أسعد سليم - موجز تاريخ الكنيسة القبطية

إن تاريخ مصر -ذلك النهر المتدفق من الحضارة والاستقلال- يحمل في طياته فصولاً عريقة من الصمود الديني والوطني. أحد هذه التجليات ظهر مع رحلة المسيحية التي بدأت في مصر مبكراً، ربما بقدوم القديس مرقس، أحد رسل المسيح، ليخط إنجيله على أرض الكنانة، وإن كانت مصر تفخر بأنها كانت الملاذ الآمن للعائلة المقدسة من بطش هيرودس. وبدخول المسيحية، كان بطريرك الإسكندرية يتبوأ مكانة مرموقة بين بطاركة العالم.
تحت الحكم الروماني، عانى المسيحيون الأوائل من موجات قاسية من الاضطهاد. ورغم مرسوم التسامح الذي أصدره الإمبراطور قسطنطين عام 313م، لم يتوقف نزيف المعاناة بالكامل. لكن من رحم هذه المعاناة، أثمرت الكنيسة المصرية عن أعظم إسهاماتها في الفكر المسيحي: نظام الرهبنة. لقد كان القديس أنطونيوس، الذي اعتزل الحياة وذهب إلى الصحراء الشرقية عام 268م، هو مبتكر هذا النظام الذي ألهم العالم، ليقدم نموذجاً فريداً للانفصال عن المادة وتكريس الروح.
برزت قامة عالمية من الإسكندرية في شخص البطريرك إثناسيوس، الذي تقلد المنصب عام 326م. قدّر لإثناسيوس أن يصبح مهندس الخريطة الدينية والسياسية في العالم آنذاك. ورغم قضائه 46 عاماً على كرسي البطريركية، إلا أنه أمضى أكثر من عقدين منها في المنفى، مُطارداً من الإمبراطور قسطانطيوس، ابن قسطنطين.
كان هذا الصمود تجسيداً لرفض مصري عظيم؛ فقد حماه الرهبان والفلاحون والمصريون كافة، معرضين أنفسهم للموت. كان إثناسيوس مقاوماً كبيراً، رفض أن يرضخ لأفكار المحتلين البيزنطيين التي حاولت تغيير العقائد. لقد رفض بشدة الربط بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، متمسكاً بالمبدأ الخالد: "ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، ووجه رسالته الجريئة إلى إمبراطور بيزنطة: "لا تقحم نفسك في المسائل الكنسية"، مؤسساً بذلك قواعد صارمة للتقاليد الأرثوذكسية.
بعد قرن من الزمان، وفي مجمع (خلقدونية) عام 451م، تواصلت قصة الصراع بين العقيدة والسلطة. حُرم البطريرك (ديسقوروس) بسبب تمسكه بتعاليم سلفه حول الطبيعة الواحدة للسيد المسيح، مقابل الطبيعتين (الإله والإنسان) التي تبنتها بيزنطة. وقفت الكنيسة المصرية في وجه الجميع متمسكة بقناعاتها، رافضة الانصياع للسياسة والملوك، مما أدى إلى انفصالها عن الكنيسة الأم، وتبعتها في ذلك كنائس الأرمن والسريان.
كان الإمبراطور ثيودوسيوس مصمماً على التحدي، فقام بإخراج ديسقوروس مجبراً. وعندما عيّن الإمبراطور بطريركاً بديلاً من بيزنطة هو "أبوليناريوس"، قوبل بالرفض الشعبي التام. ورغم المذبحة التي ارتكبها الجنود الرومان لتأمين دخوله، ظل الشعب المصري رافضاً التعاون معه، وعيّنوا بطريركاً مصرياً خالصاً سُمي لاحقاً بالبطريرك القبطي، في دلالة على الانتماء الخالص لمصر.
في عام 623م، جلس البطريرك بنيامين على الكرسي البابوي ليشهد فترة حاسمة. فبعد أن شعر الأقباط بالارتياح لزوال البيزنطيين إبان الغزو الفارسي، عاد الإمبراطور هرقل ليغزو مصر مجدداً، مصراً على انضمام الكنيسة القبطية قسراً للكنيسة الأم. ولعشر سنوات دامية، مارس هرقل القتل والتعذيب، لكن المصريين ظلوا صامدين، محولين الدفاع عن دينهم إلى قضية قومية، ومفضلين نقاء قلوبهم وعقيدتهم على أي سلطة سياسية، بينما ظل بطريركهم بنيامين مُطارداً في ربوع البلاد.
في خضم هذا الصراع، وصل الفتح الإسلامي لمصر، فاستقبل الأقباط القائد عمرو بن العاص وجيشه بالود والترحاب. كانت الأسباب متعددة: الرغبة في التخلص من عذاب البيزنطيين، والارتياح للعدل الذي سمعوه عن الخليفة عمر بن الخطاب، والروابط التاريخية بين العرب والمصريين (إسماعيل ابن هاجر المصرية، وإبراهيم ابن الرسول محمد من ماريا القبطية)، إضافة إلى الخطاب الإسلامي المعتدل الذي وعد بالحماية وعدم الإجبار على تغيير الدين.
شهدت مصر تعريباً مذهلاً وسريعاً، وأصبحت العربية لغة الدولة والشعب، فيما انحسرت القبطية في الأديرة للتراتيل. وعندما جاء الصليبيون بعد 500 سنة من الحكم العربي، لم يرحب بهم الأقباط ولم يتعاونوا معهم؛ فقد جربوا العذاب على أيدي الأوروبيين من قبل، كما أن الصليبيين الكاثوليك كانوا يعتبرون الأقباط الأرثوذكس "هراطقة" بسبب إيمانهم بالطبيعة الواحدة للمسيح، بل ومنعوا الأقباط من زيارة القدس وارتكبوا جرائم مثل خطف أطفال دمياط وبيعهم.
وفي العصر الحديث، بعد أن احتل نابليون مصر عام 1798، اضطر للاستعانة بالأقباط في الإدارة، فقام بتعيين جرجس الجوهري كمشرف إداري، والجنرال يعقوب كقائد عسكري. ورغم موافقة البطريرك على تعيين الجوهري، إلا أنه رفض تعيين يعقوب تمسكاً بمبدأ عدم التدخل في السياسة، مما أدى إلى صدام، انسحب على إثره يعقوب مع الحملة الفرنسية.
شهدت مصر محاولات تبشيرية فاشلة من البريطانيين والأمريكيين، مما دفع بالبطريرك كيرلس الرابع (1854-1862)، الملقب بـ "أبي الإصلاح"، لخوض معركة التحديث والصمود. حارب التبشير بكل قوة، وافتتح مدارس للبنين والبنات، والأهم أنه أسس نظاماً مدنياً منتخباً في الإيبارشيات للإشراف على المسائل المالية والمدنية، والذي تطور لاحقاً ليصبح "المجلس الملي"، وهو مؤسسة وطنية مدنية ذات قوة قانونية.
أدت الخلافات بين المجلس الملي والبطريرك اللاحق كيرلس الخامس إلى نفيه بأمر من الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1892. لكن الأقباط وحدوا صفهم ورفضوا الأسقف البديل، ليعود كيرلس الخامس منتصراً، ويشارك لاحقاً في ثورة 1919 الوطنية ضد الاحتلال البريطاني.
على الرغم من الحساسيات التي ظهرت نتيجة استغلال البريطانيين للأقباط في الوظائف الإدارية (مثل تعيين بطرس غالي في محكمة دنشواي وما تبعه من أحكام أدت إلى اغتياله)، فإن الوحدة الوطنية سرعان ما انتصرت. ففي خضم ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، ساد الشعار الخالد: "يحيا الهلال مع الصليب". تم صياغة دستور 1923 بروح وطنية عالية، وظهر العديد من الأقطاب الأقباط في حزب الوفد، أبرزهم مكرم عبيد، سكرتير عام الحزب ووزير المالية، تأكيداً على أن مصر للمصريين جميعاً.
إنها حكاية أمة صمدت؛ لم يفصلها الاستعمار عن عقيدتها، ولم تستطع السلطة السياسية أن تفرض عليها رؤيتها الدينية، لتظل قصتها دليلاً على قوة الإرادة الشعبية والاستقلال الفكري.
في فجر القرن العشرين، برزت شخصية حبيب جرجس، الموظف القبطي الذي ارتبط عمله بالتعليم الديني، كأحد رواد الإصلاح القبطي. كان حبيب جرجس يتمتع بوعي شامل لشؤون مجتمعه، متأثراً بالتيارات الإصلاحية المعاصرة مثل الأفغاني ومحمد عبده، لكن بغايات مختلفة. لم تقتصر رؤيته على الشأن الكنسي الضيق؛ بل كان أول من أطلق العبارة ذات الدلالة الخطيرة: "الأمة القبطية"، مشيراً إلى كيان أكبر من مجرد الكنيسة ورعاياها.
كان القلق الأكبر لدى حبيب جرجس ينبع من الخلل الهيكلي في الكنيسة، خاصة في قاعدة الهرم المتمثلة في الكهنة والشمامسة. كان الكهنة (القسس) الذين يُسمح لهم بالزواج ويُشكلون العمود الفقري للخدمات، في الغالب من الفلاحين غير المتفرغين للخدمة، وغالباً ما كانوا أمّيين. كان هذا الوضع يمثل تحدياً هائلاً في ظل تزايد نشاط الإرساليات التبشيرية التي كانت تفتح المدارس والمستشفيات وتغزو المجتمع بالمطبوعات، مما أدى إلى تحول أعداد من الأقباط إلى البروتستانتية والكاثوليكية.
رأى حبيب جرجس أن المواجهة الفكرية يجب أن تبدأ من التعليم، فقرر إعادة تشغيل وتنشيط المدرسة الإكليريكية عام 1910 تحت مظلة البطريركية لتعليم العلوم الدينية القبطية. كما يُنسب إليه الفضل الأكبر في تأسيس "مدارس الأحد" داخل الكنائس (وهي خدمة تعليمية كنسية مكملة للأسرة) لتلقي دروس مكثفة لا تقتصر على الإنجيل فحسب، بل تشمل التاريخ المسيحي والقبطي والتراث المميز للكنيسة.
أثمرت هاتان المؤسستان عن ظهور جيل جديد من الشباب القادر على فهم تاريخه والواعي بالتحديات، بل وبدأ يهمس بالحديث في السياسة. في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، بحث هذا الجيل المتخرج من المدارس والكليات المرموقة عن دور سياسي؛ وبينما انضم جزء منهم إلى الحركة التقدمية، رأت الأغلبية أن نظام الرهبنة داخل الكنيسة هو الملجأ والحامي الأول لهم.
ازداد قلق الأقباط مع قيام ثورة يوليو 1952 لغياب العنصر القبطي في قيادتها. ورغم تعيين وزراء أقباط (تكنوقراط)، إلا أن تأثيرهم السياسي كان محدوداً. زاد الأمر سوءاً بحل الأحزاب (خاصة حزب الوفد الذي ضم قيادات قبطية)، وتأميم الشركات الذي أثر سلباً على رجال الأعمال الأقباط، بالإضافة إلى التوجه القومي العربي للثورة الذي أثار مخاوف من تغلغل أفكار إسلامية بداخله.
في أواخر الأربعينيات، ظهر تنظيم "جماعة الأمة القبطية" التي دعت إلى الحكم الذاتي للأقباط. هذه الجماعة، التي كان تأثيرها محدوداً في البداية، نفذت حركة متهورة عام 1954 حين اقتحم شاب منها يدعى إبراهيم هلال القصر البابوي وأرغم البابا يوساب العجوز على التنازل. ورغم فشل المحاولة وعودة البطريرك، إلا أنها كانت مؤشراً على التوترات الداخلية.
مع قرارات التأميم والتوجهات الاشتراكية، بدأت موجات من هجرة الأقباط إلى الخارج (أمريكا، كندا، استراليا، فرنسا، وإنجلترا)، مما نقل جزءاً من الثروة القبطية للخارج، ونشأ للكنيسة القبطية رعايا في دول متعددة لهم صوت يحمل مطالب إصلاحية. تزامنت هذه التطورات مع تأسيس مجلس الكنائس العالمي عام 1948 بدعم غربي لمواجهة الشيوعية، مما زاد الاهتمام الدولي بالكنائس.
في عام 1959، تم انتخاب البابا كيرلس السادس، مدعوماً من جيل الرهبان الشبان الجامعيين الذين انضموا للرهبنة. كانت علاقة البابا كيرلس بجمال عبد الناصر جيدة، واستغل البابا هذه العلاقة لحل مشكلة حساسة: بناء الكنائس، الذي كان مقيداً بـ "الخط الهمايوني". منح عبد الناصر تفويضاً للبابا ببناء 25 كنيسة سنوياً، كما اعترف بحق الأقباط في كاتدرائية تمثلهم، وتبرعت الدولة بمليون جنيه لبناء الكاتدرائية المرقسية الجديدة التي افتتحها عبد الناصر بنفسه.
توسعت دائرة النشاط الكنسي خارج الحدود. ولتلبية طلبات الجيل الجديد من الرهبان الجامعيين الذين أصبح لهم صوت مسموع، قام البابا كيرلس بأول سابقة في تاريخ الكنيسة، وهي ترسيم أساقفة عامين (للدولة) دون أبرشيات جغرافية محددة.
برز نجوم من هذا الجيل الشاب:
• الأنبا صموئيل (سعد عزيز): أسقف الخدمات، أصبح مسؤول العلاقات الخارجية للكنيسة مع الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي وأقباط المهجر. كان بارعاً في الشؤون المالية واستغل فترة الانفتاح الاقتصادي.
• البابا شنودة الثالث (نظير جيد): أسقف التعليم، تولى الكرسي البابوي لاحقاً وأصبح ملهماً للشباب القبطي بـ "درس الجمعة"، وكان يرى الكنيسة مؤسسة شاملة للدين والدنيا.
• متى المسكين (يوسف إسكندر): راهب آثر الاختفاء والاستقرار في دير "أبو مقار"، محولاً إياه إلى قوة إنتاجية زراعية ومركز اتصالات واسع، وكان يرى عدم جواز دخول الكنيسة في الشؤون السياسية.
• الأنبا غريغوريوس (وهيب عطا الله): أسقف البحث العلمي، أنشأ معهداً عالياً للدراسات القبطية وعمل على إصدار نص نهائي للكتاب المقدس ودائرة معارف قبطية.
شهدت هذه الفترة خلافات بين جيل الشباب أنفسهم، واختلفت رؤاهم مع البابا كيرلس. وصل الأمر إلى نفي البابا كيرلس للأنبا شنودة إلى دير وادي النطرون بسبب النبرة السياسية في خطبه، ونفي متى المسكين بسبب بعض التباينات في الرؤى الروحية، لكن البابا اضطر لإعادتهما تحت ضغط رعاياهما. وسط هذا الصخب، توفي البابا كيرلس السادس عام 1971.
بعد وفاة البابا كيرلس، واجهت الكنيسة انقساماً بين التيار التقليدي المحافظ وتيار الرهبان الشبان. استقر نظام الانتخاب على استفتاء استرشادي، ثم اختيار المجمع المقدس لثلاثة مرشحين، ثم وضع أسمائهم في صندوق يختار منه طفل أحدهم عشوائياً فيما يعرف بـ "القرعة الهيكلية". في انتخابات 1971، تنافس التيار القديم مع الأنبا شنودة، واختار الطفل ورقة الأنبا شنودة ليكون البابا الجديد (البابا شنودة الثالث).
أصبحت الفرصة مواتية للبابا شنودة لصنع موقف مستقل للكنيسة، مدعوماً بمحبة رعاياه في الداخل وكذلك بكنائس المهجر وتبرعاتها السخية، وعلاقاته القوية مع مختلف الكنائس. وبغياب زعامات مدنية قبطية قوية، أصبحت الكنيسة طرفاً مستقلاً إزاء سلطة الدولة.
كان أول صدام بين الرئيس السادات والبابا شنودة بعد ستة أشهر من انتخاب الأخير بسبب "أحداث الخانكة". صعد البابا شنودة الموقف بإرسال طابور من الأساقفة والقساوسة لإقامة الصلوات في الموقع. ورغم غضب الرئيس السادات، إلا أنه زار الكاتدرائية واستقبله البابا شنودة بحفاوة، فأعطاه السادات موافقة على بناء خمسين كنيسة جديدة.
واصل البابا شنودة التوسع في كنائس المهجر، وعمق علاقته مع مجلس الكنائس العالمي. وفي أبريل 1977، قام البابا شنودة بزيارة إلى أمريكا قابل فيها الرئيس كارتر، الذي كان يحاول استمالة الكنيسة لحل الصراع العربي الإسرائيلي. لكن البابا شنودة أظهر ذكاءً سياسياً كبيراً، وأكد استقلالية الكنيسة القبطية المتزايدة.



أسعد سليم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى