أحمد بوزفور - الـمُـعَـادلَـةُ الإلـهِـيَّـة

(المعادلة الإلهية) رواية للكاتب البرتغالي (جوزيه ر. دوس سانتوس). صدرت عن منشورات الجمل 2021
بترجمة الصديق الأستاذ سعيد بنعبد الواحد الذي ترجم للكاتب نفسه عدة روايات أخرى.
حين قرأت (المعادلة الإلهية)، تذكرتُ روايات الكاتب الأمريكي (دان براون) صاحب (شفرة دافنشي)، فدوس سانتوس ــ مثل براون ــ يُسَـخِّـرُ أستاذ تاريخ لفك شفرات (في الفن عند براون، وفي العلم عند دوس سانتوس).
أستاذ التاريخ عندهما معا يشبه شارلوك هولمز، أو هركيول بوارو.. لكنه لا يبحث عن المجرم بل عن المعنى في الفن، أو الحقيقة في العلم.
وفي (المعادلة الإلهية) نتتبع مع الدكتور (توماس) أثر وثيقة علمية تركها ألبرت أينشتاين عند صديقين له من أساتذة الفيزياء: أحدهما برتغالي والثاني تيبتي.
وربما كان الفرق بين براون وسانتوس هو أن السرد يفتر ويتراجع أحيانا عند سانتوس، لصالح العلم، إذ يستعرض الكاتب النظريات العلمية الفيزيائية في صفحات كثيرة، قبل أن يعود إلى السرد في الرواية. وبالرغم مما في شرح هذه النظريات من الفائدة العلمية
(وهي ــ حسب ما ذكر الكاتب في مفتتح الرواية ــ حقيقية دافع عنها علماء معروفون في مجال الفيزياء والرياضيات).. بالرغم من ذلك، فإن قارئ الرواية يشعر بالتخمة العلمية.. ويشتاق إلى أن يشرب السردَ من جديد، ليتنفس.
وكما يجمع المتنبي بين الماء والنار في يده، يحاول دوس سانتوس أن يجمع بين حكمة الشرق القديمة وبين علم الغرب الحديث. هل يمكن ذلك؟ ولكننا ننسى أنها رواية.. فلمَ لا؟
هل أخذ الروائيون يشعرون بالحاجة إلى أن يربطوا خيالَهم المحلق بأعمدة ثابتة من العلم (دوس سانتوس)، أو الفن (براون وموراكامي وكونديرا)، أو الفلسفة (جوستين غاردر: عالم صوفي.. إرفين يالوم: عندما بكى نيتشه)، أو التاريخ (روائيون كثيرون)؟ يبدو ذلك.
(المعادلة الإلهية)، وبالرغم من حجمها الضخم (670صفحة) رواية مفيدة وممتعة. شكرا جزيلا للأستاذ سعيد بنعبد الواحد الذي تكبد مَـشَاقَّ ترجمتها وأتاحَها لنا.
وحتى أغريكم صديقاتي/ أصدقائي بقراءتها أقدم لكم هذه المقتطفات منها، (عناوين المقتطفات من إضافتي):
الطبيعةُ ثقافة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(.. تَـخَـيَّـلْ أنني ــ وأنا أَلِـجُ هذا المكان ــ أعثـرُ على زهرة وُضِعَتْ فوق الأرضية. أنظرُ إليها وأُفَكِّـر: يا إلهي، كيف وصَلَتْ هذه الزهرةُ إلى هنا؟ ربما سرعان ما أجيب: حسنا.. الزهرةُ شيءٌ طبيعي. ولا أُفكرُ في الموضوع بعد ذلك.
تَخَيَّلْ الآن أنني لا أعثر على زهرة، بل على ساعة.. فهل سيكون جوابي هو نفسه؟ طبعا لا. بعد فحص الآلية المعقدة للساعة، قد أقول إن الأمرَ يتعلق بشيء مصنوع من طرف كائن ذكيّ لهدف محدد.
والسؤال الآن هو كالتالي: أي سبب يمنعني من أن أُقَـدِّمَ لوجود الزهرة نفسَ الجواب الذي أُقَدِّمُهُ لوجود الساعة؟)
الثقافةُ طبيعة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ـــ إذا كنا نعرف برنامجَ الجرادة، ونعرف ما يجذبها وما يُنَفِّـرُها وما يُفزعها، يمكن أن نتوقع كلَّ تصرفاتها، فالجرادُ له برنامجٌ بسيطٌ نسبيا: إذا وقع الحادث (سين)، فإن رَدَّ فعلِ الجراد يكون بطريقة (ألف).. تماماً مثل آلة من تصميم الإنسان.
ـــ لكن الجرادَ آلاتٌ طبيعية، والحواسيب آلات صناعية.
ـــ.. انظر إلى تلك الطيور هناك، هل الأعشاشُ التي تبنيها فوق الأشجار طبيعية أو صناعية؟
ـــ إنها طبيعية بطبيعة الحال.
ـــ إذن، كلُّ ما يقوم به الإنسانُ طبيعيٌّ كذلك. لكن، بما أن لدينا نظرةً تضع الإنسانَ في مركز الطبيعة، فإننا نقسم الأشياءَ إلى أشياء طبيعية وأخرى صناعية، مفترضين أن الصناعيةَ من صنع الإنسان، والطبيعية من عمل الطبيعة، مثل النباتات والحيوانات. لكن هذا مجردُ ابتكار بشري. في الحقيقة، إذا كان الإنسانُ حيواناً، تماماً مثل الطائر، فإنه من المخلوقات الطبيعية، أليس كذلك؟
ـــ بَلَى
ـــ لكن، إذا كان مخلوقا طبيعيا، فإنَّ كـلَّ ما يقومُ به طبيعيّ.)
ألوان التِّـيـبـت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(أنْعَشَت الريحُ وجهَ توماس، الذي استمتع بمناظر الطبيعة الهادئة. طبيعةُ التِّيبت ــ فَكَّـرَ ــ تتميز بالحِـدَّةِ العارية، لقوة ألوانها الخشنة. هنا، كان الأحمرُ أكثرَ تَوَهُّـجاً، الأصفرُ أكثرَ ميلاً إلى اللون الذهبي. والألوانُ تبعثُ ضوءاً قوياً جداً حتى لَتبدو كأنها تلمع بين الجبال، تكاد تُحدثُ انفجاراً من الألوان يُخَدِّرُ الحواس.
وحينئذ رَأَيَاها: كانت بقعةً زرقاءَ تتلألأ على اليمين. جوهرة مصقولة. مرآة نيلية فوق أرض ذهبية. كان الضوءُ المنبعثُ منها أزرقَ ناصعا: كان مُضاءً من الداخل، يبعث بريقاً قويا، شبهَ مُنَـوِّم.
.. أوقفا السيارة، واستسلما لانتشاء ذلك الحَـمَّام من الزرقة التي تغمر حواسَّهما. كانت البحيرةُ تشبه زجاجا مُضاءً من الداخل، لازوردا مصقولا يتألف من عدة درجات من الألوان: شديدَ الزرقة هناك في الأعماق، أزرقَ كوبالتياً وهَّاجاً عند السطح، أخضرَ لبنياً على الضفاف، حيث تُلامسُ المياهُ الرملَ الأبيضَ اللامع. جزيرة مرجانية وُضعَتْ هناك وسط جبال قرمزية وذهبية متعةً للناظرين.)
الأب والأم
ــــــــــــــــــــــــــ
(بعد أن انتهى من الأكل، مَسَحَت الزوجةُ فَـمَـه، لَمَسَتْ شَعَـرَه، سَحَبَت الملاءةَ، وعَدَّلَت ياقةَ مَنامتِه، بحركات اُمومية، كأنها أمٌّ تُغطي رضيعاً في المهد.
وهو يراهما كذلك: أبوه مُمَـدَّدٌ أعزل، وأمُّه تنحني عليه وتهتم به.. أدرك توماس تلك العروةَ الوثقى التي تجمعهما. لقد عاشا معاً لمدة خمسين سنة، تقاسما خلالها الحلوَ والـمُـرّ، الأيامَ المُشرقةَ والأيامَ الحالكة. كان واضحاً بشكل مؤلم أنهما كانا يقضيان الآن آخرَ لحظاتهما كزوجيْن. وقريبا سوف تفترق طرقهما كما يفرق الأفقُ بين السماء والأرض. كانا يتقاسمان حبا ناضجاً: لم يكن عنيفا جامحاً، ولا عاطفةً باردة، بل حناناً عَطوفاً، مزيجاً من الأحاسيس المتبادلة على امتداد علاقة عميقة.
كانت هي الشجرة وهو أوراقها، كانا الضوءَ واللون، الأرضَ والسماء، الحوضَ والنَّيْلوفر، البحرَ والرمال. لم يكن الابنُ يستطيعُ تصورهما مفترقَيْن. ولكن ذلك الفراقَ كان وشيكاً.)
احتضار عالم رياضيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ـــ هل تفكر كثيراً في الموت يا أبي؟
لوى العجوزُ شفتيه
ـــ أفكر فيه قليلاً. نعم. نعم. ألا يفكر في الموت مَـنْ حالُه مثل حالي؟ لكني ربما أفكر في الحياة أكثرَ مما أفكر في الموت.
ـــ بأي معنى؟
ـــ أحيانا أفكر أن الحياةَ لا قيمةَ لها، أنها شيءٌ تافه. سوف أموت، ولن تشعر الإنسانيةُ بغيابي. سوف تموت الإنسانيةُ ولن يشعرَ الكونُ بغيابها. سوف يموت الكون، ولن يشعر الخلودُ بغيابه. لسنا سوى ظلال، غبار تائه في الزمن ــ أحنى رأسَه ــ لكني، أحياناً أخرى، أظن أننا نولد مع مهمة نؤديها، وأننا جميعا نلعب دوراً، ونُشَكل جزءاً من منظومة. قد يكون هذا الدورُ صغيرا جدا، مهمةً تافهة، لكن، في النهاية، من يعرف أن شيئا تافها ليس جزءاً جوهرياً في تصور كعكة الكون؟ ــ لهثَ مُتعباً ــ نحن فَراشاتٌ دقيقةٌ ربما يملكُ خفقانُ أجنحتها الواهنُ القوةَ الغريبةَ على توليد عواصفَ بعيدةٍ في الكون.
ـــ هل تعتقد أننا سوف نتمكن يوما ما من الكشف عن سر كل شيء؟
ـــ كان أوغستو يملك جوابا لكل هذا.
ـــ وماذا كان جوابه؟
ـــ كان قولاً مأثوراً من أقوال (لاو تسو) ــ لزم صمتا كي يسترجعَ أنفاسَه ــ ..
(عند نهاية الصمت يوجد الجواب. عند نهاية اليوم يوجد الموت، عند نهاية حياتنا، هناك بداية حديدة.)
إيقاعُ الكـون
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(ـــ يحدد الفكرُ الشرقي ديناميةَ الكون من خلال دينامية الأشياء:
(براهمان) الهندوسيين يعني (نمو)
(سامسارا) البوذيين تشير إلى (الحركة المستمرة)
(تاو) الطاويين يحيل على دينامية الأضداد المتمثلة في (اليين واليانغ). هل تذكران أني حدثتكما عن هذا؟
ـــ نعم. بطبيعة الحال.
ـــ حسنا، الآن، فكرا في نظريات النسبية: الطاقة والكتلة هما شيء واحدٌ في حالات مختلفة. فكرا في فيزياء الكـم: المادةُ موجةٌ وجُزيئةٌ في الوقت ذاته. فكرا مرةً أخرى في نظريات النسبية: الفضاءُ والزمنُ مرتبطان. كلُّ شيء يين ويانغ. الكونُ يتحرك بفضل دينامية الأضداد. الأطرافُ تلتقي، في النهاية، في نفس الوحدة: يين ويانغ. طاقة وكتلة. موجات وجزيئات. فضاء وزمن. يين ويانغ.. ..
انظرا إلى إيقاع الإلكترونات وهي تدور حول النويات. انظرا إلى تأرجح الـذرات. انظرا إلى إيقاع حركة الجزيئات. انظرا إلى إيقاع سير الكواكب. استمعا إلى نبض الكون.. هل سبق لكما أن لاحظتما إيقاعَ الكون؟
ـــ أوه.. إيقاع الكون؟
ـــ كل ليلة، على طول أنهار ماليزيا، تجتمع آلاف اليراعات في الهواء، وتبعث ضوءاً واحدا في نفس الوقت، مستجيبةً لتزامن سري.
في كل لحظة، في أعماق أجسادنا، ترقص دفقات كهربائية في كل عضو على إيقاع سيمفونيات صامتة تضبط قياسَها آلافُ الخلايا التي لا تُـرَى.
في كل ساعة، على طول أمعائنا، تقوم جدرانُ قنواتنا المعوية بدفع بقايا الطعام عن طريق حركة انكماش متوازنة تخضع لإيقاع متموج غريب.
كل يوم، عندما يَـلِـجُ رجلٌ ما امرأةً، ويجري سائلُه نحو بُوَيْضتها، تُحركُ الحيواناتُ المَنويةُ ذيولَها في نفس الوقت، وفي نفس الاتجاه، وفق تصميم رقصة غامضة.
كل شهر، كلما قَضَتْ عدةُ نساءٍ وقتاً طويلاً معاً، فإن دورتَهنَّ الشهريةَ تتزامن بشكل غامض..
أيكون هذا شيئا آخرَ غيرَ الإيقاع الغامض لموسيقى الكون التي رقص عليها (شيفا) الكونيّ (إله الهندوس)؟
صدفة لا تُصَـدَّق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ـــ بعضُ علماء الفيزياء يتحدثون عن صدفة لا تُصَدَّق:
لو أن كلَّ الطاقة التي تحررت مع البيغ بانغ (الانفجار الكبير الذي أوجد الكون) كانت أضعفَ بجزء صغير جدا، لَتراجَعَت المادةُ إلى الوراء، وسَقَطَت في ثقب أسود كبير. لو أن الطاقةَ كانت أقوَى من ذلك بشكل قليل جدا، لَتَـشَـتَّـتَت المادةُ بسرعة كبيرة لدرجة قد لا تسمح حتى بتكون المجرات.
ـــ حين تتحدث عن جزء أضعفَ أو أقوَى، عن أي شيء تتحدث؟ عن فرق خمسة في المائة؟ عشرة في المائة؟
ضحك الأستاذ (لويس روشا) وقال:
ـــ كلا. إنني أتحدث عن أجزاء ضئيلة جدا.. قام الأستاذ (سيزا) بحسابات، واكتشف أن هذه الطاقةَ، حين يتمكن الكونُ من التمدد بطريقة منظمة، ينبغي أن تكون بدقة واحد من عشرة مرفوعة إلى مائة وعشرين..
وهذا يعني أنه كان يكفي جزء بسيط جدا كي لا يحظى الكونُ بإمكانية إيواء الحياة. كان سيتراجع نحو ثقب هائل أسود، أو كان سيتشتت دون أن تتكون المَجَـرَّات..
ـــ با إلهي ــ صاح توماس وهو يضع يدَه على فمه ــ قد يكون هذا ضربةَ حظ لا تُصَدَّق.
ـــ فعلا ــ اعترف الفيزيائي ــ ومع ذلك، كانت طاقةُ البيغ بانغ تملكُ هذه القيمةَ الدقيقةَ بشكل لا يُصَدَّق، مركَّـزةً في هذه الفجوة الضيقة جدا. أعجبُ ما في الأمر أن الطاقةَ الضروريةَ لتنظيم الكون، هي وحدها التي تحَـرَّرَتْ. أي فقط الطاقة الضرورية بكل دقة كي يوجدَ الكون).
أعلى