قصر ثقافة ديرب نجم يحتفي بديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم الكبير السيد النمّاس.
الورفة النقدية الأولى : ثنائية الحضور والغياب في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر السيد النماس
متابعة / مجدي جعفر
..................................................................
احتشد بقصر ثقافة ديرب نجم لفيف من أدباء ونقاد محافظة الشرقية والمحافظات المجاورة، ليحتفوا مع أدباء النادي الأدبي بديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم الكبير السيد النمّاس، بحضور السيدة الفُضلى نجوى مكاوي مديرة القصر، التي رحبت بالسادة الضيوف، كما قدمت السيدة / سمر حسن أمينة المكتبة كلمة أشادت فيها بالشاعر وبأدباء النادي وبالأدباء والنقاد الذين تكبدوا مشقة السفر في هذا الجو الحار، ليقدموا أوراقهم النقدية في هذا الديوان الذي صدر ضمن سلسلة إصدارات مكتبة الأسرة، وأدار الندوة بوعي وحنكة واقتدارالشاعر القدير رضا عطية، ولكثرة الأوراق النقدية ولأهميتها، سنقوم بنشرها في عدة حلقات :
الورقة النقدية الأولى :
وتحت عنوان ( ثنائية الحضور والغياب في ديوان الصوت والرماد للشاعر السيد النَّمَّاس) قدم الأديب والناقد محمود الديداموني دراسته النقدية، جاء فيها :
( "مات الذى لابد أن يموت من أغنيتي
لكن حنجرتى استماتت فى الغناء
غرق الذى لابد أن يغرق من سفينتى
لكن أشرعتى تقاوم الانحناء
سقط الذي لابد أن يسقط من أقنعتى
وفصدت آخر ما ورثت عن السلالات الخصية من دماء " .... من نص " الصوت والرماد "
توطئة :
يقول (يونغ) :
"الشعر العظيم يستمد قوته من حياة الإنسان كنوع، وسنخطئ معناه بشكل تام، إذا حاولنا استلال ذلك المعنى من عوامل شخصية".
"إن الشعر لـه حياته وروحه العامة التي لا تأتي من الخارج، ومثل الشعر كمثل النبات يتغذى بأشياء ولكن خصائص النبات لا يمكن أن تعزى إلى ظروف الأرض التي يعيش فيها"
يبقى النص فضاء دلالياً وإمكاناً تأويلياً، لا يحمل دلالة جاهزة ونهائية والنص الذي يستهوي القارئ يشكل بالنسبة له –على حد قول رولان بارت- موضوع اشتهاء... فهو كالجسد يغري قارئه، ويفتح شهية الكلام لديه، ويحرّك رغبته في المعرفة"( ).
فأي نص إبداعي "مبني على غياب، ويستعصي على الحضور لأنه يحمل أثر الآخر الذي يسكننا، أو يهجس بالآخر الذي لا يحضر"( ).
فكل قصيدة هي امتداد لقصائد سابقة، وكل شاعر هو امتداد لأجداده الشعراء. (فالمتنبي مخبوء في شوقي وأبو تمام في السياب وعمر بن أبي ربيعة في نزار قباني) ( ). كل شاعر إنما يقف على أكتاف شعراء قبله ليصبح أطول منهم كما يعبر صلاح عبد الصبور( ).
كما تعد وظيفة الناقد الأدبي هي إعادة النظر في النتاجات الأدبية أو الظواهر الأدبية، فينجز نصا موازيا لعالم الأدب من أفكار أو رؤى فنية، "ويتلخص عمل الناقد بتحليل التكوين الإبداعي، ومن ثم يعيد تركيبه أو بنائه، وهذا لا يعني استنساخ أو إعادة التجربة ذاتها، فهو ينطلق من أفق إلى أفق أعلى"( )، وقصديته تقوم على فتح مغاليق المنجز وكشف ما يضمر من مفاهيم، لهذا فان مهمة الناقد تتلخص في تعضيد المتن الإبداعي والكشف عن ملامح الإبداع، ومن هنا لا يمكن أن يكون هناك نقد أدبي صائب وآخر خاطئ، بل أن هناك نقد أدبي أكثر قدرة على تأويل العمل الفني وتفسيره من غيره.
فالشاعر السيد النماس أحد الأصوات الشعرية المهمة التى جاءت متماسة مع حركة التجديد فى الشعر العربي ، هناك من دمياط ، حيث بزغ نجم طاهر أبوفاشا ، وفاروق شوشة، ومصطفى العايدي، وغيرهم من الأسماء المهمة التى أسهمت فى حركة التجديد بنصيب يتفاوت من تجربة إلى أخرى، حيث تنوعت التجارب ، محتفظة بخصوصية بيئتها .. وأزعم أننى على علاقة طيبة بالمشهد الأدبي والثقافي الدمياطي ، شعراء كانوا أم سرَّادا ، مثل سمير الفيل ومحسن يونس وفكرى داوود ومصطفى الأسمر وضاحي عبدالسلام ومحمد شمخ وجمال سعد محمد ود. عيد صالح ومحمد سالم مشتى ، ود. عزة بدر ، وأحمد زغلول الشيطى ومحمد العتر ، وغيرهم ، جيل بعد جيل ، ولعل أدب دمياط يحتاج إلى عين ناقدة لدراسته لعدة أسباب هى بالتأكيد من وجهة نظرى جعلت هذا المكان وتلك البيئة غنية بأدبها وقادرة على المساهمة بنصيب وافر فى حركة التجديد ، أذكر من تلك الأسباب :
1-أنها بيئة ساحلية ذات علاقة وثيقة بالبحر والجانب الآخر من ساحله ( الغرب ) وما يحمله من ثراء الخيال وحركات التجديد .
2-أنها بيئة ذات طابع حرفي صناعى بما يحمله هذا الطابع من ثراء الحياة والواقع ومحاولة تجاوزه
3-أنها بيئة زراعية أيضا مشحونة بالحياة والتأمل
هذه العوامل الثلاثة وغيرها جعلتها بيئة ثرية متنوعة تمنح مبدعيها القدرة على الاشتباك بالفن ومحاكاة الجمال وإنتاجه فى آن .
الصوت والرماد ثنائية الحضور والغياب
ونحن بصدد قراءة تجربة مهمة لأحد شعرائها من خلال ديوانه الأول حيث صدر ديوان " الصوت والرماد " 2004 عن مكتبة الأسرة وهو بلا شك صدر من قبل عن سلسلة أدباء مصر فى الأقاليم ، وأعيد طباعته عن مكتبة الأسرة لتقديم تجربة حقيقية على نطاق أكثر قيمة واتساعا، تجربة تستحق الالتفاف حولها وتقديمها للذائقة الأدبية العربية ، بما تحمله من بريق فلسفى وروح مقاومة .
وإذا كان الشعر ينطلق من واقع المجتمع فهو لا يقف عنده وإنما يتجاوزه إلى المثالي، يبدأ من المحدود لينتهي إلى اللامحدود، ويتخطى المحسوس إلى المجرد. يقول حجازي: "إننا في الشعر لا محالة نبدأ من الواقع، لكننا لا نكون شعراء إذا لم ننته إلى الأسطورة، وذلك حين نزاوج بين العابر والأزلي ونهدم الحائط الفاصل بين الحلم والحقيقة"( ). ومن ثم فإن صلة الشعر بالواقع "صلة تصور خاص وإعادة خلق وتشكيل لا صلة نقل وتسجيل. كما أن هذه الصلة ليست غاية شعرية، فالقصيدة لا تتصل بالعالم إلا بمقدار حاجتها لكشفه وتمثله"( ).
والشاعر هو صلة الوصل بين الكون من جهة واللغة من جهة ثانية، هو الوسيط الذي يحول الواقع إلى فن( ). فهو يصارع الواقع على مستوى الفكر واللغة والتراث الفني ليصل إلى فنه. فمن خلال صراعه مع لغة الجماعة يصل إلى لغته الخاصة، ومن خلال صراعه مع المواقف السائدة يصل إلى موقفه الخاص، ومن خلال صراعه مع التراث الفني يصل إلى تشكيله الفني الخاص( ). فالشعر من هنا ليس تكراراً لما هو موجود وإلا فقد مبرر وجوده
فالعنوان نفسه يحمل دلالة رمزية واضحة تقوم على ثنائية " الحضور والغياب " من خلال لغة موحية مشحونة أيضا .
الصوت : الحضور – المقاومة - الرغبة فى البقاء
الرماد : الفقد – التلاشي – الانكسار
رمال البوادى سفت فوق شمسي نقيعا تقطر منه الدم
وراح الفرات يغيض ويعول
عويلا وبيلا
كأن الثكالى بقلب الفرات ووجه الفرات لهن الفم
كأن الثكالى شربن الفرات وأجرين دمعا بقيعانه
وأجرين همَّا بأمواهه
رمالٌ .. عماءٌ .. سرابٌ .. دمُ ..... ( من شظايا قصيدة قديمة ).
نلاحظ حالة البوح المنكسر الحزين عبر هذه الافتتاحية المؤلمة عبر شبكة مفردات مانحة بعدا مكانيا ووجدانيا ، طبيعة نازفة مقلوبة / مختلة .. طبيعة تقطر دما .. يصبح العويل الوبيل صوتا حاضرا فيها ..، ليس الألم إنسانيا فقط ، بل هو ألم كوني نفتقد فيه إلى فقدان الرؤية وزيف الحقيقة .
ومن المهم الإشارة إلى أن الشاعر لا يكتب قصيدة بقدر تنقيبه في أنقاضها .. ( شظايا قصيدة قديمة ) .
على مدخل الكوفة الداعرة
بغايا عجاف يثرثرن ساعة
ويرمقن هذا الفضاء المديد
ويرفسن هذا الهواء الصفيق
ويذكرن ما قاله الفتية
وهم يذهبون وراء الأفق
ويذكرن كم قبلة بالفم
وكم من لهيب عنيف تثلج
وكم جدول من دموع ترقرق ... الخ
إنه الفضاء التاريخي الرمزى للكوفه المرتبط بالذاكرة العربية من فتنة وخذلان تاريخي وصراع ، لم يجن منه غير التشتت والانكسار، ولعل الاتكاء على المفارقات اللغوية عبر كتابة الجملة الشعرية وتكوين الصورة لدليل على جمالية خاصة عند االشاعر السيد النماس . إنه يقدم مرثية حضارية (للفرات / الكوفة )، أو إسقاط على حدث تاريخي مأساوى ، من خلال حالة الوعى المكسور الذى يرى العالم رمادا ( غيابا ) بعد أن كان صوتا (حضورا ). يتقاطع هنا السياسي بالدينى بالتاريخي .. وهو يدين بلا شك مكانا ( الكوفة ) فقد قداسته لأنها باعت موقفها وخانت قيمها. والشاعر هنا قد أحدث صدمة جمالية من خلال استخدامه لغة الاحتجاج الشعري ، لغة فاضحة للرمز، وهنا يمكن الذهاب إلى البعد الفلسفى كون الشاعر دارسا نهما للفلسفة ، فلا يمكن قراءة النص بعيدا عن تشكله الثقافى، فنجد أن إشارته لمدخل الكوفة باعتباره عتبة تاريخية
بينما تشير مفردة ( الداعرة ) إلى سقوط هذا التاريخ ، فأصبح تاريخا ملوثا لا يمكن دخوله دون وعي بالخيانة.
وهو ما يجعلنا نقرأ النص على اعتباره تفكيك للرمز التراثي وإعادة شحنه بدلالات معاصرة صادمة ، وهو ما قدمته القصيدة وحرص عليه الشاعر بالفعل من وجهة نظرى.
وغاب القطار وغابت وجوه
وكم من سنين قصدن القطار تحسسنه
وقلن الكثير وحلفنه
وكن يلوحن في لهفةٍ لكل قطار
" تناءت ديار
وشط المزار
حبيبي حبيبي ترفق تعال "
إنه يصل إلى ذروة الانفعال العاطفي الذى يؤكد حالة الانكسار المستمرة ، كأن الشاعر يستمر فى المزاوجة بين مرثيتين للإنسان والمكان .
إنه يختم النص بأسئلة الفلسفة وكأنه يحاول محاكمة الحاضر والماضى على حد سواء بعد أن قدم طبيعة المشهد وأداوته فيقول :
علىٌّ أتى وحده صامتا أعزلا
أتى سائرا فوق ماء الفرات
وبين يديه جيوش البكارى ألوفٌ ألوف
أما من منازل ؟
علىٌّ يصلى صلاة السلام الأخيرة
ويلقى إلى النار زيت الزلال
فيا أيها العندليب المسافر
لماذا توقفت عند المخافر ؟
لماذا رفعت الكتاب احتكمت ؟!!
لماذا انتحرت ؟!!
إنه يزاوج بين أسئلة الحضور والغياب بشكل متكافئ ، كأنهما وجهان لعملة واحدة ، فلا يكون الحضور بقدر ما يجاوره الغياب ، ولا يكون الغياب بقدر ما يترك من صدى .
ما يلفت الانتباه هذا الحراك العقلي الذي يعد سمة من سمات المبدع والمتمثل بالميل القوي إلى التفكير بمنطق المتضادات والمتناقضات عندما يفكر المبدع بالبحث عن مركب جديد للأفكار.
يقول صلاح فضل: "وتختلف هذه العلاقات (أي الحضور والغياب) في طبيعتها ووظيفتها معاً، مع الملاحظة أن هذا التقسيم- مثله في ذلك مثل أي تقسيم عام- لا يكون مطلقاً: إذ أن هناك عناصر غائبة من النص ولكنها شديدة الحضور في ذاكرة القراء الجماعية في فترة معينة إلى درجة أنه يمكن اعتبارها عناصر حاضرة"
وهكذا يصير الشعر تلك الصورة التي لها فضاء لا محدود تكون بدايته الحضور ونهايته الغياب وبين هذين القطبين يتكون فضاء شعري يتراوح بين الحسّ والمعنى بين الخفي والجلي، ومن خلال هذه الثنائيات يكتسب الشعر كل قوته وشاعريته فيصبح حضوره هو اللغة والآلات الشكلية التي تحدّد معالم القصيدة كالوزن والعروض والتوزيع المعنوي والتركيب النحوي وتصبح العلاقات الأساسية على مستوى أعمق مشكل الرّؤيا الكلية للوجود… كذلك تكتسب النصوص علاقات أخرى تنتظم مع الإنشاء الشعري والنثري في بنية كلية للنص الجديد." " "
فنجد النمّاس يتعامل مع التراث بفهم عميق، وتنهض القصيدة لديه على مدارات القلق والتأمل والتمرد، فنصوصه محكمة البناء حيث يمتلك رؤية ناصعة، ويشتبك مع قضايا عصره بحميمية وروح وثابة، فالشاعر لا يكتب عن الماضى بل يستخدمه ليقدم الحاضر، وانفعاله ليس لحظيا بل مركب من عدة طبقات، انفعال الذاكرة الجريحة " ويتذكرون ما قاله الفتى ... " ثم انفعال الخذلان الجماعى ( غاب القطار – غابت وجوه ) ثم انفعال الإدانة ( على مدخل الكوفة الداعرة ) وهو ذروة الانفعال ، فتصبح المفردة قاسية فى حكمها ودلالتها ويتحول الرثاء إلى اتهام .
فالبحث في فضاء القصيدة يعني البحث في مكونات الدلالة وأبعادها، ولا يتأتى ذلك دفعة واحدة وإلا سقط العمل في التعتيم والبتر ـ فاكتشاف دلالات القصيدة ـ أية قصيدة ـ يعني المرور من السطح كما تعرضه الكلمات والتراكيب إلى الأعماق التي هي جوهر الشعر وعالمه الدلالي.
ولكي يحصل ذلك يجب تحديد المكونات الأساسية للقصيدة، أي وحداتها وحركاتها، وعن طريق ذلك يتسنى الكشف عن موقف الشاعر ورؤيته وتساعد أيضاً على الكشف عن الفاعلية الشعرية والفاعلية الإنسانية والتجربة النفسية للشاعر.
إنه يرصد ماض تحت نيران الإدانة بالإضافة إلى حاضر وواقع مأزوم، ينتج عنهما صوت يتحول إلى رماد، وهى ثنائية وجودية ذات طابع فلسفى بين الحضور والغياب .
لعل العمل الإبداعي (نصاً كان أم لوحة أم مشهداً..) الذي لا يستثير في المتلقي ردوداً متنوعة ويفتح ذهنه على أكثر من احتمال يفقد الكثير من عناصر الإبداع. أما النص أو العمل الذي لا يعطي أكثر من إجابة مهما كانت دقيقة فهو لا يمتلك سمات إبداعية كافية. العمل الإبداعي يضع المتلقي داخله فيشارك في صنع الصور واقتراح الحلول والمسارات ويفسح لـه في المجال للتنبؤ والاستشراف.. لذلك فإن النص المفتوح يظل نصاً محرضاً للقدرات العقلية ومنشطاً لها ومحفزاً.
وتأتى قصيدة " الكلام من فوهة البركان " دليلا على تلك الثنائية الحضور والغياب إذا ما ذهبنا لقراءة النص من منطلق سيميائي ، حيث نجد الصوت / الكلام ، ونجد النار / البركان ، ونجد الغياب / الحمم والانفجار ، هى عملية متصلة غير منفصلة ، رغم حضور طاقة الغضب والثورة ، إلا أن طاقة أخرى كامنة تتعلق بوجود آخر وحضور آخر قد يكون هشا لكنه يمثل حضورا ، فلا يكون الغياب مطلقا ولا الحضور مهما أيضا
كان الكلام حين حاولت البواح ذائبا عند الشفاه
وكان ثلج فوق قلبى
وكان برد ، ظلمة ، وكان نهر فى الغياهب ينتحب
الكل في واحد
والسيف فى الذهب
ورأس يوحنا يرف مخضبا وجه المياه
كنت وكانت مكة مصلوبة ، ساقطة كثور
وكنت جائعها وعاريها وكنت الديدبان
ويستمر الشاعر مستعملا الفعل " كان " وكأنه يسرد تفاصيل المشهد من ذاكرة الماضى الذى يصر على استحضارة ليصبح أمام العين ربما تسثار أو تحرك ساكنا ، يوظف التراث ويتناص معه ويستمر فى رسم مشاهده المأساوية التى تعبر عن مناطق الانكسار فى تراثنا العربي ، ونتيجة لهذا الانكسار، يقول :
"وكانت الأشجار تهوى فى قرارات العيون
" والتين والزيتون "
وتطفر الأوراق في الأحداق
صفراء ناحلة
وتسقط الجفون
ولم تعد تأوي العصافير الزغيبة للعيون
ثنائية مدهشة يقدمها الشاعر فى ثنايا سطوره الشعرية فيقول :
وكنت أنفذُ في حجارة السكوت
فتنهض الشوارع
في قاعي المفرغ وتنهض البيوت
...
غنيت ساعة الممات
غنيت لا انتبهوا للحنى لا ولا لشفرة الكلام
....
الأرض فاكهةٌ واعراسٌ وموت
ومسكنى بحرٌ تجرجره الرياح
وسفينتى صدى.
يظهر جليا قدرة الشاعر على تقديم قراءات ( مشاهد ) فى قصيدة " أربع قراءات لصلاة حب واحدة " تعبر تلك اللوحات عما ذهبنا لإليه من توجه فيقول:
كنت مخطوفا إليك والطريق ضائعة
والرياح بيننا رسلٌ ، عصافيرُ ، كوىُ
فى زنازين الجهات الأربعة
لا طريق للدخول
لا طريق للخروج
نتخفى فيك يا أرض التواريخ الشقية
ننحنى فوق هسيس الأرض نسأله الهويه
نلاحظ تحول الخطاب من الذاتي إلى الخطاب الجمعى وكأنه قصد هذا التوجه مستصرخا من خلال طرح السؤال الختامى لقراءته الأولى حين يقول :
فمتى ينهدم المسرح فوق الداعرين
ويصوغ الفقراء المسرحية .
إنه يستمر فى ثنائية الحضور والغياب وكأنه يعبر عن تلك المرحلة من تاريخ الانكسار والهزيمة ، وتحول المجتمع إلى حالة الخنوع والضياع وهيمنة هؤلاء الداعرين على حد قولة لمهاجمة المفكرين والحالمين ، وتكمم الأفواه ، ولا نستطيع التعبير عن أفكارنا وأحلامنا إلا من خلال استخدام التورية التى تحمل فى مدلولها أكثر من معنى .
نعبد الشرطي نبغضه ونعبده ..
.. نصلى للمخاوف
ونجيد التورية
وهو فى القراءة الثانية يستدعى الحلاج وابن رشد ومعاناتهما كأنها اللوحة المستدعاة فلسفيا وتراثيا للتعبير عن قراءته الأولى .
أحمل " الحلاج " في قلبي الصغير أن يقع
يعلن المذياع عن جيشٍ كلابيٍَ لجب
في طراد ملكى خلف " فتح " وظباء اللاجئين
أتناجى وابن رشد وكتبه المحروقة الممنوعة التداول .
وفى القراءة الثالثة تبزغ اللوحة المقاومة ( لوحة الحضور )
يُعملون الغصب فينا .. نتوالد
يُعملون القتل فينا ... نتوالد
والتواريخ المسيخات امَّحت
صارت هباء ومتاحف ... ( لوحة الغياب ).
بينما تنطلق فى القراءة الرابعة بوح الأمنيات .
بين عينيك وبيني أغنيات لا تموت
حبنا باق يقاوم موته حتف السكوت
أشتهيك بيرقا منتصرا يمحق يأسي .
وما يجب أن يكون حاضراً باستمرار في وعي الناقد هو عدم إلغاء الحدود بين نص أدبي ونص آخر، لأن هذه الحدود هي ما يميّز النصوص عن بعضها البعض وإلغاء هذه الحدود ـ التي هي في الأغلب الأعم شكلية لأن نصوص مرحلة معينة تفرز مواضيع متشابهة تعكس هموم ومشاكل العصر ـ قلت إلغاء هذه الحدود هو جعل الأدب أو الظاهرة الشعرية عبارة عن نص واحد كبير، أو مجموعة من النصوص المتراكمة فوق بعضها البعض، بهذا المفهوم تتداخل الحدود ولا نستطيع أن نميز ما إذا كنا أمام قصيدة لصلاح عبد الصبور أم للبياتي، أم قصيدة لنازك الملائكة أم لفدوى طوقان.
واحترام هذه الحدود هو احترام إشارات كل نص وذلك إذا انطلقنا من النظرة السيميولوجية للشعر أنه مجموعة من الإشارات الدالّة التي تعبّر عن تجربة مخصصة في هذه الإشارات لا تجد حياتها إلاَّ في كنف الجماعة اللغوية التي أنتجتها. وإشارات كل نص هي الإشارات اللغوية والتركيبية بالدرجة الأولى ولكنها تعني أيضاً التقصّي في أبعاد الدلالة والبحث في كل أشكال تجلياتها، وعدم إلغاء الحدود بين نص ونص آخر يتطلّب منا التعامل مع النص باعتباره كياناً مستقلاً، وهذا يعني اتخاذ موقفين: اعتبار النص علامة مميزة ضمن النصوص الأدبية الأخرى أي يتمتع باستقلالية تامة حيال النصوص الأخرى، وثانياً: أنه إنتاج أدبي فني مستقل عن الخطاب السياسي والاجتماعي والتاريخي، هذا من وجهة النظر المنهجية ولكن في الواقع ـ واقع الدلالة العميقة ـ أن القصيدة تتقاطع في نقاط عدة مع الخطاب السياسي والاجتماعي والتاريخي وتعيد تشكيل الأوجه المتعددة للواقع الذي تتناوله.
يقدم قراءة خامسة تستدعى ما سبق وذهبت إليه خلال السطور السابقة فيقول
أحمل وجهى كالعادة
أغسله أنظر في المرآة المعتادة
فيقهقه خلف القسمات أبي .. ( التاريخ / التراث )
أشمك ملء هواء الشارع
وأثبِّت في وادينا الأجرد
أزهار الزمن الضائع .
ينطلق فى التفتح الأول إلى اجترار الذكريات للتفتح الثاني الذى تكبر فيه الحقيقة وتتجسد المخاوف من عودة الجنود والعسس فينبشون الكتب بحثا عن سلاح أو رموز غامضة .
وينهض الفيلسوف الذى هو بداخل مبدعنا ليلحق هذين التفتحين بانقسامين أولها ينتهى بتعبير تقريري فيقول :
الأرض تبدأ من رماد البيت والموتى ودم العاصفة.
بينما يبدأ الانقسام الثاني بعودة إلى التفتح
فيقول :
تتفتحين
الليل قنبلة وورده
تنقسمين
الموعد الآتي زمانٌ وأبدْ
تتفتحين
الليل ميلاد وأنثى وكبد
تنقسمين
الرعد والبرق المجنح وانفجارات الظلال
وتجسد الأشباح والموتى سدىً
وتخلق الشيء المحال .
إنه يصر على ثنائيته ( الحضور والغياب ( التفتح والانقسام ) والغياب / الانقسام ليس بمعنى الفناء والانتهاء، فالشاعر يلبس مفرداته وصوره بعدا فلسفيا ليصبح الغياب أكثر حضورا ، بمعنى أن الغياب ليس اقصاء بل حالة وجود مواز . كذلك لم يعد الحضور حضورا مكتملا ، بل حضور هش مهدد ومؤجل ، فى حين تنقسم الذات وتغترب وتصبح غير قادرة على التماسك .
إن الشاعر يقدم لوحات مدهشة بحيث لا يكون الحضور فيها إلا من خلال الغياب ليصبح شكلا من أشكال الحضور. فالشعر يصبح عنده محاولة دائمة لملء فراغ لا يملأ. وتصبح ثنائية الحضور والغياب ليست مجرد ثنائية تقابلية بل بنية جدلية تعكس أزمة الإنسان العربي وآلية إنتاج للمعنى داخل النص واعتبارها وسيلة مقاومة جمالية ضد الانهيار الواقعي .
وتطل علينا قصيدة " النفخ فى صور الخروج " محملة من عنوانها بالكثير من الدلالات المتعلقة بالانتقال من العدم / الغياب إلى الوجود / الحضور ، فالنخ محاولة لاستدعاء المعنى ، والخروج يقارب حلم بالتحقق الذى لا يكتمل ، بما يعنى بداية جدلية الحضور والغياب منذ العتبة الأولى للنص.
وتصبح اللحظة الحاضرة عبر النص فى نهايات المقاطع حين يطالب الشاعر باتباع القلب المنطفى فيقول :
فاقتف
قلبك المنطفي
واستدر
واجه الأرض قبل السقوط .
حالة عامة تهيمن على فضاء القصيدة يتجلى فى فراغ المشهد وانكسار الزمن وغياب اليقين ، ليصبح النفخ فى الصور محاولة يائسة لاختراق صمت كثيف ، ( واجه الأرض قبل السقوط / الغياب )، مما يجعل الغياب أثقل من الحضور وأكثر كثافة دلاليا .. ويصبح الصوت هنا لا يحقق انبثاقا ، بل يكشف كثافة الصمت ، والخروج لا يتجسد كتحقق ، بل كأفق مؤجل ومن ثم تتحول القصيدة عند شاعرنا إلى تمثيل جمالي لأزمة الوجود ، حيث يصبح الحضور أثرا عابرا داخل بنية يغلب عليها الغياب .
وتصبح البنية الزمنية غير مستقرة فلا ماض مكتمل ولا حاضر مستقر ولا مستقبل متحقق
بل هو زمن دائرى / معلق / مؤجل ، بما يعمق ثنائية الحضور ( لحظة عابرة ) والغياب ( حالة ممتدة) .
وينسدل ذلك على قصيدتى ( يوسف القط وصورة زكي عمر ميتا) وكذلك فى قصيدة وجوه والاستشهاد بالأدلة حاضر بقوة عبر الصور والمشاهد البديعة المشكلة لفضاء النصوص .
تتبدى جدلية أخرى فى علاقة الشعر بالفلسفة كون شاعرنا دارسا متخصصا فى مجال الفلسفة مما يدعونا للتأمل أيضا فى ماهية الفلسفة والشعر وبما طالعناه بين دفتى هذا الديوان .
يقول (لوسين) إن الفلسفة هي وصف التجربة، بينما يعرف (ميرلو بونتي) الفيلسوف بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في آن واحد. أما (لوكاتش) فيعتبر الفلسفة مجرد رؤى للعالم، و(شاتليه) يعتبرها مشروع خطاب. لذلك يقول فريناند ألكييه في كتابه (معنى الفلسفة): (ما من تعريف دقيق للفلسفة في وسعه منذ البداية أن يؤخذ به، وعلى ذلك فإننا مرغمون على القيام ببحثنا بالاعتماد على صيغة مشاعر غامضة). ويخلص الفيلسوف ألكييه إلى القول: (إن الفلسفة الحقيقية، بحكم ذلك، تبدو موعوداً بها، أكثر مما هي مضمون محدد.
ولنعاود التأمل في التعريفات السابقة، ألا تنتمي فعلاً إلى مملكة الشعر أكثر من انتمائها إلى أي شيء آخر.؟ أليس الشعر أيضاً جهد يهدف إلى التركيب الكلي، ومحاولة لمعرفة الروح، ومشروع خطاب؟ أليس الشاعر هو من يتميز بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في الوقت نفسه. ثم أليست (صيغة المشاعر الغامضة) عبارة مقطوفة لتوّها من شجرة الشعر؟ وأليست القصيدة هي التي نبدو موعودين بها أبداً؟
فأفلاطون نفسه يقول: (إن منبع الفلسفة هو الدهشة) ويقول أرسطو: ( إلى الدهشة التي اعترت الناس يعزى أنهم يبدأون الآن كما بدأوا أول مرة في التفلسف). ومَن ذا يماري في أن الدهشة هي المنبع الأصيل لكل شعر حقيقي أيضاً؟.
سيظل الإبداع ذا طبيعة خلافية مفتوحاً كعملية للدراسة والبحث. فهو من حيث المكانة ي
مثل أعمق وأوسع وأعقد نوع من أنواع التفكير البشري.
فالديوان "الصوت والرماد" يحمل عمقا فلسفيا وحداثة شعرية تستحق جهدا نقديا حثيثا لإبداع حقيقي وكبير.
الورفة النقدية الأولى : ثنائية الحضور والغياب في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر السيد النماس
متابعة / مجدي جعفر
..................................................................
احتشد بقصر ثقافة ديرب نجم لفيف من أدباء ونقاد محافظة الشرقية والمحافظات المجاورة، ليحتفوا مع أدباء النادي الأدبي بديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم الكبير السيد النمّاس، بحضور السيدة الفُضلى نجوى مكاوي مديرة القصر، التي رحبت بالسادة الضيوف، كما قدمت السيدة / سمر حسن أمينة المكتبة كلمة أشادت فيها بالشاعر وبأدباء النادي وبالأدباء والنقاد الذين تكبدوا مشقة السفر في هذا الجو الحار، ليقدموا أوراقهم النقدية في هذا الديوان الذي صدر ضمن سلسلة إصدارات مكتبة الأسرة، وأدار الندوة بوعي وحنكة واقتدارالشاعر القدير رضا عطية، ولكثرة الأوراق النقدية ولأهميتها، سنقوم بنشرها في عدة حلقات :
الورقة النقدية الأولى :
وتحت عنوان ( ثنائية الحضور والغياب في ديوان الصوت والرماد للشاعر السيد النَّمَّاس) قدم الأديب والناقد محمود الديداموني دراسته النقدية، جاء فيها :
( "مات الذى لابد أن يموت من أغنيتي
لكن حنجرتى استماتت فى الغناء
غرق الذى لابد أن يغرق من سفينتى
لكن أشرعتى تقاوم الانحناء
سقط الذي لابد أن يسقط من أقنعتى
وفصدت آخر ما ورثت عن السلالات الخصية من دماء " .... من نص " الصوت والرماد "
توطئة :
يقول (يونغ) :
"الشعر العظيم يستمد قوته من حياة الإنسان كنوع، وسنخطئ معناه بشكل تام، إذا حاولنا استلال ذلك المعنى من عوامل شخصية".
"إن الشعر لـه حياته وروحه العامة التي لا تأتي من الخارج، ومثل الشعر كمثل النبات يتغذى بأشياء ولكن خصائص النبات لا يمكن أن تعزى إلى ظروف الأرض التي يعيش فيها"
يبقى النص فضاء دلالياً وإمكاناً تأويلياً، لا يحمل دلالة جاهزة ونهائية والنص الذي يستهوي القارئ يشكل بالنسبة له –على حد قول رولان بارت- موضوع اشتهاء... فهو كالجسد يغري قارئه، ويفتح شهية الكلام لديه، ويحرّك رغبته في المعرفة"( ).
فأي نص إبداعي "مبني على غياب، ويستعصي على الحضور لأنه يحمل أثر الآخر الذي يسكننا، أو يهجس بالآخر الذي لا يحضر"( ).
فكل قصيدة هي امتداد لقصائد سابقة، وكل شاعر هو امتداد لأجداده الشعراء. (فالمتنبي مخبوء في شوقي وأبو تمام في السياب وعمر بن أبي ربيعة في نزار قباني) ( ). كل شاعر إنما يقف على أكتاف شعراء قبله ليصبح أطول منهم كما يعبر صلاح عبد الصبور( ).
كما تعد وظيفة الناقد الأدبي هي إعادة النظر في النتاجات الأدبية أو الظواهر الأدبية، فينجز نصا موازيا لعالم الأدب من أفكار أو رؤى فنية، "ويتلخص عمل الناقد بتحليل التكوين الإبداعي، ومن ثم يعيد تركيبه أو بنائه، وهذا لا يعني استنساخ أو إعادة التجربة ذاتها، فهو ينطلق من أفق إلى أفق أعلى"( )، وقصديته تقوم على فتح مغاليق المنجز وكشف ما يضمر من مفاهيم، لهذا فان مهمة الناقد تتلخص في تعضيد المتن الإبداعي والكشف عن ملامح الإبداع، ومن هنا لا يمكن أن يكون هناك نقد أدبي صائب وآخر خاطئ، بل أن هناك نقد أدبي أكثر قدرة على تأويل العمل الفني وتفسيره من غيره.
فالشاعر السيد النماس أحد الأصوات الشعرية المهمة التى جاءت متماسة مع حركة التجديد فى الشعر العربي ، هناك من دمياط ، حيث بزغ نجم طاهر أبوفاشا ، وفاروق شوشة، ومصطفى العايدي، وغيرهم من الأسماء المهمة التى أسهمت فى حركة التجديد بنصيب يتفاوت من تجربة إلى أخرى، حيث تنوعت التجارب ، محتفظة بخصوصية بيئتها .. وأزعم أننى على علاقة طيبة بالمشهد الأدبي والثقافي الدمياطي ، شعراء كانوا أم سرَّادا ، مثل سمير الفيل ومحسن يونس وفكرى داوود ومصطفى الأسمر وضاحي عبدالسلام ومحمد شمخ وجمال سعد محمد ود. عيد صالح ومحمد سالم مشتى ، ود. عزة بدر ، وأحمد زغلول الشيطى ومحمد العتر ، وغيرهم ، جيل بعد جيل ، ولعل أدب دمياط يحتاج إلى عين ناقدة لدراسته لعدة أسباب هى بالتأكيد من وجهة نظرى جعلت هذا المكان وتلك البيئة غنية بأدبها وقادرة على المساهمة بنصيب وافر فى حركة التجديد ، أذكر من تلك الأسباب :
1-أنها بيئة ساحلية ذات علاقة وثيقة بالبحر والجانب الآخر من ساحله ( الغرب ) وما يحمله من ثراء الخيال وحركات التجديد .
2-أنها بيئة ذات طابع حرفي صناعى بما يحمله هذا الطابع من ثراء الحياة والواقع ومحاولة تجاوزه
3-أنها بيئة زراعية أيضا مشحونة بالحياة والتأمل
هذه العوامل الثلاثة وغيرها جعلتها بيئة ثرية متنوعة تمنح مبدعيها القدرة على الاشتباك بالفن ومحاكاة الجمال وإنتاجه فى آن .
الصوت والرماد ثنائية الحضور والغياب
ونحن بصدد قراءة تجربة مهمة لأحد شعرائها من خلال ديوانه الأول حيث صدر ديوان " الصوت والرماد " 2004 عن مكتبة الأسرة وهو بلا شك صدر من قبل عن سلسلة أدباء مصر فى الأقاليم ، وأعيد طباعته عن مكتبة الأسرة لتقديم تجربة حقيقية على نطاق أكثر قيمة واتساعا، تجربة تستحق الالتفاف حولها وتقديمها للذائقة الأدبية العربية ، بما تحمله من بريق فلسفى وروح مقاومة .
وإذا كان الشعر ينطلق من واقع المجتمع فهو لا يقف عنده وإنما يتجاوزه إلى المثالي، يبدأ من المحدود لينتهي إلى اللامحدود، ويتخطى المحسوس إلى المجرد. يقول حجازي: "إننا في الشعر لا محالة نبدأ من الواقع، لكننا لا نكون شعراء إذا لم ننته إلى الأسطورة، وذلك حين نزاوج بين العابر والأزلي ونهدم الحائط الفاصل بين الحلم والحقيقة"( ). ومن ثم فإن صلة الشعر بالواقع "صلة تصور خاص وإعادة خلق وتشكيل لا صلة نقل وتسجيل. كما أن هذه الصلة ليست غاية شعرية، فالقصيدة لا تتصل بالعالم إلا بمقدار حاجتها لكشفه وتمثله"( ).
والشاعر هو صلة الوصل بين الكون من جهة واللغة من جهة ثانية، هو الوسيط الذي يحول الواقع إلى فن( ). فهو يصارع الواقع على مستوى الفكر واللغة والتراث الفني ليصل إلى فنه. فمن خلال صراعه مع لغة الجماعة يصل إلى لغته الخاصة، ومن خلال صراعه مع المواقف السائدة يصل إلى موقفه الخاص، ومن خلال صراعه مع التراث الفني يصل إلى تشكيله الفني الخاص( ). فالشعر من هنا ليس تكراراً لما هو موجود وإلا فقد مبرر وجوده
فالعنوان نفسه يحمل دلالة رمزية واضحة تقوم على ثنائية " الحضور والغياب " من خلال لغة موحية مشحونة أيضا .
الصوت : الحضور – المقاومة - الرغبة فى البقاء
الرماد : الفقد – التلاشي – الانكسار
رمال البوادى سفت فوق شمسي نقيعا تقطر منه الدم
وراح الفرات يغيض ويعول
عويلا وبيلا
كأن الثكالى بقلب الفرات ووجه الفرات لهن الفم
كأن الثكالى شربن الفرات وأجرين دمعا بقيعانه
وأجرين همَّا بأمواهه
رمالٌ .. عماءٌ .. سرابٌ .. دمُ ..... ( من شظايا قصيدة قديمة ).
نلاحظ حالة البوح المنكسر الحزين عبر هذه الافتتاحية المؤلمة عبر شبكة مفردات مانحة بعدا مكانيا ووجدانيا ، طبيعة نازفة مقلوبة / مختلة .. طبيعة تقطر دما .. يصبح العويل الوبيل صوتا حاضرا فيها ..، ليس الألم إنسانيا فقط ، بل هو ألم كوني نفتقد فيه إلى فقدان الرؤية وزيف الحقيقة .
ومن المهم الإشارة إلى أن الشاعر لا يكتب قصيدة بقدر تنقيبه في أنقاضها .. ( شظايا قصيدة قديمة ) .
على مدخل الكوفة الداعرة
بغايا عجاف يثرثرن ساعة
ويرمقن هذا الفضاء المديد
ويرفسن هذا الهواء الصفيق
ويذكرن ما قاله الفتية
وهم يذهبون وراء الأفق
ويذكرن كم قبلة بالفم
وكم من لهيب عنيف تثلج
وكم جدول من دموع ترقرق ... الخ
إنه الفضاء التاريخي الرمزى للكوفه المرتبط بالذاكرة العربية من فتنة وخذلان تاريخي وصراع ، لم يجن منه غير التشتت والانكسار، ولعل الاتكاء على المفارقات اللغوية عبر كتابة الجملة الشعرية وتكوين الصورة لدليل على جمالية خاصة عند االشاعر السيد النماس . إنه يقدم مرثية حضارية (للفرات / الكوفة )، أو إسقاط على حدث تاريخي مأساوى ، من خلال حالة الوعى المكسور الذى يرى العالم رمادا ( غيابا ) بعد أن كان صوتا (حضورا ). يتقاطع هنا السياسي بالدينى بالتاريخي .. وهو يدين بلا شك مكانا ( الكوفة ) فقد قداسته لأنها باعت موقفها وخانت قيمها. والشاعر هنا قد أحدث صدمة جمالية من خلال استخدامه لغة الاحتجاج الشعري ، لغة فاضحة للرمز، وهنا يمكن الذهاب إلى البعد الفلسفى كون الشاعر دارسا نهما للفلسفة ، فلا يمكن قراءة النص بعيدا عن تشكله الثقافى، فنجد أن إشارته لمدخل الكوفة باعتباره عتبة تاريخية
بينما تشير مفردة ( الداعرة ) إلى سقوط هذا التاريخ ، فأصبح تاريخا ملوثا لا يمكن دخوله دون وعي بالخيانة.
وهو ما يجعلنا نقرأ النص على اعتباره تفكيك للرمز التراثي وإعادة شحنه بدلالات معاصرة صادمة ، وهو ما قدمته القصيدة وحرص عليه الشاعر بالفعل من وجهة نظرى.
وغاب القطار وغابت وجوه
وكم من سنين قصدن القطار تحسسنه
وقلن الكثير وحلفنه
وكن يلوحن في لهفةٍ لكل قطار
" تناءت ديار
وشط المزار
حبيبي حبيبي ترفق تعال "
إنه يصل إلى ذروة الانفعال العاطفي الذى يؤكد حالة الانكسار المستمرة ، كأن الشاعر يستمر فى المزاوجة بين مرثيتين للإنسان والمكان .
إنه يختم النص بأسئلة الفلسفة وكأنه يحاول محاكمة الحاضر والماضى على حد سواء بعد أن قدم طبيعة المشهد وأداوته فيقول :
علىٌّ أتى وحده صامتا أعزلا
أتى سائرا فوق ماء الفرات
وبين يديه جيوش البكارى ألوفٌ ألوف
أما من منازل ؟
علىٌّ يصلى صلاة السلام الأخيرة
ويلقى إلى النار زيت الزلال
فيا أيها العندليب المسافر
لماذا توقفت عند المخافر ؟
لماذا رفعت الكتاب احتكمت ؟!!
لماذا انتحرت ؟!!
إنه يزاوج بين أسئلة الحضور والغياب بشكل متكافئ ، كأنهما وجهان لعملة واحدة ، فلا يكون الحضور بقدر ما يجاوره الغياب ، ولا يكون الغياب بقدر ما يترك من صدى .
ما يلفت الانتباه هذا الحراك العقلي الذي يعد سمة من سمات المبدع والمتمثل بالميل القوي إلى التفكير بمنطق المتضادات والمتناقضات عندما يفكر المبدع بالبحث عن مركب جديد للأفكار.
يقول صلاح فضل: "وتختلف هذه العلاقات (أي الحضور والغياب) في طبيعتها ووظيفتها معاً، مع الملاحظة أن هذا التقسيم- مثله في ذلك مثل أي تقسيم عام- لا يكون مطلقاً: إذ أن هناك عناصر غائبة من النص ولكنها شديدة الحضور في ذاكرة القراء الجماعية في فترة معينة إلى درجة أنه يمكن اعتبارها عناصر حاضرة"
وهكذا يصير الشعر تلك الصورة التي لها فضاء لا محدود تكون بدايته الحضور ونهايته الغياب وبين هذين القطبين يتكون فضاء شعري يتراوح بين الحسّ والمعنى بين الخفي والجلي، ومن خلال هذه الثنائيات يكتسب الشعر كل قوته وشاعريته فيصبح حضوره هو اللغة والآلات الشكلية التي تحدّد معالم القصيدة كالوزن والعروض والتوزيع المعنوي والتركيب النحوي وتصبح العلاقات الأساسية على مستوى أعمق مشكل الرّؤيا الكلية للوجود… كذلك تكتسب النصوص علاقات أخرى تنتظم مع الإنشاء الشعري والنثري في بنية كلية للنص الجديد." " "
فنجد النمّاس يتعامل مع التراث بفهم عميق، وتنهض القصيدة لديه على مدارات القلق والتأمل والتمرد، فنصوصه محكمة البناء حيث يمتلك رؤية ناصعة، ويشتبك مع قضايا عصره بحميمية وروح وثابة، فالشاعر لا يكتب عن الماضى بل يستخدمه ليقدم الحاضر، وانفعاله ليس لحظيا بل مركب من عدة طبقات، انفعال الذاكرة الجريحة " ويتذكرون ما قاله الفتى ... " ثم انفعال الخذلان الجماعى ( غاب القطار – غابت وجوه ) ثم انفعال الإدانة ( على مدخل الكوفة الداعرة ) وهو ذروة الانفعال ، فتصبح المفردة قاسية فى حكمها ودلالتها ويتحول الرثاء إلى اتهام .
فالبحث في فضاء القصيدة يعني البحث في مكونات الدلالة وأبعادها، ولا يتأتى ذلك دفعة واحدة وإلا سقط العمل في التعتيم والبتر ـ فاكتشاف دلالات القصيدة ـ أية قصيدة ـ يعني المرور من السطح كما تعرضه الكلمات والتراكيب إلى الأعماق التي هي جوهر الشعر وعالمه الدلالي.
ولكي يحصل ذلك يجب تحديد المكونات الأساسية للقصيدة، أي وحداتها وحركاتها، وعن طريق ذلك يتسنى الكشف عن موقف الشاعر ورؤيته وتساعد أيضاً على الكشف عن الفاعلية الشعرية والفاعلية الإنسانية والتجربة النفسية للشاعر.
إنه يرصد ماض تحت نيران الإدانة بالإضافة إلى حاضر وواقع مأزوم، ينتج عنهما صوت يتحول إلى رماد، وهى ثنائية وجودية ذات طابع فلسفى بين الحضور والغياب .
لعل العمل الإبداعي (نصاً كان أم لوحة أم مشهداً..) الذي لا يستثير في المتلقي ردوداً متنوعة ويفتح ذهنه على أكثر من احتمال يفقد الكثير من عناصر الإبداع. أما النص أو العمل الذي لا يعطي أكثر من إجابة مهما كانت دقيقة فهو لا يمتلك سمات إبداعية كافية. العمل الإبداعي يضع المتلقي داخله فيشارك في صنع الصور واقتراح الحلول والمسارات ويفسح لـه في المجال للتنبؤ والاستشراف.. لذلك فإن النص المفتوح يظل نصاً محرضاً للقدرات العقلية ومنشطاً لها ومحفزاً.
وتأتى قصيدة " الكلام من فوهة البركان " دليلا على تلك الثنائية الحضور والغياب إذا ما ذهبنا لقراءة النص من منطلق سيميائي ، حيث نجد الصوت / الكلام ، ونجد النار / البركان ، ونجد الغياب / الحمم والانفجار ، هى عملية متصلة غير منفصلة ، رغم حضور طاقة الغضب والثورة ، إلا أن طاقة أخرى كامنة تتعلق بوجود آخر وحضور آخر قد يكون هشا لكنه يمثل حضورا ، فلا يكون الغياب مطلقا ولا الحضور مهما أيضا
كان الكلام حين حاولت البواح ذائبا عند الشفاه
وكان ثلج فوق قلبى
وكان برد ، ظلمة ، وكان نهر فى الغياهب ينتحب
الكل في واحد
والسيف فى الذهب
ورأس يوحنا يرف مخضبا وجه المياه
كنت وكانت مكة مصلوبة ، ساقطة كثور
وكنت جائعها وعاريها وكنت الديدبان
ويستمر الشاعر مستعملا الفعل " كان " وكأنه يسرد تفاصيل المشهد من ذاكرة الماضى الذى يصر على استحضارة ليصبح أمام العين ربما تسثار أو تحرك ساكنا ، يوظف التراث ويتناص معه ويستمر فى رسم مشاهده المأساوية التى تعبر عن مناطق الانكسار فى تراثنا العربي ، ونتيجة لهذا الانكسار، يقول :
"وكانت الأشجار تهوى فى قرارات العيون
" والتين والزيتون "
وتطفر الأوراق في الأحداق
صفراء ناحلة
وتسقط الجفون
ولم تعد تأوي العصافير الزغيبة للعيون
ثنائية مدهشة يقدمها الشاعر فى ثنايا سطوره الشعرية فيقول :
وكنت أنفذُ في حجارة السكوت
فتنهض الشوارع
في قاعي المفرغ وتنهض البيوت
...
غنيت ساعة الممات
غنيت لا انتبهوا للحنى لا ولا لشفرة الكلام
....
الأرض فاكهةٌ واعراسٌ وموت
ومسكنى بحرٌ تجرجره الرياح
وسفينتى صدى.
يظهر جليا قدرة الشاعر على تقديم قراءات ( مشاهد ) فى قصيدة " أربع قراءات لصلاة حب واحدة " تعبر تلك اللوحات عما ذهبنا لإليه من توجه فيقول:
كنت مخطوفا إليك والطريق ضائعة
والرياح بيننا رسلٌ ، عصافيرُ ، كوىُ
فى زنازين الجهات الأربعة
لا طريق للدخول
لا طريق للخروج
نتخفى فيك يا أرض التواريخ الشقية
ننحنى فوق هسيس الأرض نسأله الهويه
نلاحظ تحول الخطاب من الذاتي إلى الخطاب الجمعى وكأنه قصد هذا التوجه مستصرخا من خلال طرح السؤال الختامى لقراءته الأولى حين يقول :
فمتى ينهدم المسرح فوق الداعرين
ويصوغ الفقراء المسرحية .
إنه يستمر فى ثنائية الحضور والغياب وكأنه يعبر عن تلك المرحلة من تاريخ الانكسار والهزيمة ، وتحول المجتمع إلى حالة الخنوع والضياع وهيمنة هؤلاء الداعرين على حد قولة لمهاجمة المفكرين والحالمين ، وتكمم الأفواه ، ولا نستطيع التعبير عن أفكارنا وأحلامنا إلا من خلال استخدام التورية التى تحمل فى مدلولها أكثر من معنى .
نعبد الشرطي نبغضه ونعبده ..
.. نصلى للمخاوف
ونجيد التورية
وهو فى القراءة الثانية يستدعى الحلاج وابن رشد ومعاناتهما كأنها اللوحة المستدعاة فلسفيا وتراثيا للتعبير عن قراءته الأولى .
أحمل " الحلاج " في قلبي الصغير أن يقع
يعلن المذياع عن جيشٍ كلابيٍَ لجب
في طراد ملكى خلف " فتح " وظباء اللاجئين
أتناجى وابن رشد وكتبه المحروقة الممنوعة التداول .
وفى القراءة الثالثة تبزغ اللوحة المقاومة ( لوحة الحضور )
يُعملون الغصب فينا .. نتوالد
يُعملون القتل فينا ... نتوالد
والتواريخ المسيخات امَّحت
صارت هباء ومتاحف ... ( لوحة الغياب ).
بينما تنطلق فى القراءة الرابعة بوح الأمنيات .
بين عينيك وبيني أغنيات لا تموت
حبنا باق يقاوم موته حتف السكوت
أشتهيك بيرقا منتصرا يمحق يأسي .
وما يجب أن يكون حاضراً باستمرار في وعي الناقد هو عدم إلغاء الحدود بين نص أدبي ونص آخر، لأن هذه الحدود هي ما يميّز النصوص عن بعضها البعض وإلغاء هذه الحدود ـ التي هي في الأغلب الأعم شكلية لأن نصوص مرحلة معينة تفرز مواضيع متشابهة تعكس هموم ومشاكل العصر ـ قلت إلغاء هذه الحدود هو جعل الأدب أو الظاهرة الشعرية عبارة عن نص واحد كبير، أو مجموعة من النصوص المتراكمة فوق بعضها البعض، بهذا المفهوم تتداخل الحدود ولا نستطيع أن نميز ما إذا كنا أمام قصيدة لصلاح عبد الصبور أم للبياتي، أم قصيدة لنازك الملائكة أم لفدوى طوقان.
واحترام هذه الحدود هو احترام إشارات كل نص وذلك إذا انطلقنا من النظرة السيميولوجية للشعر أنه مجموعة من الإشارات الدالّة التي تعبّر عن تجربة مخصصة في هذه الإشارات لا تجد حياتها إلاَّ في كنف الجماعة اللغوية التي أنتجتها. وإشارات كل نص هي الإشارات اللغوية والتركيبية بالدرجة الأولى ولكنها تعني أيضاً التقصّي في أبعاد الدلالة والبحث في كل أشكال تجلياتها، وعدم إلغاء الحدود بين نص ونص آخر يتطلّب منا التعامل مع النص باعتباره كياناً مستقلاً، وهذا يعني اتخاذ موقفين: اعتبار النص علامة مميزة ضمن النصوص الأدبية الأخرى أي يتمتع باستقلالية تامة حيال النصوص الأخرى، وثانياً: أنه إنتاج أدبي فني مستقل عن الخطاب السياسي والاجتماعي والتاريخي، هذا من وجهة النظر المنهجية ولكن في الواقع ـ واقع الدلالة العميقة ـ أن القصيدة تتقاطع في نقاط عدة مع الخطاب السياسي والاجتماعي والتاريخي وتعيد تشكيل الأوجه المتعددة للواقع الذي تتناوله.
يقدم قراءة خامسة تستدعى ما سبق وذهبت إليه خلال السطور السابقة فيقول
أحمل وجهى كالعادة
أغسله أنظر في المرآة المعتادة
فيقهقه خلف القسمات أبي .. ( التاريخ / التراث )
أشمك ملء هواء الشارع
وأثبِّت في وادينا الأجرد
أزهار الزمن الضائع .
ينطلق فى التفتح الأول إلى اجترار الذكريات للتفتح الثاني الذى تكبر فيه الحقيقة وتتجسد المخاوف من عودة الجنود والعسس فينبشون الكتب بحثا عن سلاح أو رموز غامضة .
وينهض الفيلسوف الذى هو بداخل مبدعنا ليلحق هذين التفتحين بانقسامين أولها ينتهى بتعبير تقريري فيقول :
الأرض تبدأ من رماد البيت والموتى ودم العاصفة.
بينما يبدأ الانقسام الثاني بعودة إلى التفتح
فيقول :
تتفتحين
الليل قنبلة وورده
تنقسمين
الموعد الآتي زمانٌ وأبدْ
تتفتحين
الليل ميلاد وأنثى وكبد
تنقسمين
الرعد والبرق المجنح وانفجارات الظلال
وتجسد الأشباح والموتى سدىً
وتخلق الشيء المحال .
إنه يصر على ثنائيته ( الحضور والغياب ( التفتح والانقسام ) والغياب / الانقسام ليس بمعنى الفناء والانتهاء، فالشاعر يلبس مفرداته وصوره بعدا فلسفيا ليصبح الغياب أكثر حضورا ، بمعنى أن الغياب ليس اقصاء بل حالة وجود مواز . كذلك لم يعد الحضور حضورا مكتملا ، بل حضور هش مهدد ومؤجل ، فى حين تنقسم الذات وتغترب وتصبح غير قادرة على التماسك .
إن الشاعر يقدم لوحات مدهشة بحيث لا يكون الحضور فيها إلا من خلال الغياب ليصبح شكلا من أشكال الحضور. فالشعر يصبح عنده محاولة دائمة لملء فراغ لا يملأ. وتصبح ثنائية الحضور والغياب ليست مجرد ثنائية تقابلية بل بنية جدلية تعكس أزمة الإنسان العربي وآلية إنتاج للمعنى داخل النص واعتبارها وسيلة مقاومة جمالية ضد الانهيار الواقعي .
وتطل علينا قصيدة " النفخ فى صور الخروج " محملة من عنوانها بالكثير من الدلالات المتعلقة بالانتقال من العدم / الغياب إلى الوجود / الحضور ، فالنخ محاولة لاستدعاء المعنى ، والخروج يقارب حلم بالتحقق الذى لا يكتمل ، بما يعنى بداية جدلية الحضور والغياب منذ العتبة الأولى للنص.
وتصبح اللحظة الحاضرة عبر النص فى نهايات المقاطع حين يطالب الشاعر باتباع القلب المنطفى فيقول :
فاقتف
قلبك المنطفي
واستدر
واجه الأرض قبل السقوط .
حالة عامة تهيمن على فضاء القصيدة يتجلى فى فراغ المشهد وانكسار الزمن وغياب اليقين ، ليصبح النفخ فى الصور محاولة يائسة لاختراق صمت كثيف ، ( واجه الأرض قبل السقوط / الغياب )، مما يجعل الغياب أثقل من الحضور وأكثر كثافة دلاليا .. ويصبح الصوت هنا لا يحقق انبثاقا ، بل يكشف كثافة الصمت ، والخروج لا يتجسد كتحقق ، بل كأفق مؤجل ومن ثم تتحول القصيدة عند شاعرنا إلى تمثيل جمالي لأزمة الوجود ، حيث يصبح الحضور أثرا عابرا داخل بنية يغلب عليها الغياب .
وتصبح البنية الزمنية غير مستقرة فلا ماض مكتمل ولا حاضر مستقر ولا مستقبل متحقق
بل هو زمن دائرى / معلق / مؤجل ، بما يعمق ثنائية الحضور ( لحظة عابرة ) والغياب ( حالة ممتدة) .
وينسدل ذلك على قصيدتى ( يوسف القط وصورة زكي عمر ميتا) وكذلك فى قصيدة وجوه والاستشهاد بالأدلة حاضر بقوة عبر الصور والمشاهد البديعة المشكلة لفضاء النصوص .
تتبدى جدلية أخرى فى علاقة الشعر بالفلسفة كون شاعرنا دارسا متخصصا فى مجال الفلسفة مما يدعونا للتأمل أيضا فى ماهية الفلسفة والشعر وبما طالعناه بين دفتى هذا الديوان .
يقول (لوسين) إن الفلسفة هي وصف التجربة، بينما يعرف (ميرلو بونتي) الفيلسوف بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في آن واحد. أما (لوكاتش) فيعتبر الفلسفة مجرد رؤى للعالم، و(شاتليه) يعتبرها مشروع خطاب. لذلك يقول فريناند ألكييه في كتابه (معنى الفلسفة): (ما من تعريف دقيق للفلسفة في وسعه منذ البداية أن يؤخذ به، وعلى ذلك فإننا مرغمون على القيام ببحثنا بالاعتماد على صيغة مشاعر غامضة). ويخلص الفيلسوف ألكييه إلى القول: (إن الفلسفة الحقيقية، بحكم ذلك، تبدو موعوداً بها، أكثر مما هي مضمون محدد.
ولنعاود التأمل في التعريفات السابقة، ألا تنتمي فعلاً إلى مملكة الشعر أكثر من انتمائها إلى أي شيء آخر.؟ أليس الشعر أيضاً جهد يهدف إلى التركيب الكلي، ومحاولة لمعرفة الروح، ومشروع خطاب؟ أليس الشاعر هو من يتميز بامتلاكه تذوق البداهة ومعنى الالتباس في الوقت نفسه. ثم أليست (صيغة المشاعر الغامضة) عبارة مقطوفة لتوّها من شجرة الشعر؟ وأليست القصيدة هي التي نبدو موعودين بها أبداً؟
فأفلاطون نفسه يقول: (إن منبع الفلسفة هو الدهشة) ويقول أرسطو: ( إلى الدهشة التي اعترت الناس يعزى أنهم يبدأون الآن كما بدأوا أول مرة في التفلسف). ومَن ذا يماري في أن الدهشة هي المنبع الأصيل لكل شعر حقيقي أيضاً؟.
سيظل الإبداع ذا طبيعة خلافية مفتوحاً كعملية للدراسة والبحث. فهو من حيث المكانة ي
مثل أعمق وأوسع وأعقد نوع من أنواع التفكير البشري.
فالديوان "الصوت والرماد" يحمل عمقا فلسفيا وحداثة شعرية تستحق جهدا نقديا حثيثا لإبداع حقيقي وكبير.