتمد على تجارة الرق والسلاح ، ثم منع الرق في 1926 وتحرر العبيد ، ولكن ثقافة تلك الفترة لم تنته بإعلان انتهاء تجارة العبيد وتحريرهم ، فبعض العبيد ظلوا أسرى ما نشأوا عليه ، وهو ما جسدته ظريفة زوجة حبيب وأم سنجر ، وظلت تلهج بالثقافة التي تربت عليها .
كان المجتمع مجتمعا بسيطا وساذجا وكان يحيا حياة فقيرة يسودها الجهل والتخلف والإيمان بالخرافات والأساطير والمعتقدات المشوهة .
تحضر تلك الثقافة في الرواية حضورا لافتا .
إن الإيمان بالجن والسحر جزء من حياة الناس يحيلون إليه كل ما لا يستطيعون تفسيره تفسيرا علميا .
في الصفحات الأولى نقرأ عن إطعام الجن خوفا من العواقب الوخيمة .
حين تلد المرأة يجب أن يذبح لها أربعون دجاجة - في مكان من ثلاثة أمكنة ورد فيها حديث عن الذبح كان الرقم عشرين لا أربعين - ، وحين يطبخ للمرأة النفساء فيجب أن تأكل الجنية من طعامها حتى لا يحل بالأم ومولودها مرض خطير .
تلد ميا ابنتها لندن ، فتطلب ظريفة وميا من زوجها عبدالله أربعين دجاجة (ص13 ) /عشرين (ص14) حتى تقوى المرأة النفساء .
في صفحات لاحقة نقرأ عما كانت ظريفة تفعله في حالات ولادة امرأة .
كانت ظريفة تسند الصينية الثقيلة على رأسها بيدها وتواصل طريقها إلى الخلاء القريب من الصحراء وهناك تنادي الجنية بصوتها الجهوري :" يا بقيعوه...يا بقيعوه...هذا أكلك ودعي لنا أكلنا ، هذا نصيبك ودعي لنا نصيبنا ، هذا من حراثة ميا بنت سالمة - النفاس وما يستتبعه من طعام خاص - دعيها في حالها ، ولا تضريها ولا تضري المولودة " .
وكانت ظريفة قبل يومين من قيامها بهذا المشوار فعلت الشيء نفسه وقامت بمشوار مشابه " من أجل أن تبعد الضرر عن زوجة ابنها النفساء وحفيدتها ، وقامت به أيضا قبل ذلك مرات ومرات وكان النجاح حليفها دائما " .
لقد كان أهل العوافي يعرفون أدق الأسرار "عن بقيعة الجنية التي تحتضن بافتراس كل نفساء لا تطعمها من طعامها " وهو ما فعلته - حسب اعتقاد ظريفة - مع أم عبدالله .
إن رصد المعتقدات والأساطير في الرواية يبدو أمرا طريفا ، مثله مثل القراءة عن ولادة المرأة في عمان قديما وحديثا .
في الرواية كتابة تبرز صورتين لحدث ولادة المرأة ، الأولى في بدايات القرن العشرين والثانية منذ تأسيس المشافي التي يشرف عليها الأوروبيون التبشيريون أولا والدولة لاحقا ، والثانية هي الولادة في البيوت زمن " الداية/ القابلة " ، والولادة في المشافي التي يختارها الجيل الجديد تكون موضع سخرية ممن ولدن عن طريق "الداية " أو ولدن أنفسهن أنفسهن ، ولا تستسيغ والدة ميا إقبال ابنتها على الذهاب إلى المشفى للولادة فيه ، وتقص على ابنتها أنها ولدت كل أبنائها وبناتها في البيت وهي واقفة دون أن تصرخ ، فقد كانت "الداية " مرية تطلب منها ألا تصرخ في أثناء الولادة ، إذ ماذا سيقول الناس عن ابنة الشيخ . "يا فضيحتك يا بنت الشيخ ؟ " ، ولم أقل كلمة واحدة غير :" يا ربي " واليوم يلدن راقدات وصراخهن يسمعه الرجال من آخر المستشفى .. ذهب الحياء..ايه والله " .
ميا تختار مشفى الإرسالية لتلد فيه - تعبير عن توجهها للثقافة الغربية هي التي سمت ابنتها لندن وأعجبت بعلي بن خلف .
لقد تغير المجتمع العماني وهو ، كما لاحظنا ، ما ترصده جوخة وساردوها وشخصياتها ، وليس غريبا أن تصدر العبارة الآتية عن إحدى الشخصيات :" هذا البلد. هذا البلد. كل شيء فيه يتغير بسرعة هائلة " . .
12 حزيران 2019

١٢
في الكتابة عما ذهب إليه سليم بركات أستطيع أن أفك السر من أشعاره .
لم يدرس أي ناقد - حسب ما قرأت - محمود درويش اعتمادا على المنهج النفسي ، وتحديدا منهج ( ادموند ولسون ) الذي يقرأ الشاعر من خلال سيرته ونصه الشعري ، كما فعل عباس محمود العقاد في دراسة الحسن بن هانيء " أبو نواس " .

محمود درويش في " جدارية " :

" .... وحدك
المنفي ، يا مسكين ، لا امرأة تضمك
بين نهديها ، ولا امرأة تقاسمك
الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحي
المرادف لاختلاط الأرض فينا بالسماء
ولم تلد ولدا ، يجيئك ضارعا : أبتي
أحبك . وحدك المنفي ، يا ملك
الملوك ، ولا مديح لصولجانك " .( مخاطبة الموت ) .

" رعوية أيامنا رعوية بين القبيلة والمدينة ، لم أجد ليلا
خصوصيا لهودجك المكلل بالسراب وقلت لي :
ما حاجتي لاسمي بدونك ؟ نادني ، فأنا خلقتك
عندما سميتني ، وقتلتني حين امتلكت الاسم ...
كيف قتلتني ؟ وأنا غريبة كل هذا الليل ، أدخلني
إلى غابات شهواتك ، احتضني واعتصرني
واسفك العسل الزفافي النقي على قفير النحل ،
بعثرني بما ملكت يداك من الرياح و لمني ،
فالليل يسلم روحه لك يا غريب ، ولن تراني نجمة
إلا وتعرف أن عائلتي ستقتلني بماء اللازورد ،
فهاتني ليكون لي ، وأنا أحطم جرتي بيدي -
حاضري السعيد "

"
ويؤلمني تذكر ما نسيت من
البلاغة : " لم ألد ولدا ليحمل موت والده " ...

" كل شيء زائل . فاحذر
غدا وعش الحياة الآن في امرأة
تحبك . عش لجسمك لا لوهمك .
وانتظر
ولدا سيحمل عنك روحك .
فالخلود هو التناسل في الوجود .
وكل شيء باطل أو زائل ، أو
زائل أو باطل " ( حوار بين المرأة وبين الشاعر )

" ... لم
أكن ولدا سعيد الحظ يومئذ ،
ولكن المسافة ، مثل حدادين ممتازين ،
تصنع من حديد تافه قمرا )
- أتعرفني ؟
سألت الظل قرب السور
فانتبهت فتاة ترتدي نارا ،
وقالت : هل تكلمني ؟
فقلت : أكلم الشبح القرين
فتمتمت : مجنون ليلى آخر يتفقد الأطلال ،
وانصرفت إلى حانوتها في آخر السوق
القديمة ...
ههنا كنا وكانت نخلتان تحملان
البحر بعض رسائل الشعراء ... " ( الفقرة الأخيرة عن زيارته عكا بعد أوسلو حيث يرى امرأة تشبه امرأة عرفها قبل ١٩٧٠ " الشبح القرين " ودراسة الشاعر حسب منهج ( سانت بيف ) ستقود إلى كتابة أشياء " إن تبد لكم تسؤكم " ، فهل يتقبل العربي دراسة أي كاتب حسب منهج ( بيف ) ؟ )
أنا أكتب أدبا ونقدا !!!

١٣
رسالة امرأة مجهولة

عادل الاسطة

مرة نشرت في جريدة الأيام مقالا عنوانه " رسائل امرأة مجهولة " ، وثانية نشرت تحت العنوان نفسه في موقع " رمان " الالكتروني . وللكتابة في المرتين قصة .
كانت تأتيني في المرتين رسائل بلفونية من جهة مجهولة تختفي وراءها أنثى ترفض الإفصاح عن نفسها وكنت أحيانا كثيرة " ألاحق العيار لباب الدار " فأرد عليها ، وغالبا ما كنت أرد بأدب جم ، ثم مللت وملت المرسلة وتوقفت الرسائل التي فرغتها وصغتها في مقالين .
الرسائل هذه ليست الرسائل الوحيدة التي كانت تكتب إلي ، فقد تواصلت معي فتيات معروفات الاسم وكتبن لفترة طويلة ، ومرة قلت لأحداهن إنني سأوظف رسائلك في نص أدبي إن لم يكن لديك مانع ، وسألتها عن رأيها ، طالبا موافقتها ، فما اعترضت إن كان ما سأكتبه نصا أدبيا - أي إن وظفت الرسائل لإنجاز نص أدبي ، وقد فرغت رسائلها وإلى الآن لم أنجز النص الأدبي .
تذكرت تلك الرسائل وأنا أتابع الضجة التي أثارها مقال سليم بركات " محمود درويش وأنا " ، وتذكرت قصة طويلة للكاتب الألماني ( اشتيفان زفايج ) عنوانها " رسالة من امرأة مجهولة " ( Brief einer Unbekannten ) ، فالسر الذي أعلنه بركات وبدا غريبا في مجتمعنا العربي ، صاغه الكاتب الألماني في قصة .
في ٢٢ أيلول ١٩٨٩ اشتريت الأعمال القصصية الكاملة ل ( زفايج ) ، فقد صدرت معا ، في ٩٩٦ صفحة ، عن دار نشر " فيشر " ( Fischer ) تكريما للكاتب ، وبيعت بسعر زهيد يشجع الجمهور على اقتنائها ، وبلغ في حينه عشرة ماركات - أي ما يعادل عشرين شيكلا .
في تلك الأيام كانت عائلتي غادرت ألمانيا عائدة إلى عمان وصار لدي فائض من الوقت يسمح لي بإنفاق بعض الوقت في قراءة نصوص أدبية غير النصوص التي أقرأها لإنجاز رسالة الدكتوراه .
ما إن اشتريت الأعمال القصصية ل ( زفايج ) حتى بادرت بقراءة قصة " رسالة من امرأة مجهولة " ، وإن كانت طالبة ألمانية ، تدرس الاستشراق ، اقترحت علي أن أقرأ قصة " لعبة الشطرنج " ( Schachnovelle ) و " ليلة ساحرة ( Phantastische Nacht ) .
وظلت فكرة القصة التي قرأتها في ذاكرتي ، وكنت وظفتها مرة في روايتي " الوطن عندما يخون " ١٩٩٦ ، ثم غابت عن ذهني إلى أن ألحت علي مؤخرا ، فاقترحت على بعض الكتاب قراءتها وفعلوا وتأثروا بها .
تحكي القصة التي تقع في حدود مائة صفحة ، وكتبت بأسلوب الرسالة ، فكانت المرأة هي المؤلف الضمني ، و ( زفايج ) هو الكاتب الحقيقي ، تحكي على لسان المرأة قصتها وقصة الكاتب الكبير .
أقام الكاتب الكبير علاقة جنسية عابرة مع المرأة أسفرت عن ولادة طفل ، ولم تعلم الأم الكاتب بالأمر ، فهي لا تريد أن تزعجه ، ثم مرض الطفل وأوشك على الموت ، فاحتارت الأم في أمرها ووقعت في الحيرة : أتخبر الكاتب بما يلم بطفله وتشغله عن كتابته التي تفرغ لها أم تتركه يكتب ؟
وتكتب الأم رسالة مؤثرة جدا .
كنت مرة اعتمدت على مقولة ل ( يونغ ) يبدي فيها رأيه في الأعمال الأدبية حيث يرى أنها صدى لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر ، ف " هاملت " ل ( شكسبير ) و " السراب " لنجيب محفوظ تعالجان فكرة قديمة ظهرت في الأسطورة . هنا أسطورة " أوديب " التي كتبها الكاتب الإغريقي .
هل ما كتبه سليم بركات عن محمود درويش ، وما كتبه ( زفايج ) ليس إلا إعادة صياغة لأسطورة قديمة مثلا تتردد في حياة البشر ؟
ربما بالغت في الأمر !
ما كنت أرغب في الخوض في مقال سليم بركات والسر الذي أفشاه ، فأقام الدنيا ولما يقعدها ، وسئلت لأبدي رأيي ، بل وطلب مني أن أكتب مقالا في الموضوع .
شخصيا لم أنشغل بصدق الخبر أو كذبه ، قدر انشغالي بموقف المناهج النقدية من التطرق لحياة الكاتب الشخصية .
يمكن هنا الإشارة إلى ثلاثة مناهج تجيز ذلك وتعتمد حياة الكاتب الشخصية في دراسة أدبه ، فالمنهج الوضعي لا يفصل بين المؤلف ونصه ، والمنهج النفسي لدى قسم من أتباعه ، مثل ( ادموند ولسون ) يدرس سيرة الأديب ويعتمد عليها في تفسير أثاره ، ولا يختلف المنهج الاجتماعي الماركسي الذي يدرس سيرة الكاتب ، منطلقا لدراسة أعماله ومواقفه وسلوكه .
وتختلف عن هذه المناهج المناهج النصية التي لا تكترث لحياة الأديب ، فما يعنيها بالدرجة الأولى هو نصه وجمالياته وترابط أجزائه .
كان الناقد العربي اللبناني ميخائيل نعيمة في كتابه " الغربال " كتب مقالا عنوانه " الغربلة " أتى فيه على موقف الناقد من حياة الكاتب ، ورأى أن من حق الكاتب أن يعيش ملاكا أو شيطانا ، فهذا شأنه الخاص ، وما يهم الناقد هو نص الكاتب .
شخصيا أرى أن السر الذي أفشاه بركات قد يفيدنا في إعادة قراءة كتابات درويش وتفسيرها وفق مناهج لم تطبق حتى الآن في دراسة حياته وأعماله وأهمها - أي المناهج - هو المنهج النفسي ، والأمر ينسحب أيضا على سميح القاسم .

الجمعة والسبت
١٢ و١٣ حزيران ٢٠٢٠

١٤
ذاكرة أمس ٨٨ :

دولة مآلها إلى زوال

أكثر الساعات التي أنفقتها أمس في البيت قضيتها في مراجعة ملاحظاتي المدونة على رواية الكاتبة الفلسطينية / الأردنية ليلى الأطرش " لا تشبه ذاتها " الصادرة في العام ٢٠١٨ .
كان القصد من وراء المراجعة كتابة مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية عن صورة الفلسطيني فيها وملاحظة صورة اليهودي أيضا ، فقد استغربت وأنا أتابع مؤتمر " تمثيلات الشخصية اليهودية في الرواية العربية " الذي عقد منذ أسبوع تركيز الباحثين على روايات محددة وإهمال روايات أخرى .
على سبيل المثال التفت اثنان وعشرون دارسا إلى رواية الكاتب الجزائري Al Habib Sayah " أنا وحاييم " في حين لم تقدم أي دراسة عن رواية ليلى الأطرش التي تكتب عن يهود أفغانستان وتقدم نماذج لهم ، وكلتا الروايتين ؛ رواية ليلى ورواية الحبيب ، صدرتا في العام نفسه . أيعود السبب إلى العنوان مؤشرا للكتابة عن تصوير شخصية يهودية في رواية الحبيب " حاييم " وخلوه - أي العنوان - من الإحالة إلى اليهود في رواية ليلى ؟
كم يملك العنوان من سلطة تترك أثرها في قراءة النص وتقديمه ؟
في ساعات المساء خرجت أتمشى في الحي . كانت الحياة تجري كالمعتاد ، وجلست على مقهى رصيف يقدم الكوكتيل والبوشار والبوظة ، وأخذت أتابع حركة الناس والسيارات وبائع الذرة وجنون بعض السواقين الشباب في قيادتهم المجنونة لسياراتهم . لو كانت هناك كاميرات خفية ترصد حركة السواقة لاستفادت خزينة الدولة ولحمت المواطنين من عبث المراهقين وعدم مسؤوليتهم .
وأنا جالس وجدتني أفكر في أمر أهل غزة وما هم عليه بعد الحرب . كيف ينفقون أوقاتهم الآن ، بخاصة أولئك الذين دمرت منازلهم ، ولم يشغل بالي ما جرى في القاهرة بين الفصائل من حوار أخفق ، فغالبا ما صرنا نكرر عبارة " اتفق العرب على أن لا يتفقوا " والفصائل في حوارها معا نسخة من العالم العربي . لقد اتفقت الفصائل على ألا تتفق ، وانتقلت العدوى إلى أبناء العمومة الذين أجروا الانتخابات أربع مرات والخامسة قد تجرى عما قريب .
كل ما سبق احتل جزءا لا بأس به من تفكيري ، ولكن الجزء الذي دفعني لاختيار عنوان الكتابة كان سببه ما شاهدته مجددا من صور عرضها حنظلة حنظلة لجنود الجيش الإسرائيلي يعتقلون الأطفال الفلسطينيين .
هل يشاهد الجمهور الإسرائيلي ما يقوم به جيشه وغلاة المستوطنين بهذا الشأن ؟
دوشنا الإسرائيليون والعالم بالطفلة اليهودية ( آن فرانك ) ومذكراتها ومشاهداتها . نعم دوشونا لدرجة أن الكاتبة السورية مها حسن ألفت رواية عنوانها " في بيت آن فرانك " صدرت عن دار المتوسط في ٢٠٢٠ ووجب أن أخصها بمقال أسبوعي ، وكنت شخصيا انهوست بتاريخ ١٤ حزيران ١٩٩١ بكتاب ( آن فرانك ) " Das Tagebuch der Anne Frank " واشتريته وقرأته و ... وكم طفلة فلسطينية عانت أضعاف أضعاف ما عانته الطفلة اليهودية .
وأنا أشاهد أشرطة الفيديو التي عرضها حنظلة حنظلة وجدتني أعقب عليها بعبارة " مجتمع جنوده يتصرفون تصرفا مثل هذا هو مجتمع مريض حقا " - أي والله ، وصرت مقتنعا أو شبه مقتنع بأن دولة إسرائيل التي فاخر كثير من الفلسطينين في أزمنة سابقة بديموقراطيتها ، بل وعايروا ، منذ ابراهيم طوقان المتوفى في ١٩٤١ ، زعماءهم بزعمائها ، صرت مقتنعا أو شبه مقتنع بأنها دولة مآلها إلى زوال . هل الرصاص الذي يلعلع الآن في الحي الذي أقيم فيه يلعلع احتفالا بدق آخر مسمار في نعش الدولة أم أنه يلعلع في حفل زواج ؟
من يدري ، فليس آت ببعيد ، بل قريب ما سيأتي ، ولطالما توقع الشيوعيون انتصار الطبقة العاملة وهزيمة الرأسمالية وكم كانوا متفائلين ، ثم ... !!
١٢ حزيران ٢٠٢١ .

١٥
البحث عن إبرة في كوم قش

وأنا أدخل عامي الثامن والستين صرت أنسى . لم أعد أركز كما كنت أركز من قبل . أهو التقدم في العمر أم أن السبب يعود إلى قراءة الروايات والاسترخاء وعدم إعطاء المحاضرات ومتابعة الأعمال اليومية ؟
ثمة حالة مثل هذه كانت تنتابني وأنا احاضر في الجامعة . قبل بدء المحاضرة كنت أشعر أنني خالي الذهن وانني لن أكمل ربع ساعة من المحاضرة ثم ...
ثم ما إن تبدأ المحاضرة حتى أتكلم وأتكلم وأتكلم حتى الدقيقة الأخيرة . ولم يربكني شيء .
أول أمس قررت أن أكتب عن رواية ليلى الأطرش " لا تشبه ذاتها " ، ولأنني غالبا ما أنظر في أعمال الكاتب السابقة فإنني بحثت عن أعمال ليلى الأسبق ووجدتها إلا واحدة هي " أبناء الريح " .
لمدة يومين وأنا أبحث عنها . إنني متيقن أنها في مكتبتي ، فقد قرأتها وكتبت عنها وأذكر أنها تبللت بالقهوة سهوا .
- أين ذهبت نسختها ؟
كمن يبحث عن إبرة في كوم قش صرت أبحث عنها .
- يا إلاهي ! أيعقل ؟
أبحث في الرف الواحد مرتين ثلاث مرات وأكثر . أبحث عنها بين روايات ليلى . الروايات كلها موجودة إلا " أبناء الريح " . لقد صارت ريحا ، وما زلت أتذكر موضوعها ، فقد خربشت عنها وخصصتها بمقال .
أنا اليوم أنهي عامي السابع والستين وأبدا عاما جديدا هو عامي الثامن والستين . أهو النسيان ؟
كلما دعيت إلى المشاركة في ندوة أو محاضرة أو مؤتمر صرت أحسب للأمر حسابا ، وصرت أدون ملاحظات حتى أركز ولا أشت .
ولم أيأس . لقد واصلت البحث مجددا .
الكتب في شقتي ملقاة هنا وهناك . على الكراسي وعلى الطاولات وعلى الرفوف وفوقها و...
الكراسي تحيط بطاولة الطعام ، على أحدها روايات " زينة " و " الجميلات النائمات " و" مذكرات عاهراتي الحزينات " و ... وتحتها كلها " أبناء الريح " .
هل أبالغ إذا قلت إنني لثلاثة أيام وأنا أبحث عنها ؟
صرت أنسى وتلك دلالات نهايات العام ٦٧ وبدايات العام ٦٨ من العمر و ...

١٦

المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني ٢ :
بين المتخيل الأدبي والواقع

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

بعد كتابتي " المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني " وجدتني أتساءل إن كانت الصورة التي أبرزتها الروايات ضربا من المتخيل الأدبي ليس أكثر ، علما بأنني أشرت إلى معرفتي أشخاصا ولدوا من زواج مختلط .
قادني التساؤل إلى البحث في " غوغل " عن دراسات ومقالات وتقارير وأخبار خاض كتابها ومعدوها في الموضوع ، فقرأت عن حالات لا تختلف عما ورد في الروايات ، ما جعلني أفكر مليا في وصف ساخر يطلقه قسم من الناس على الروايات وقارئيها " كلام روايات "- أي ليس له في الواقع حضور وأنه من نسج مخيلة كتاب يتوهمون ، ناسين أن الرواية أنواع منها الواقعي النقدي والواقعي المتخيل والواقعي الوثائقي وهلم جرا .
بل لقد ذهبت إلى ما هو أبعد من الأدب الفلسطيني والعربي في اللحظة الراهنة باحثا عن علاقات حب بين أفراد من ديانات مختلفة أو شعوب مختلفة .
تذكرت في أدبنا العربي أحد أبرز شعراء نور الدين زنكي وهو ابن القيسراني الذي تغزل في شيخوخته بالصليبيات :
" إذا ما زرت مارية ، فما سعدى وما ريا
لها وجه مسيحي ترى الميت به حيا "
وتذكرت القصة الفرنسية التي نشرت تحت اسم ( فيركور ) وعنوانها " صمت البحر " ، وهي قصة قدمها الدكتور طه حسين للقاريء العربي وتأتي على علاقة حب بين ضابط نازي وفتاة فرنسية ، وغالبا ما أشرت إليها ، بل ومرة كتبت عنها في هذه الزاوية تحت عنوان " رواية فرنسية وثلاث روايات فلسطينية " (الأيام الفلسطينية ١٠ / ١ / ٢٠١٦ ) .
في الأسابيع الأخيرة توفي الفلسطيني فيصل حوراني وكتب عنه خالد جمعة وأتى على زواجه الثاني من امرأة يهودية هي ( باولا أبرامز ) وأشار خالد إلى كتاب فيصل " باولا وأنا " الذي يقع في ٢٦٤ صفحة ، ومما كتبه أن باولا التي استضافته وزوجها فيصل في بيتهما في فيينا كانت مناضلة لا تكل ولا تكل من أجل حقوق الشعب الفلسطيني .
في ٩٠ القرن ٢٠ فتحت مجلة " مشارف " التي أشرف عليها إميل حبيبي وسهام داوود ملفا خاصا لصورة الآخر ، مركزة على تصور الأدباء الفلسطينيين لليهود ، وممن شارك فيه أحمد رفيق عوض الذي قدم شهادة عن يهوديات عرفهن في أثناء عمله في مطعم ، وفي شهادته " وجوه من تل أبيب " يكتب عن ياعيل التي عرفها :
" وأذكر أني زرتها " يوم الاستقلال " عندهم - وهو يوم عيد يخرج فيه الناس إلى الحدائق وتجري الخمور في الشوارع وتتحول المدينة إلى سدوم وعمورة - أذكر أني زرتها في هذا اليوم فوجدتها تلبس ثوبا فلاحيا فلسطينيا وقالت لي إنها لبسته لي لأنها تعتبر نفسها الصهيونية الوحيدة في إسرائيل " ( عدد ١ آب ١٩٩٥ ص ٤٣ ) .
وقد استوقفني حقا في قصيدة درويش ما ورد على لسان ريتا تعرض عليه أن تذهب معه حيث يذهب :
" أتأخذني معك ، فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخذني معك
فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك ... لتصرعك
وأكون ثوبا من النعناع يحمل مصرعك
وتكون لي حيا وميتا " .
وأنا طبعا لست متأكدا من إن كان الكلام المقتبس ورد حرفيا على لسان ريتا واكتفى الشاعر بصياغته بما يتلاءم والوزن الشعري أم أنه غير فيه وبدل أو أنه صاغ المعنى بلغته ، وليس هذا عموما بالمهم هنا .
وعودة إلى ما ينشر في الصحافة من أخبار وتقارير ومقالات أو ما يصدر عن دارسين ؛ عربا ويهودا . هنا أشير إلى ما كتب تحت عنوان " روميو الفلسطيني وجوليات اليهودية " وما نشرته أيضا فضائية DW الألمانية عن الزواج المختلط بين العرب واليهود في دولة إسرائيل وما أسفر عنه زواج مثل هذا . تحت العنوانين السابقين كتب عن زواج الشاب الغزي محمود من الشابة اليهودية مورال / مارال مالكا وما صاحب ذلك من احتجاجات يهود ( لهافا / ليهافا ) ضده وتأييد يساريين له ، والطربف أن الزواج تم في العام ٢٠١٤ ؛ عام الحرب على غزة . قبل هذا الزواج كتبت الصحف عن علاقة ابن مخيم جنين زكريا الزبيدي قائد كتائب الأقصى باليهودية المغربية الأصل تالي / طالي فحيمة ، وظلت الصحف تتابع الموضوع حتى العام ٢٠٠٩ تقريبا . تعاطفت تالي مع أبناء مخيم جنين واتهمتها المحكمة العسكرية الإسرائيلية بتقديم مساعدات للمقاومة ، ويتذكر المرء وهو يذكر مخيم جنين طليقة صليبا خميس ( آرنا مير ) ومسرح الحرية الذي أنشأته ، وكان زكريا الزبيدي نفسه أحد الملتحقين به .
وحسب الدارسين ( حنا هرتسوغ ) أستاذة علم الاجتماع وعزيز حيدر فإن الزواج المختلط يتأثر بالأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية ، فقد شهدته فترات وتراجع في أخرى وعرف في المدن المختلطة وقل في البيئات الريفية ، وشاع بين النخب الثقافية والسياسية وبين متعاطي المخدرات من العرب واليهود في المدن .
في قصة مبكرة عنوانها " الغلطة " كتبها عبدالله عيشان يأتي على زواج شاب ريفي من فتاة يهودية أحبا بعضهما ولكنهما انفصلا لإقامتها مع أهله في القرية . لقد كان سبب الانفصال الاختلاف في العادات والتقاليد وتدخل أهل الزوج في سلوك الزوجة ، ونعرف أن الكاتب في جريدة الاتحاد عضو الحزب الشيوعي صليبا خميس تزوج من ( آرنا مير ) وأنجبا ابنين وانتهت علاقتهما بالانفصال ، ونعرف أن ( آرنا ) ظلت تتعاطف مع الفلسطينيين حتى وفاتها . وعموما فإن الموضوع لافت ويستحق الخوض فيه في بلاد تشهد صراعا إحلاليا يصر فيه طرف على فكرة يهودية الدولة ويرفض كثير من أبنائه الطرف الآخر رفضا كليا منادين ب " الموت للعرب " ويرى كثيرون من الطرف الآخر أيضا رأيا معاكسا .

ملاحظة لم تظهر في المقال المنشور في الجريدة :

سألني الصديق الكاتب أكرم مسلم قبل موافقة الجريدة على نشر المقال عن جزئية تخص فقرة اقتبستها من شهادة الكاتب أحمد رفيق عوض السؤال الآتي :
كيف ترتدي المرأة اليهودية الثوب الفلاحي الفلسطيني لأحمد وتعد نفسها الصهيونية الوحيدة في إسرائيل ؟
وأجبت لأنها ترى في الثوب الفلسطيني ارتباطا بالتراث والأرض ، بخلاف اللباس الغربي الذي لا يمت إلى فلسطين بصلة قديمة وأنه لباس وافد ، وهي تريد تعزيز صلتها بفلسطين وتؤكد على انتمائها لها .
بخصوص عبارة " عيد الاستقلال " فقد وضعها أحمد رفيق عوض بين علامتي تنصيص واتبعها بلفظة " عندهم " وهذا لا يعني أنه يرى في ١٥ أيار ذكرى استقلال من وجهة نظره .
الأحد والاثنين والثلاثاء ١٢ و١٣ و١٤ حزيران ٢٠٢٢ .

١٧
رأي الروائي إلياس خوري في كثير من الأعمال اللاحقة لنص الشاعر الذي كتب عنه " التكرار " ، وهو رأي آخذ به ويسبب لي مشاكل كثيرة . ينهي الكاتب مقاله بالتساؤل إن كانت الأشياء تتكرر أو تكرر نفسها وبأنه لا يدري " لست أدري " ، وقد علقت عليه :
- بل أنت تدري .
كنت قبل فترة اقتبست فقرة من مقال لغسان كنفاني عن كثير من الأعمال الأدبية العربية التي تخرج من وراء المكاتب لا من الحياة .
عندما قرأ إلياس إحدى الروايات العربية الفائزة بجائزة وكتب عنها ذهب إلى أنه يقرأ عملا يعرفه - أي ليس في العمل جديد . يومها عقبت : خلاصة مقالك في هذا الرأي .
عموما هذا هو المقال .

١٨
غزة ( ٢٥٠ ) :
عندما يبكي الرجال

هل ستضع الحرب أوزارها ؟
كثر أمس التساؤل عما ستؤول إليه الأوضاع في غزة بعد أن سلمت حركة المقاومة ردها على ما أعلنه الرئيس الأمريكي ( جو بايدن ) وإدارته بخصوص وقف الحرب .
لم تخل ردود أفعال المواطنين من سخرية تعبر عن عمق مأساتهم وقسوة ظروفهم التي يعيشونها .
- في ملعب من الكرة الآن ؟
- من سيشوطها ؟
- أعطوني الكرة أبطها وأنهي اللعب .
ولكن الكرة أمس كانت تتوزع بين ثلاثة ملاعب : غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ، وانتهى اليوم بارتفاع عدد القتلى .
عندما شاهدت شريط فيديو عرضه حنظلة حنظلة قمت بمشاركته وأرسلته إلى الروائي عاطف ابوسيف أسأله إن كان يعرف الرجل فيه .
رجل في السبعين من عمره - شعر رأسه الباقي وشعر لحيته أيضا أبيض أبيض يرتدي دشداشة بيضاء - يبكي وهو يتحدث إلى صحفي يجري معه حوارا يسأله فيه عن الأوضاع . الرجل يبكي ويتكلم بصوت مخنوق . لقد فقد سبعين قريبا له قصف منزلهم وارتقوا شهداء .
خمنت شخصيا أن الرجل لاجيء من يافا . هكذا أوحت لي لهجته فرغبت أن أعرف قصة حياته .
عندما سألت عاطف أجابني بأن الحرب غيرت ملامح الناس كلهم ، وعاطف من مخيم جباليا ويقيم في حارة اليافاويين وقد كتب في رواياته الكثير عنها وعن سكانها .
ليست غزة وشوارعها ومدنها فقط ما صار عالما آخر مختلفا عما كان عليه قبل ٧ أكتوبر ، بل ناسها وملامحهم كذلك .
- احصدوهم !
هكذا أمر الضابط ( شدمي ) في العام ١٩٥٦ جنوده ، فحصدوا خمسين قرويا فلسطينيا كانوا عائدين من أراضيهم ، ولما حوكم دفع غرامة مقدارها قرش واحد عرف ب " قرش شدمي " .
ما الغرامة التي سيدفعها ( بنيامين نتنياهو ) ووزير حربه ( يوآف غالانت ) بعد قتل أربعين ألف فلسطيني وجرح خمسة وثمانين ألفا ؟
يا خوفي من أن يمنحا مثل ( مناحيم بيغن ) و ( شمعون بيريس ) و ( اسحق رابين ) جائزة نوبل للسلام !
عالم سافل !
١٢ / ٦ / ٢٠٢٤

١٩
غزة 615 :
تجار العملة

أمس شاهدت شريط فيديو يظهر تعامل بعض أفراد قطاع غزة بإقراض المال لمن يريد .
يقف الرجل في الشارع ، وبيده مبالغ مالية ، وينادي :
- خذ ع التطبيق يللي ماشي ع الطريق .
يسأله رجل :
بدنا سيولة . بكم العمولة ؟
فيجيبه :
- ٤٠ بالمية
- ٤٠ يشيلوك بجهنم يحطوك روح انقلع .
- ٤٠ بالمية . هذا حقي الشرعي الطبيعي
فيقول آخر :
-أنا بروح ب ١ بالمية ع الدار
- لا ! و حنلاحقك عليه بس اصبر شوية .
يأتي رجل آخر ويسأله :
- قديش العمولة .
- ٤٠ بالمية !
- ٤٠ بالمية ان شاء الله بسرقوك الحرامية يا بعيد ويسرق منه المال فيلحقه .
ويبدو أن الشريط الذي شاهدته كان مشهدا مسرحيا كوميديا يحاكي الواقع ؟
كان غير مواطن غزاوي أشار إلى النسبة هذه .
ما زالت أزمة الطحين لافتة ، وأمس ارتقى قرابة مائة مواطن ، وآخر الأخبار أن جماعة سهم التابعة لحركة حماس أعدمت ليلا في خان يونس قرب بيت المرحوم يحيى السسنوار عشرة من جماعة ياسر أبو الشباب التي تقف وراءها الحكومة الإسرائيلية .
حالة تعبانة جدا يا ليلى !
١٢ / ٦ / ٢٠٢٥

٢٠

" اختلطت شخوص المسرح الدموي .
لا قاض سوى القتلى
وكف القاتل امتزجت بأقوال الشهود ،
وأدخل القتلى إلى ملكوت قاتلهم
وتمت رشوة القاضي فأعطى وجهه للقاتل الباكي على شيء
يحيرنا .
سرقت دموعنا يا ذئب
تقتلني وتدخل جثتي وتبيعها !
أخرج قليلا من دمي حتى يراك الليل أكثر حلكة !
واخرج لكي نمشي لمائدة التفاوض ، واضحين ،
كما الحقيقة :
قاتلا يدلي بسكين ،
وقتلى
يدلون بالأسماء
صبرا ،
كفر قاسم ،
دير ياسين ،
شاتيلا !"
جباليا
الشجاعية
خان يونس
رفح
مستشفى المعمداني
.... الخ ... الخ

الشاعر
" مديح الظل العالي " محمود درويش .

من سيكتب " رثاء القطاع الغالي " ؟

١٢ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى